ـــ 25 ـــ

استمرت المظاهرات أكثر من عام. لم يتوقف إطلاق النار على المتظاهرين في ليلٍ ولا في نهار. قتل من المتظاهرين عشرات. ولم يعثر الأمن على أية إشارة يمكن أن تهدي إلى تورط المقهى وأصحابه في كل هذه الاحتجاجات وهذا الغليان، بالرغم من أن حارة الصفيح أرادامس، قد دفنت ضحاياها الذين سقطوا في المظاهرات بصمت، ولم يقم لأكثرهم سرادق عزاء رسمي. كان الموقف معقداً مفحشاً في دلالاته التي تضعضع المعنويات العامة. ثمة يعاد ترميم موقف، يُخلط فيه تاريخ المأساة المسرف في قدمه باللحظة.

الأمكنة التي تعيش حروبها الداخلية بصمت، وعلى مدار قرون طويلة، قبل وبعد الحرب المتفجرة، التي نراها أخيراً رأي العين، ونسمعها ملء الآذان؛ تلك هي أكثر الأماكن التي تطرح على نفسها كل الأسئلة التي لا تقال عادة. والتخشب دون حراك في شقوق أعوام من العزلة، يصبح باهضاً وشاقاً، ومتعباً أكثر من السير وتسلق الجبال. إنه الجمود الأكثر كلفة. كآلية تستهلك وقوداً في وقوفها، أكثر مما تستهلك في سيرها.

عبّر زيدان لدحام عن هذه المخاوف والأفكار، ذات يوم، بصوت صريح. فقال له:

ــ العفن والانكسار ورائحة الموت، وحده الحاضر دائماً في خلفية المشهد المُشاهَد.

فلم يزد دحام على أن نبس نبساً، دون اكتراث كبير بكل ما يجري من حوله:

ــ كل فكرة تضمن وتتضمن النتيجة نفسها؛ ففي كل أخذٍ جزئية من لذة الجِماع. وفي كل عطاءٍ جزئية من آلام الولادة.

فأضاف زيدان مبتسماً بمرارة:

ــ سمعت ذات مرة بنكتة قديمة، تقول بأن شخصين اختلفا في أرنب، زعم الأول أنه أرنب ذكر، وزعم الثاني أنه أرنب أنثى. ولما استحكم الخلاف والجدال بينهما، تحاكما إلى رجلٍ غيرِ مبالٍ كثيراً بشيءٍ من هذا العالم. رجل مثلك تقريباً. فقال لهما ذلك الرجل

غير المبالي: خلافكما بسيط،  وقضيتكما سهلة الحل؛ أطلقوا الأرنب، فإن هرب فهو أرنب ذكر، وإن هربت فهي أرنبة أنثى.

فابتسم دحام، وقد أدرك أنه هو المقصود، فقال:

ــ عند التأمل في الحكم الذي حاكم به هذا الرجل الإشكالية، سوف نجد أنه كان على حق من كثير من الوجوه، ولم يخطأ في الحكم. لكنه رد أصل المشكلة إلى طبيعتها اللغوية، وفصل في المسألة المطروحة على بساط الخلاف، من خلال نسيجها اللغوي، فانحل الخلاف إلى مسألة من اختصاص اللغة، لا علاقة لواقعيتها وطبيعتها البيولوجية بأصل المشكلة المطروحة.

هذا يستحضر سؤالاً: منذ قرنٍ من الزمن، كم قضية من قضايانا، لها مساس بحاضرنا ومستقبلنا، قد رددناها إلى تحليل أطرافها اللغوية، ثم قمنا بتقديم الحلول لها، لغوياً؟ ثم انتهينا من كل ذلك، بأن هتفنا جميعاً: ذلك هو الحل.

سكت دحام قليلاً. ولما وجد أن زيدان ما زال ينتظر منه مزيداً من التوضيح، تابع يقول:

ــ الفرق بين صوت وصوت كبير جداً. إلى حد المخالفة والضدية في مغزى الوظيفة. صوت كلب الحراسة مثلاً. إذ يبدو من حيث الظاهر، وببراءة الأداء الرتيب والممل، وكأنه يقوم بعمل، أو هو يؤدي وظيفة تتناسب طرداً مع ما يقوم به، وما يبذله من جهد، ينال من إعجاب أصحابه، ويُشكر عليه؛ من نباح الماضين والغادين إلى دار صاحبه. وهو مطمئنٌ إلى أنه لا ينال تلك الرعاية من أصحاب الدار، إلا بسبب وظيفته وخدماته التي يؤديها بنباحه.

أكثر من ذلك، فإن أصحاب الدار أنفسهم، ربما ظنوا، بمرور الوقت، كما راح يظن كلبهم، وكوَّنوا لديهم قناعته نفسها، بيد أن الحقيقة أحياناً صادمة، حينما تنجلي للكثيرين. فكلب الحراسة لا ينبح الضيوف والطارقين والمارين في الدرب. إنه ينبح ليسمع صوته هو. فإذا اطمئن إلى صوته، تأكد له بأنه موجود. أو هو ما يزال موجوداً حتى تاريخ آخر نباح. فالنباح هنا يلعب وظيفة تحسس الجوارح والأعضاء، لشخصٍ انتابه الشك بأنه

ربما يكون قد مات، أو فقد وعيه ووجوده لسبب ما. فإذا تلمس نفسه، تأكد له بأنه ما يزال موجوداً. حياً طرياً وهو يتنفس. بيولوجياً ووظيفياً.

واقع الحال، بناء على هذه الفكرة ـ هذا إن سلمنا بصحتها ـ فإن كلب الحراسة، هو من يستعمل صوته للإجابة على نداءاته الداخلية؛ فهو المستفيد، وليس صاحب الدار، كما نظن ونتوهم. وعليه، فإن صاحب الدار هو من يجب أن يتقاضى أجراً من كلب حراسته، وليس العكس. إنه يفتح له آمالاً لإثبات الموجودية من خلال النباح.

وهكذا هي الحرب ومنطقها، بالنسبة لكثير من غير الموجودين حقيقة، إلا في سياقات الحياة اللغوية. إننا نموت لكي نحل المعادلة الرياضية التي يصعب حلها؛ نحن نموت لكي نبرهن على أننا أحياء. أو ما زلنا أحياء. فالحرب أحياناً، تكون صاحبة فضل وعطاء، وليست شراً محضاً. هي أحياناً منحة الحياة على شكل موت، وليست استيفاء مما نملك. 

تمتم زيدان بارتياع ووجل:

ــ ما أقسى هذا الذي تقوله يا دحام..!

                                                ***

يعرف الناس جميعاً، في هذه الحارة، حمود الأغواني. وهم يسمونه الرجل الذي يصيب بالعين، وهذه ليست ميزة مكتسبة في الرجل، بل هي خصيصة طبيعية، امتاز بها الرجل على طبائع الناس أجمعين. كما كانوا يعرفون بأنه يقتل البقرة من نظرة واحدة، والنعجة من نظرتين، لأن البقر، كما يعتقدون، أضعف في الإصابة، أمام عين الأغواني. أما إذا أخفقت العين في إصابتها، فإنه كان ينهي الموضوع ضاحكاً بما يشبه المزاح:

ــ لقد فرغ مشط الذخيرة من الرصاص.

قال غريب الرداد:

ــ أنا أعطي الأغواني من جيبي بعض المال، كلما التقيته، وكل ما تيسَّر وقسم الله. حتى أتقي شره وشر عينه.

فأجابه علي عليوي:

ــ وهل يوجد فيك ميزة تستحق الإعجاب وتستثير العين لإصابتها؟ يا رجل أنت لا تمتاز كثيراً في المواصفات عن الخراء. فلماذا تخسر مالك لكي تحفظ نفسك من العين؟

أجاب غريب الرداد:

ــ صدقت. حين تقع الحرب، فإننا نخسر من أنفسنا أكثر مما نخسره من الخراء.

ثم أضاف:

ــ ولكنني حتى الساعة لست أفهم؛ هل هذه المظاهرات التي يطلقون عليها النار، هي بداية الحرب أم هي نهايتها؟

ــ وفيم يفيدك كثيراً أن تعرف إن كانت بدايتها أم هي نهايتها؟ هل تريد نهاية للحرب كي تعود لتتفرغ للبحث عن ابنك الضائع؟

ــ آية الأمر؛ أنني بدأت أفكر في الكفِّ عن هذا البحث المضني، الذي لا نهاية له. لقد تعبت كثيراً، وفوق طاقتي كإنسان. وهكذا لم يعد يعنيني كثيراً أن أجد ابني، أو لا أجده. كما أنه لم يعد يعنيني أن يكون للحرب بداية أو نهاية.

عاش غريب الرداد عمراً طويلاً، لا يَطمع المرءُ أن يعيش مثله. ربما جاوز التسعين عاماً بقليل. ولقد تزوج خلال هذا العمر الطويل ست نساء، أربعة نسوة منهن إنسيات، واثنتين من إخواننا، من نساء الجن. وأنجب منهن سبعة وعشرين ولداً، بعضهم رحل لطلب الرزق بعيداً عن هذه المدينة، وعن حارة الصفيح، وغادره بعضهم الآخر، دون رجعة، إلى بلدات وقرى بعيدة لا يَحفظ غريب أسماءَها، ولا يعلم اليوم أين هم أولاده على وجه الدقة.

ولقد مضى شطرُ عمره الطويل، وقدَّر بأنه بات مقبلاً على النهاية، وراح يتحضرُ منذ زمن طويل لضجعة الموت وغشاوتِه التي لا يُستحسَن المفرُّ منها، ولا يعلم أحد كيف وإيّان قد تحل، أو يمكن أن تأتي بغتة، لكن غريب الرداد، كان مستعداً ومتجهزاً لها بأكثر مما ينبغي لإنسانٍ حيٍّ. خاصة أنه لم يعد له أية بغية أو مطمع ينشده في هذه الحياة.

في أحد الأيام، من تاريخ مضى قبل اليوم، وفي ليلة غاب قُمَيرُها في المَحاق، حيث كان مألوفاً للقاطنين في الحي قرب الجامع، أن بزوغ القمر فألُ خيرٍ دائماً، وغيبته فألُ شرٍ على الأغلب، ظهر له رجل روحاني، يرتدي ثياباً بيضاء، (جمعة الساحر قال له هذا هو الملاك ميكائيل الذي ظهر لك). ما جعل غريب الرداد يعتقد جازماً، أنه موفد من قبل الإرادة العَلِّية.

بعضهم رجَّح أن يكونَ ملاكاً من عند الله. وآخرون ـ ومنهم إمام الجامع، الشيخ عبادة ـ رجَّحوا أنه ليس أكثر من وليٍّ من أولياء الله، أما أهل الغباوة والشقاوة والجاهلون في الحي، ممن لا خلاق لهم في الدنيا ولا في الآخرة، فقد اكتفوا بالضحك من رواية غريب الرداد، وقطعوا بالقول إن العجوز بات يخلُط ويهْجُرُ ويُخَرِّف. وتدفعه الكوابيس والهلوسات إلى مصير لا عقبى له.

قال غريب الرداد، وقد احتشد كلُّ جمهور الحي، يستمعون إلى روايته في أكبر ساحات الحي:

ـ لقد سألني عن ابني الذي أضعته منذ خمسين عاماً. قال لي الملاك بغضب: يا غريب الرداد، أيها الجحش، كيف أضعت ابنك في ذلك المشفى؟

يومها لم تكن هنا، في سائر المدينة، قد بنيت المشافي. وكانت زوجتي قد حضرتها الولادة في مدينة أخرى، ليست قريبة. قلت لذلك الرجل، أو الملاك، الذي ظهر:

ــ سرقوه مني يا سيدي، وهو في سريره بعد ولادته.

قال:

ــ من سرقه منك..؟

قلت:

ــ لا علم لي بشيء حتى اليوم. ولكن شككنا يومها بتلك المرأة التي فقدت جنينها الصغير

أثناء الولادة. لقد خطفته خلسة وهي تغادر المشفى، وذهبت به دون رجعة، ولم نعثر لها على أثر.

قال:

ــ ولماذا لم تتعقبها، وتعثر عليها لتسترد أبنك أيها الجحش؟

قلت:

ــ بحثنا يا سيدي. بحثنا عنه وعنها، ولكن عبثاً. إذ لم نجد لها أثراً.

قال:

ــ بحثتم؟ أتُسَمُّون هذه البلادة التي أبديتموها بحثاً وتفتيشاً عن الطفل؟

هممت أن أقول للملاك:

ــ إنه ابني يا سيدي. ابني، وليس ابنك. وأنا أولى بلقياه، والعثور عليه من أي إنسان. ثم إن الله قد رزقني من بضاعة الأولاد ما فاض عن حاجتي.

لكنني لم أقل له ذلك، لأنني خشيت أن يلطمني على وجهي. لست أدري لم كان غاضباً مني كل هذا الغضب. غير أنني لم أفعل، ولم أجاوب. لزمت الصمت، فأمرني الرجل؛ أعني الملاك، بلهجة حاسمة غير ممهلة، ولا تعرف الانتظار أكثر:

ــ قم يا غريب الرداد منذ هذا الصباح. قم واشرع في البحث عن ابنك. دون ريْثٍ أو بطء.

اجتمع بعض أهل الحارة حول الرجل الذي امتطى حصانه، وراحوا يلقون عليه الأسئلة تباعاً:

ــ أين ستجدُ اليوم ابنك يا غريب؟

ــ لعله مات منذ زمن بعيد؟

ــ وعلى فرض أنه ما يزال حياً، فهو اليوم عجوزٌ مثلك قد جاوز الخمسين.

ــ إذا عثرت عليه، فهل ستحضره هو وأولاده وأحفاده معك؟

ــ يا رجل إنزل عن هذا الحصان، وعُدْ إلى فراشك حيث كنت، فأنت في طور الاحتضار.

وهتفت الساحرة حليمة، تقول للجموع:

ــ ما أدرانا.. فلعلَّ هذا الرجل قد جُنَّ منذ زمن بعيد ونحن غافلون عنه؟

وردد عبدو السكير بخشوع:

ــ إنا لله وإنا إليه راجعون.. ذلك تقدير العزيز العليم.

وقال إمام الجامع، الشيخ عبادة:

ــ دعوه..! فإنه مأمور من سابع سماء، ومحمولٌ على قدر الله ومشيئته، فيما يقول ويفعل.

وقال أحد المنافقين في الحي:

ــ حرامٌ عليكم أيها الناس، أن تتفرجوا على رجل طاعن في السن، يهمُّ أن يهيم على وجهه لمجرد أن رأى هلوسات أثناء نومه.

وقال عويصة الذي ينحدر من سلالة الأسماك:

ــ اسمعوها مني قبل أن يبلغكم الخبر: سيذهب الرداد بحثاً عن ابنه الفقيد، ولن يعود.

وعادت الساحرة المتنبئة حليمة تصرخ في الجموع:

ــ يا لأهل هذا الحي البائس المساكين. لقد توقعت أن يصابوا جميعاً بالجنون، منذ أن خرجت الشمس من برج الحمل، وتعامدت مع الجوزاء.

أما فرهود الحمامجي، فقد قال:

ــ قد يتيه هذا الرجل، للأسف. لذلك سأرسل الحمام الزاجل على أثره، لكي يتحسس له

أخبار ابنه، ويهديه سواء السبيل.

وقال الشيخ عبادة:

ــ اللهم اجعل لنا من أمرنا رشداً.

أما غريب الرداد، فلم يكترث بكل ما قاله القوم، فقد وكز حصانه استعداداً للانطلاق في رحلة البحث الطويل، وهتف يقول للناس:

ــ أنا على يقين بأن ابني في مكان قريب. إن موضع لبثه وإقامته لم يتجاوز حزام هذه البيوت والأكواخ التي أحاطت بالمدينة والحي.

عندئذٍ سأله أحدهم:

ـ هل أخبرك أحد من الناس بمكانه يا غريب؟

ـ لا.. ولكنني طفقت أشم رائحته منذ الآن.

وانطلق الحصان يهملج في الطرقات والدروب والأزقة، ويغشى الأرياف المجاورة.

*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment