ـــ 26 ـــ
قال زيدان:
ــ لقد ظهر مصعب أبو الحكم مجدداً.
صاح دحام بإشفاق:
ــ لا.
ــ بلى.. لقد ظهر أخيراً، فيما يبدو.
ــ قلبي حدثني بالأمر.
وقبل أن تنسحب السلطات من المدينة، وتُخلي سائر المكان للثائرين، بدأت حركة غير طبيعية تعج داخل المقهى. تكاثر مخبرو السلطة، وأصبح حضورهم كثيفاً على مدار اليوم. وقد حدث أن دخل المقهى رجل غريب في ذلك اليوم، وقبل السقوط الأخير للسلطة بشهر تقريباً، رجل أنيق المظهر إلى حد ملفت.
مسح الغريب المكان ببصره الذي تغطيه نظارة سوداء؛ لا وظيفة لها إلا إضفاء نوع من الفخامة والتعالي على ذلك الجمهور من حوله، أما البزة الخالصة البياض كالحليب، التي كان يرتديها، فقد أضفت عليه مظهراً خاصاً، يَنفر من جو المقهى الملوث، والغارق في الرثاثة والبدائية. مما يثير إشفاقاً فطرياً أن تعلق بالبزة أثارةٌ من غبار أو بقع سوداء، لاشك أنها سوف تترك سريعاً آثارها على بياض البزة الناصع.
جلس الرجل الغريب منفرداً على أحد الكراسي، كأنه لم يكن يبتغي إلا انتظار بعض الوقت، لارتباطه بموعد مع أحد ما. نقر بإصبعه نقراً مستعلياً، وهو منهمك بين لحظة وأخرى، بإعادة إشعال سيجاره الفخم الثمين. وحين رد عليه الكرسون من بعيد، مستمهلاً في الوصول إليه بعض الوقت، لم يكترث، ولم ينظر نحوه. تابع التحديق في نقطة واحدة في الفراغ أمامه، لا يريم ولا ينزع نظره عنها. وصل الكرسون أخيراً، مبتسماً مرحباً وهو يكرر باستمرار:
ــ آسفون أستاذ على التأخير. طلبك أمرٌ علينا أستاذ.
همس الغريب بازدراء:
ــ ماذا يوجد عندكم للشرب؟
ــ كلُّ ما تطلبه حضرتك أستاذ؟ حار. بارد..؟
ــ إذن أحضرْ لي قهوة سادة. وأسرع بالماء المثلج.
ــ تكرم أستاذ. طلبك مجابٌ فوراً.
حدق الكرسون فيه ملياً. استغرقه النظر فيه بضعة ثوانٍ. توقف القلم عن تسجيل الطلبات على دفتره الصغير ـ كأنما أصيب بشلل مفاجئ ـ وبدا كأن معرفة قديمة كانت تربطهما في الماضي. انتبه إلى الكرسون لأول مرة، فرآه يحدق فيه في ما يشبه التأمل. فقال مُجابهاً، في شيءٍ من السخرية:
ــ كأننا نعرف بعضنا من قبل؟
أجاب الكرسون:
ــ بل إننا نعرف بعضنا جيداً بكل تأكيد أستاذ.!
ابتسم الغريب ليضفي ملمح التعبير عن السخرية في وجهه، وهتف بالكرسون، حتى بدت معالم صوته تتضح لسامعه لأول مرة:
ــ هاه.. نعرف بعضنا؟ يالها من مفاجأة سعيدة..!
ــ بالتأكيد هي مفاجأة سعيدة. فنحن أصدقاء وزملاء منذ زمن طويل. منذ أيام مقاعد المدرسة.
ــ أية مدرسة؟ وهل بات كراسين المقاهي يتخرجون من المدارس في بلادنا؟
ــ وكم مدرسة كان يوجد على أيامنا أستاذ؟ بالتأكيد أنا أعني مدرسة الرشيد. هل نسيت المدير فلان؟ ومستخدم المدرسة فلان؟
ــ هاه..! وهل يمكن للمرء أن ينسى هؤلاء؟
ــ لقد كنا معاً في نفس الصف. منذ الصف الأول الابتدائي، وحتى تخرجنا من المدرسة. ألم تتذكرني بعد؟
حدق ذو البزة البيضاء والسيجار في الكرسون، كأنه يتفحص كلَّ بثرة وثؤلول في تضاريس وجهه الذي عفَّرته السنون، ولم يتذكره إلا كحلمٍ قديمٍ، ما يزال حتى اللحظة غير مستوثق من صور خيال زائفٍ تنثال عليه. ثم قال أخيراً:
ــ أظن أنك نوري؟
ابتسم الكرسون ابتسامة لها دلالة مميزة، وهو يوثّق انتصار ذاكرته، وهتف بابتهاج وحبور:
ــ وأنت جمال. جمال الذي لم تخطئك عيني مُذْ أبصرتُك بعد مرور كل هذه السنين.
ضحك بجهد وكلفة لأول مرة في وجه الكرسون، ورد مازحاً:
ــ هل مازلت تذكر يا نوري. يومها كان اسم جمال يعدل نصف أسماء زملائنا في الصف؟ ولولا تلك الأقلية ممن هم مثلك، لكان كل الأطفال في أيامنا يُدعَوْن جمال.
أجاب الكرسون بحبور وفرح المشتاق:
ــ وكيف أنسى ذلك؟ نحن جميعاً كنا في الصف، من مواليد أعوام الوحدة السورية المصرية، ومن أبناء ذلك الجيل. ولقد وُلد جيلنا كله ما بين هذين العامين. ويندر في تلك الأيام، أن تجد عائلة تفوتها فرصة التبرك بشخص جمال عبد الناصر، دون أن تطلق اسم أي مولود جديد للأسرة عليه، مستحضرة اسم جمال..
فراح جمال يقول:
ــ كان اسم جمال على أيامنا تلك، أعني ابناء جيلنا، أكثر شيوعاً من أي اسم آخر. ولكن.. فاتني أن أسألك يا نوري؛ هل تعمل كرسوناً في هذا المقهى منذ فترة طويلة؟
ــ منذ أن نجحنا في الصف السادس، واجتزنا الابتدائية، وغادرنا مدرسة الرشيد، وأنا أعمل في هذه المهنة، وأتقلب فيها من مقهى إلى آخر. اضطررت إلى ترك المدرسة نهائياً بعد وفاة والدي، وقد ترك خلفه سبعة أولاد، أنا أكبرهم، إضافة إلى والدتي.
وبدأتُ العمل بهذه المهنة ليل نهار. أتعب وأجمع القروش قرشاً فوق قرش، لكي أطعم تلك الأفواه الجائعة. كرست حياتي كلها لأخوتي ووالدتي، فلم أتزوج، ولم أبنِ بيتاً ولا أسستُ أسرة كالآخرين. مازلت أنا وأهلي نسكن في نفس بيت الإيجار الذي تركه لنا الوالد. ولكن.. الحمد لله.. فقد أشرفت على رعاية كل شؤون الأسرة، وتابعت دراسة أخوتي وسائر أمورهم جميعاً، ولقد ظللت أنفق عليهم، فلم يُحرموا شيئاً، حتى تخرجوا من الجامعات.
أسرتنا مؤلفة مني، ومن والدتي، ومن أربعة أشقاء؛ وأختين. زوجتُ شقيقتيَّ زواجاً محترماً، وجهزتهن بأفضل ما أتمنى وأحلم به، وسعيت في مستقبل أخوتي، حتى أصبح لكل واحد منهم وظيفة ومنزل وزوجة وأولاد. الحمد لله. صحيح أنني لم أكسب شيئاً في هذه الحياة، أعني شيئاً شخصياً لنفسي، إلا أنني فخور كل الفخر بما أنجزت. وتنقلت بين العديد من المقاهي، أعمل بها خلال سنين. فمن هذا المقهى وغيره، والتي تراني أعمل فيه كرسوناً، أنقذت أسرتي اليتيمة من الهلاك والضياع، وكفلتها وكأنني أحييتها بعد موت. صحيح أنني تعبت كثيراً، ودب في جسدي الكثير من الأمراض والعلل، بيد أنني سعيد جداً. وفخور جدا بما حققت لعائلتي.
قال جمال:
ــ بارك الله بك وبهمتك وصحتك يا نوري. أما أنا فأعترف بأن أولادي قد فشلوا جميعاً في الدراسة، رغم الإنفاقات الهائلة التي تكبدتها وأنا أنفق عليهم. اضطررت في آخر الأمر لأن أشتري لهم شهادات البكالوريا من تجار شهادات، وأرسلتهم إلى جامعات في أوكرانيا وروسيا وليتوانيا، تبيع الشهادات الجامعية بالدولار مثل أية سلعة. صحيح أنهم اليوم قد تخرجوا من الجامعات، أو الأصح، أنني أنا من اشتريت لهم شهادات تخرجهم، إلا أنني لا أراهم إلا فيما ندر. ولا أعلم عن أخبارهم الكثير. إذ نادراً ما يتصلون بي.
قال نوري:
ــ أنا سمعت بأنك حصلت على شهادة الإعدادية، وبعد الإعدادية أوفدتَ في بعثة داخلية لإكمال الدراسة في العاصمة، ثم أرسلتَ إلى خارج البلاد، حتى عدت بشهادة جامعية على نفقة الحكومة.
ضحك جمال وهو يقول:
ــ وماذا سمعتَ عني أيضاً؟
قال نوري:
ــ أعرف أنك كنتَ رئيس شعبة الحزب لعدة سنوات، ثم أصبحتَ عضواً في قيادة الفرع، ثم في القيادة القطرية والمركزية. وكنت المسؤول المباشر عن توزيع الأراضي المروية التي وزعتها الدولة في مؤسسة حوض الفرات. وسمعتُ أيضاً بأنك بنيت عمارة كبيرة من عدة طوابق، وأنك تملك شقتين في حلب، وثلاث شقق في دمشق، وشاليه فخم قريباً من شاطىء اللاذقية، وفيلا في الزبداني. ولديك أسهم في شركة خليجية مشهورة.
سأل جمال مازحاً، وإن لم يستطع أن يقاوم بعض الغيظ الذي ألمَّ به:
ــ هل كنت تعمل مخبراً حتى تعرف عني كل هذه المعلومات يا نوري؟
قال نوري:
ــ لا أستاذ جمال. ما من داعٍ لأكون مخبراً. فكل أهل مدينتنا يعلمون ما أعلم، وليس في الأمر سر.
قال جمال: ــ الثورة غمرت كل الناس بخيرها وإنجازاتها، وأنا من هؤلاء الناس. صحيح أن الجميع ليسوا على سواء واحد، بيد أن الحق أحقُّ بأن يقال؛ فقد أحسنت الثورة إلى الفقير وإلى الغني، وارتقت بأحوال الجميع.
ضحك نوري بشجن، وقال:
ــ يبدو أنني لست من هؤلاء الجميع، لسوء حظي. فأنا الاستثناء في القاعدة. ولكن لا أحسب أنني الاستثناء الوحيد، فهنالك مئات الآلاف ممن هم مثلي، ممن لا يملكون إلا ما يكفيهم لسد الرمق. ومع ذلك؛ من رضي بقسمته عاش راضياً أستاذ جمال.
قال جمال:
ــ يا أخي يا نوري؛ من كانوا في مثل أحوالكم، هؤلاء قلة قليلة في مجتمعنا، وهم استثناء القاعدة الشعبية الكبيرة. إنهم غالباً أولئك الأفراد القليلون، الذين لا طموح لهم ولا مواهب عندهم. لذلك تجدهم ـ كلما رجعت إليهم بعد مضي كل هذه السنوات ـ على ما كانوا عليه، دون أي تغير أو تطور. إنهم تلك الطبقة الرثة المتداعية.. احم.. عفواً. أنا آسف للتعبير. كنت أريد القول إنهم ذلك النوع من البشر، الذي يحتاج إلى معجزة ربانية، لا إلى ثورة؛ لكي ترتقي بأوضاعهم الإجتماعية.
قال نوري:
ــ أمثالنا كثيرون أستاذ. وهم لا يحتاجون إلا الستر والكفاف من العوز في هذه الدنيا. ونحن نعلم أننا، أنا ومن هم من أمثالي، لن يقف إلى جانبنا أحد؛ لا الله ولا الشيطان. ولا الثورات. ولكن ..
ــ ولكن؟
ــ المثقفون أمثالكم.. خبزهم فطير بلا خميرة. والمبدعون خميرهم بلا عجين ولا خبز، والسلطة فتحت كشكاً للبيع فيما بينهما؛ تشتري هذا وتبيع ذاك. والعبقريات تولد يتيمة، وتعيش في دور الأيتام مشلولة، وتوأد بصمت بين قبور النسيان.
ابتسم جمال ابتسامة صفراوية وهو يعلق:
ــ يالها من تخيلات لئيمة، وغباء لا يضمر أية نوايا طيبة.
ــ أعني.. أردت أن أقول كما يقول المثل القائل: ﺇﺫﺍ ﺷﺒﻊ ﺍﻟﻤﺮﺀ ﻟﻢ يكد ﻳﺠﺪ ﻟﻠﺨﺒﺰ ﻃﻌﻤاً
كما يقولون. والآن، أستأذنك أستاذ جمال. يجب الآن أن أذهب لأحضر لك فنجان القهوة السادة.
مد جمال يده إلى جيبه ليستخرج شيئاَ ما منه، غير أن نوري ابتدره القول:
ــ لا داعي أستاذ جمال لثمن فنجان القهوة. فاليوم أنت في ضيافتي، والشاي أيضاً على حسابي الشخصي. هذه هدية اللقاء بين صديقين افترقا قبل أربعين عاماً من على مقاعد المدرسة، وجـمعهما الـزمن في صدفـة لقاء عابـر على مـقاعد الـمقهى. أهلاً بك أستاذ جمال. لقد تشرفنا بحضورك إلى مقهانا المتواضع.
*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
