ـــ 3 ـــ
على مقربةٍ من الجامع والأزقة في حارة الصفيح، في ذلك الفج البعيد، كرحم امرأة يقع خارج جسدها، فضاءٌ انتشرت فيه خيام الغجر المحليين، ولقد امتلأت به أكواخُهم حتى غطت المكان. كانوا يُعرَفون بالغجر المحليين، تمييزاً لهم عن الغجر العابرين، الذين يحلون في المكان في أوقات محدودة من السنة، وبصورة غير فصلية وغير منتظمة، ثم يرتحلون فجأة دون التقيد بأوقات محددة.
وعلى أطراف بيوت الغجر المحليين ـ الذين يسمونهم محلياً باسم القرباط ـ نهض بيتٌ كان يقطنه علي عليوي وحيداً بمفرده، والذي يقول عنه الناس من جيرانه، ومن الأحياء المجاورة، بأن عمره قد تجاوز المائتي عام، ولا يُلتفَتُ أو يؤبه لبعض المبالغين والمُهَوِّلين، الذين يؤكدون بأنه أعمرُ من ذلك سناً بكثير، ويزعمون بأنه رافق النبي نوحاً، وكان معه في السفينة. وكان علي عليوي، فضلاً عن ذلك، يعتقد بأن النمل القادر على الطيران، هم بعضُ أولياء الله الصالحين، متخفين على هيئة نمل. وينتهر كلَّ من حاول قتل النملات ذات الأجنحة.
حين خرج علي عليوي إلى دار الشيخ حمزة، رأى مرافق الشيخ، حواس، الذي لا يفارقه لحظة واحدة، وهتف به في اهتمامٍ مبالغٍ فيه، بعد أن سلَّم على حواس:
ــ يجب أن نذهب جميعنا اليوم مساء، إلى منزل الشيخة حليمة. علينا أن نسمع المنام الذي رآه الحارث، فإن مستقبلنا كله سوف يتحدد بحسب تأويلها لهذا المنام.
نظر إليه حواس باستخفاف، وقال بلا حماس:
ــ تقصد الساحرة حليمة؟
قال علي عليوي:
ــ جميعنا يعلم أنها لا تحب أن تُنادى بلقب الساحرة، وهي تفضل عليه لقب الشيخة.
كان منام الحارث قد طار صيتُه مثل الحريق في الغابة، بين أرجاء البيوت، وفي شتى المجالس. وكثيرون في حارة الصفيح، راحوا يشرحون للآخرين خطورته وما ينطوي عليه من خطر قادم، دون أن يُكَوِّنوا فكرة عامة عن تفاصيل المنام، وإنما بناءً على ما وصل إليهم خبرُهُ، مشفوعاً بشروح وتحذيرات من خطرٍ متوقع.
ومع أنه لم تتكون بعدُ فكرة نهائية عن ذلك الخطر، ولا عن الزمن الباقي لاستحقاقات حدوثه، إلا أن معظم القاطنين قد فزعوا، واستولت عليهم الرهبة من شدة المبالغات في
التحذير. حتى أن بعضهم قد شرع يجمع ديونه المستحقة على الآخرين سلفاً، استعداداً لهروب مفاجئ، أو رحيلٍ اضطراري غير متوقع، أو استشعاراً بذلك الخطر الذي لم يكوِّنْ أحدٌ حتى اللحظة، أية فكرة عنه.
كما أن بعض عصاة الحي قد رجعوا إلى الله، حسب تعبيرهم، وقرروا المواظبة على الصلاة والصوم، بعد كل ما وصلهم من تأويلات وإشارات محتملة، ينطوي عليها منام الحارث، حتى أن بعضَهم عبر عن مخاوفه بالهمس:
ــ ربما يكون منام الحارث هذا، هو إحدى علامات يوم القيامة.
وحدها الساحرة حليمة التي لم تُبدِ أية ردة فعل، أو تستسلم لمؤثرات المزاج العام، الذي رافق وغشي الناس الذين سمعوا عن المنام، ولا كذلك الانطباعات المستخرجة منه؛ وإنما اكتفت بالقول؛ في تصميم وثقة مطلقة:
ــ هذه رؤيا.. ومن العار أن تسموها مناماً.
ثم أضافت معقبةً في ما يشبه التحدي، بقوة وثبات لا يتزعزع:
ــ لن أحكم على الأمور حتى أسمع الرؤيا بنفسي من الحارث. ولن اُسْتَدْرَجَ إلى ما يتناقله الناس من أخبار.

ومع أن الساحرة حليمة، عُرف عنها بأنها تنبأت بكثير من الحوادث والأمور التي لم تقع، كما وصفتها وأكدتها، سواءٌ فيما يختص بأفراد من الحي، أو فيما يختص بالطبيعة وحوادث المجتمع المحلي، حتى أنها فقدت كثيراً من صدقيتها بسبب كثرة نبوءاتها، التي لم يحدث أيٌّ منها، ولو مرة واحدة. إلا أنها في هذه المرة، وبعد أن سمعت منام الحارث جيداً، وأصغت إلى كل حرف نطق به، وهو يروي للناس منامه، فزعت. وفتحت عينيها كالمرعوبة من خطر يوشك أن يختطف الجميع دون استثناء. كما روى، فيما بعد، كل الذين شهدوا تلك الجلسة الجماعية في دار الساحرة، والذين سمعوا الحارث، وهو يقص عليهم منامه. لقد رفعت كفيها مفتوحتين إلى ما فوق كتفيها، كما رووا جميعاً، وهتفت محذرة بذعر:
ــ إنها الحرب.. سوف تقع الحرب.
ومع أن أحداً لم يستوعب عن أي حرب تتحدث الساحرة، بيد أن القلق بدأ يُسَخِّنُ أعصاب جميع الموجودين، وهم يسمعون كلماتها تردد:
ــ ولن ينجو الحارث منها. بل سوف يكون أول ضحاياها. لن ننجو جميعاً منها.
حتى أن بعضهم من شدة التأثر، همَّ أن ينحني ويعانق الحارث مودعاً، وكثيرون منهم راحوا ينظرون إليه نظرة خاصة، كالمشيعين. أما علي عليوي، أكبر الموجودين سناً، فقد تجرأ أخيراً على القول، وهو ينظر إلى الحارث، يكاد يتفطر قلبه من الإشفاق واللوعة:
ــ أحسبه شهيداً بإذن الله.
وحده إمام الجامع، الشيخ عبادة، انسحب متذمراً مستاءاً، وهو يدمدم لنفسه:
ــ يا للمجانين.!
أما الشيخ حمزة، شيخ عشائر سائر جوار هذه المنطقة، فقد أمر مرافقه حوّاس بأن يخرج دفتره، بعد أن سمع ما سمع من الساحرة حليمة، وأن يدوِّنَ بعض كلمات للتاريخ. قال لحواس، الذي جهز الدفتر والقلم:
ــ ثانياً: أكتبْ.. الناس جيدون، أو هم يعتقدون بأنفسهم ذلك. والناسُ مهذبون، أو هم يعتقدون بأنفسهم ذلك. والناسُ خيِّرون، أو هم يعتقدون بأنفسهم ذلك. أما الحقيقة التي لا يعرفُها إلا الله. فهي ليست جيدة، وليست مهذبة، وليست خيِّرة. ولا تعتقدُ بنفسها شيئاً.
إنها الحقيقة فحسب.
فحدجته الشيخة حليمة بنظرات نارية، وكأنها لمست تكذيباً وجحوداً، تفوح من كلمات الشيخ حمزة التي دونها حوّاس، لتظل على مرور الزمن شاهداً تاريخياً على كلام الشيخ؛ ولم تزدْ على أن قالت بتحدٍ سافر:
ــ إنها الحرب.. ولسوف ترون.
الساحرة حليمة، والتي تسكن مع خالتها الطرشاء، هي المختصة بالنبوءات المستقبلية، وهي متنبئة وطبيبة تعالج كل الأمراض، وتحتكر حكمةً عَلِّيةً، ورثتها عن أنبياء منقرضين منذ آلاف السنين. أما الساحر جمعة، فقد كان أكثر تواضعاً وشعبية منها، بالرغم من كرهِها الشديد له، وقد كان يدافع عنها كلما تعرض لها الشيخ عبادة، شيخ الجامع، بالسوء.
أما الشيخ عبادة إمام الجامع، والقيم عليه أيضاً، فقد قيل بأنه كان في سالف الدهر الأول لصاً وقاطعَ طريق، ولكن الله تاب عليه بعد أن حسنت توبته، على إثر حادثة وقع خلالها في جُبٍّ من الجباب، وانقطع فيه عن العالم بضعة أيام، قضاها في العبادة وانقطاع إلى الدعاء، وبعدها أجرى الله على يديه بعضَ معجزاتٍ لا أهمية لها في الحقيقة، ولكن استطاع بفضلها أن ينال قبولاً من الناس، بتعيينه قيماً وإماماً للجامع. وقد كان من دأبه، كلما أتى أحدهم على ذكر الساحرة حليمة، أن يردد:
ــ إنها مجرد امرأة دجالة.. لا أكثر.
فكان الساحر جمعة يمتعض من كلمات الشيخ المهينة لحليمة، وسرعان ما ينبري للدفاع عنها:
ــ ليست دجالة. هي مشعوذة مثلي. هذه هي المصلحة الوحيدة التي اختصتنا بها الدنيا.
ثم يتابع القول معقباً فيما يشبه الافتخار:
ــ نصف علومي الروحانية تلقيتها سماعاً منها، وحَذقْتُ فيها، من بحار علمها التي لا حدود لها.
*صورة الغلاف واللوحات الداخلية للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
