ـ 23 ـــ
ــ كنت أشرح لكم، كيف اجتمع خلقٌ كثيرٌ من خليقة الله حول المحكمة، خاصة في تلك الصالة الكبيرة الوافرة الاتساع، والتي كانت تُستعملُ كافتيريا داخل المحكمة، وتراصُّوا فيها بجانب الجدران، وعلى كافة الأطراف. وكان الداعي مكلمُكم الآن، واحداً ممن تزاحموا في قلب تلك الصالة. وقد ساعد صاحبُ الكافتيريا كثيراً على إدخال الناس إلى داخلها. وتمَّ تأمينُ كراسي للجلوس لغالبيتهم. وبقي قسمٌ عظيم من الوافدين وقوفاً على أطراف الجدران. فقال أحد الشبان المجتمعين في الصالة:
ــ إذا ربح الشيطان الدعوة، فنحن خاسرون. وإذا خسر الشيطان الدعوة، فنحن خاسرون أيضاً. ولستُ أرى هنالك أملاً وحيداً باقياً لنا، لنحميَ أنفسنا.. إلا أن نعلنها ثورة.
فسأل أحدهم:
ــ ثورة؟
أجاب الشاب:
ــ أجل.. ثورة شاملة، ومنذ هذه اللحظة. وفورَ الانتهاء من هذا الاجتماع.
ــ ثورة ضد من؟
ــ ثورة ضد السلطات العليا التي أقرت القوانين. وضد الشيطان نفسه، وضد هؤلاء القضاة.
ــ الثورة فكرة جيدة بحد ذاتها. ولكن ماذا سنستفيد إذا ما اشتعلت الثورة؟
ــ سنُطيح بكل شيء، فلا نعترف بشيء كان قبل هذه الثورة. فالثورة تنسف كل القوانين والأوضاع السابقة عليها.
هنا سُمع صوتٌ قاطع حكاية عويصة التي كان يرويها. وهتف يقول:
ــ عويصة.. هل أنت متأكد من روايتك، وأنك لا تخدعنا ولا تبدد وقتنا في سخافات؟
تظاهر عويصة بأنه لم يسمع الملاحظة الأخيرة، ولا وعى شيئاً مما قاله السائل. واستمر بالقول:
ــ وعند هذا الحد، تدخل صاحب الصالة، الذي اجتهد في تجميع الناس في الداخل بهذه الكثافة، وصرخ في الجمع المحتشد في قلب الصالة:
ــ يا شباب؛ الثورة سوف تشتعل فور الانتهاء من هذا الاجتماع. فمن لم يجد في نفسه تقبلاً للموضوع فليذهبْ إلى بيته حالاً. نحن الموافقين على إشعال الثورة، سوف نعلنُها فوراً.
في هذه اللحظات، ظهر الدرويش مَلّوح في الباب، وهو يسير متمهلاً، وخلفه بان علي عليوي، وهو يجر أنفاسه، حتى وصل إلى قلب الجمهور المحتشد في مضافة الشيخ حمزة. ولما صمت عويصة قليلاً، ليستجمع أنفاسه، قال غريب الرداد، الذي عاد لتوه من جولته اليومية، بحثاً عن ابنه الضائع منذ خمسين عاماً:
ــ لم نعد ندري شيئاً. أهي حربٌ أم ثورة؟
أجاب فرهود الحمامجي:
ــ إنها كلا الأمرين فيما يبدو؛ الحرب والثورة.. للأسف.
وتساءل عباس القرباطي، متدخلاً لأول مرة في الكلام:
ــ لست أعلم ما هي الحرب، ولا ماهي الثورة. لكن الواضح أنه علينا أن نحتمل أوزارهما مجتمعين.
فتأوه الدرويش ملّوح حتى كاد يبكي. وصاح مناجياً الله:
ــ يارب.. يامن قلت: كونوا حجارةً أو حديداً. هل تعلم أننا، نحن عبيدك الضعفاء، حين سنعجز أن نكون حجارة أو حديداً، هل سوف نقوى على احتمال كل هذه الآلام التي حملتنا إياها؟
ــ هدوء.. هدوء قليلاً يا أخوة. صبراً حتى نسمع كامل الحكاية من عويصة.
كذلك هتف حوّاس، واضعاً حدا للفوضى والاضطراب الذي عكر سرد الحادثة التي اسـتأنفها عويصة.
وهنا تدخل أحد الحاضرين فقال:
ــ ولكن لماذا كل هذا الاستعجال؟ فقد لا يحكم القاضي للشيطان، وقد تؤجل الدعوى، أو تُحفظُ أو تُرد من أصلها؟ لماذا لا ننتظر قليلاً يا شباب؟ فقد تأتي الرياح أحياناً بما تشتهي السفن.
أجابه أحد الجمهور المتجمع:
ــ أية رياح تلك، وأية سفن يا رجل؟ نحن على وشك أن نُقتلَعَ من بيوتنا وأراضينا وحقولنا، وأنت تقرأ علينا شعراً وتحقننا بمخدر، وتهدينا كلاماً باطلاً لا طائل من ورائه؟
عند هذا الحد، تدخلت الساحرة حليمة في الحديث لأول مرة، وهتفت تقول للجميع:
ــ المعذرة منكم جميعاً يا أخوتي ويا جيراني. إنني أعتذرُ.. فأنا لا أستطيع أن أشاركَ في الثورة. هذا الأمر يجب أن يكون واضحاً للجميع بلا لبس. وأقولها صراحة لكم، منذ هذه اللحظة. فإذا كنا جميعنا نرفض الحرب، فمن الواجب المحتم علينا أيضاً أن نرفض الثورة. لأن ذلك سوف يغضب الشيطان ويحنقه عليَّ. وأنا بصراحة، أعمل كالموظفة عند الشيطان. فإذا عرقل سحري ونبوءاتي، تضررت أرزاقي وانقطعت. طبعاً أقول هذا القول؛ وأنا حتى اللحظة، لست متأكدة مع أي جانب يقف الشيطان؛ هل يقف مع الشعب الثائر، أم هو يقف في صف السلطات؟
فضحك الشيخ عبادة بسخرية مريرة، وقال بصوت خفيض، محاذراً أن يسمعه الجميع:
ــ نبوءاتك؟ وهل نفعت نبوءاتك يوماً ما؟ أيتها المشعوذة الفاشلة..!
وتابعه القول أحدُ تلاميذه الذين يظلون يلازمونه على الدوام، قائلاً باحتقار وغضب:
ــ فلتذهبي إلى لعنة الله. أنتِ والشيطان. ثم من الذي دعاك أنتِ أصلاً إلى الحضور؟
فأنتِ من شركاء الشيطان وأعوانه.
فاستمر عويصة يقول متابعاً حكايته:
ــ وهنا برز شاب أراه لأول مرة، وقال يخاطب جميع الحضور، داخل الصالة:
ــ يا شباب.. ولكن ما أدرانا أن هذا الرجل هو الشيطان؟ هل رأى أحدكم وثيقة تخصه، أو بطاقة تعريف تثبت شخصيته؟
فأيد كلامه آخرون، راحوا يرددون معترضين:
ــ نعم.. نعم.. نحن جميعاً نعلم أن الشيطان موجودٌ الآن في جهنم، لا في المحاكم يدَّعي ملكية عقارات. وهذا المخلوق؛ يبدو لنا كتاجر عقارات أو نصاب، أو كليهما معاً. ولسنا نستبعد احتمال أن يكون شريكاً للسلطات العليا، أو للقضاة، أو لرؤساء فروع الأمن في هذه اللعبة التي تحاك ضدنا.
فتدخل صاحب الصالة، المصر على موقفه:
ــ على كل حال قرار الثورة قد أُعلِنَ. سواءٌ كان هذا هو الشيطان، أم كان منتحل شخصيته، ولم يبقَ إلا الشروع بالتنفيذ. وفور هذا الاجتماع مباشرة.
وهنا سأل صبحي الفران.. كلكم يعرف من هو صبحي الفران. أليس كذلك؟ سأل الجمهور المحتشد:
ــ عفواً على السؤال.. وإن يكن سؤالي ليس في وقته، ومحله الطبيعي. ولكن هل نحن هنا في اجتماع رسمي مثلاً.. بخصوص الثورة؟
أجابته فتاة كردية، شديدة الحماس، ترتدي قميصاً أصفر فاقع اللون، وهي مضطربة المزاج دوماً:
ــ ماذا تعني بكلمة “رسمي”؟ حدد سؤالك بدقة، حتى نفهم ما المقصود.!
وأجابه صاحب الصالة، فيما يشبه أن يكون توبيخاً:
ــ وماذا تسمي اجتماع أكثر من مائة إنسان في صالة واحدة مثلاً؟
فقال أحد الطلاب المثقفين والمتحمسين:
ــ يجب أن نأخذ قراراً جماعياً موحداً في المشاركة في الثورة، لأن الثورة هي الصاعق والمفجر لكل ما هو ضد الحضارة في مجتمعنا.
فردد الفران:
ــ أنا آسف إذن.. أعتذر بسبب السؤال السابق. وأنا أسحب سؤالي، وأعتذر من الجميع.
ــ وهل اعتذارك وسحب سؤالك يعني أنك فهمت الجواب عليه بـ “نعم”، أو “لا”؟
بينما أعلن فتحي، صاحب محل الإكسسوارات والألبسة النسائية. أنتم بلا شك، تعرفون جميعكم من هو فتحي، صاحب محل الإكسسوارات؟ أعلن من طرفه قائلاً:
ــ أنا شخصياً لن أشارك في الثورة.
فقيل له:
ــ ولماذا؟ لماذا أنت شخصياً لن تشارك في الثورة؟
قال:
ــ هكذا. أنا لا أحب أن أشارك. ولا أحب الثورات كلها.
فقال له قائل:
ــ إذن عُدْ إلى بيع الكلاسين النسائية في محلك. لماذا جئت تحضر اجتماعنا هذا؟
فأجاب محرجاً:
ــ إنما دفعني الفضول للحضور والمشاركة، لا أكثر.
فصاح الجميع في وجهه بغضب:
ــ وهل ترى الأمر يشبه برنامج سهرة ترفيهي، على قناة تلفزيونية مثلاً؟
بينما عاد الطالب المتحمس إلى القول:
ــ إذا سمعتُ أحدكم يقول:(أكبر منك بيوم، أعلم منك بسنة)، فلسوف أعتبر حكمته المتعفنة هذه ضد الحضارة. وإذا سمعتُ بينكم من يقول بأن(كل الناس خير وبركة)، فلسوف أتعامل مع عبارته هذه أيضاً بوصفها شيئاً ضد الحضارة. إذ أن الناس كلهم في الحقيقة، ليسوا خيراً وليسوا بركة. وهذه العبارات جميعها ضد الحضارة. وهي ضروب من الغباوات التي تساوي قولنا: ( لقد سمعت عن قطارٍ دهس رجلاً). وهل يدهس القطارُ رجلاً إلا إذا كان ذلك الرجل مسطرة جامدة، أو عارضة خشبية مثبتة على السكة؟ وليس إنساناً؟
ــ ولكن لم نفهم من قولك شيئاً؛ ما علاقة الحضارة بالثورة؟
فصاحت الفتاة العصبية ذات القميص الأصفر:
ــ أوففففففف.. أحدهم أطلق رائحة فساء كريهة.. وعليه أن يعتذر، أو أن ينسحب فوراً من هذه الصالة.
فأجابها عجوزٌ وقورٌ محترم، ومهيب الطلعة والمنظر، كانوا يلقبونه في المدينة بـ”المسيح الدجال”:
ــ ما من أحد أطلق رائحة فساء، ولا يجوز التحدث بهذه الطريقة غير المحتشمة وغير الرسمية.
فردت عليه الفتاة العصبية بنرفزة شديدة:
ــ ماذا تعني بقولك “غير رسمية”؟ يجب أن يعلم الجميع ماذا تقصد؟
فعاد الرجل العجوز الوقور نفسه، وهو، بالمناسبة، أستاذ لغة عربية متقاعد منذ زمن، تدخل في الحديث ليقول:
ــ أيها السادة. اليوم شعرتُ بالغيظ والغضب. حيث كنتُ أجلس في كافتيريا المحكمة
هذه، كعادتي كل يوم، أشرب الشاي وأنتظر موعد الجلسة. أنا منذ ربع قرن تقريباً أنتظر دوراً في كافتيريا المحكمة. لأن لي دائماً قضايا لا تنتهي، أنتظر أن تبت العدالة بشأنها.
وكان إلى جانبي مجموعة من الشبان الصغار، يتناقشون بصوت عالٍ. لقد أسمَعوا حديثهم ونقاشهم كل من كان موجوداً في الكافيتريا، وبعد أن انتهوا من النقاش والمجادلة فيما بينهم، توصلوا إلى نتيجة نهائية أجمعوا عليها، وهي أن الله غير موجود، وأن الشيطان أيضاً، وبحكم النتيجة المستخلصة من براهينهم، غير موجود. وأن الموجود الوحيد في حياة هذه الأمة، والحقيقة الوحيدة هي الحرب المنتظرة. نعم، الحرب.
عندئذٍ اضْطُرِرْتُ إلى سؤالهم بعد أن أخرجوني عن طوري. ذهبت إليهم مباشرة، وصرخت فيهم بعد أن فقدت أعصابي:
ــ إذا كان الشيطان غير موجود، فمن يكون إذن، هذا الذي جاء يطالب بتمليكه محافظتنا بالكامل؟
*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
