ـــ 27 ـــ

ترك نوري الوقوف بين الطاولات، وعزف عن العمل الدؤوب كما اعتاده في المقهى. وآثر أن يجالس صديقه القديم جمال، على طاولته بعض الوقت، يستروحان قليلاً من عناء الحياة بالاسترجاعات القديمة، والذكريات المنصرمة.

كان جمال يضحك، كلما تذكر بعض ما جرى معه من حوادث وذكريات قديمة بائدة. حتى استحال ضحكُهُ أحياناً، إلى درجة من القهقهة التي تقارب الانتعاش بالثمل، من فرط نشوته بالاستذكار. فروى لنوري كيف زوّر شهادات جامعية لطلاب بائسين فقراء، يوم كان مبعوثاً من قبل الحكومة، إلى بلدان أوروبا الشرقية، حين كان يدرس في جامعات تلك البلدان.

كما روى طرفاً من ذكرياته، عن فترة توليه إدارة توزيع الأراضي المروية، في مشاريع الريّ، في الفرات. وانفجر ضاحكاً وهو يتذكر ويروي لنوري، كيف باع مرةً إحدى الحدائق العامة لبعض الريفيين، بعد أن أقنعهم بأنها حديقة تقع في ملكيته الخاصة. وكاد أن ينجح مرة في بيع الساحة المركزية للمدينة، والمتحف المركزي، لولا أنه عدل عن البيع في اللحظات الأخيرة.

ضحك نوري كثيراً هذا اليوم، وهو يصغي؛ وقال لجمال مشجعاً على الحديث، وهو يشعر بالسعادة:

ــ لو استمر بك الحال بعض الوقت، زيادة في تلك الوظيفة الحكومية، ربما بعتَ نهر الفرات أيضاً.

قال جمال، وقد استهلكته النشوة الطروب، والسعادة البالغة:

ــ لقد فكرتُ في ذلك في فترة من الفترات. لكن هذا ليس أغرب ما حصل لي. هنالك ما هو أكثر غرابة بكثير من التفكير في بيع النهر. كان يوجد في العاصمة، حيث أقمت أنا وعائلتي لسنوات طويلة، طبيب وعالم أحياء من إحدى الدول في المعسكر الإشتراكي.

أقام في بلدنا بضع سنين، بعد أن تعاقد مع الحكومة على تطوير أبحاث وعلوم تختص بالأحياء والبيولوجيا، مثل تحويل البشر إلى جراثيم، وتحويل الجراثيم إلى بشر.. وغير ذلك من هذه الخزعبلات.

كان اسمه الحقيقي الكسندروفيتش، لكننا كنا نسميه الدكتور معتوق، بعد أن اتقن العربية، وأصبح يتحدثُها مثلنا، وبعد أن اعتنق الإسلام، وحسن إسلامه؛ حتى لا تكاد تشعر بأنه رجل أجنبي.     

كان الدكتور معتوق قد جمع ثروة بسيطة من خلال تلك الأبحاث العلمية، حتى فاقت شهرته السَحَرة الكبار المشهورين في العالم. وأشادت به الصحافة، وإن تكن قد بالغت الإشاعات الرائجة حوله كثيراً؛ بأنه يستطيع أن يحيي الموتى، وأن يُجمّدَ أعضاء الأحياء لأيام طويلة، حتى تصبح كأجساد الموتى. وكان الوحيدُ في العاصمة الذي كان يُعترَف به، كأمهر تاجر في اختصاصه الفريد؛ تجارة الأعضاء البشرية، بيعاً وشراءً. وكذلك نقلَها وتجميلَها وتحسينَ أشكالها، بل وحتى تصنيعها من مواد عضوية، حيوانية المنشأ، في بعض الأحيان. حتى نال اعترافاً رسمياً من الحكومة، وأصبح شريكاً لكثير من الشخصيات المسؤولة في الدولة.

تابع جمال يروي لنوري قائلاً:

ــ وكما يصحُّ القولُ بأن الدكتور الكسندروفيتش، أو الدكتور معتوق كما كنا ندعوه، قد حقق نجاحات منقطعة النظير، جعلت شهرتَهُ تذهب بعيداً في الآفاق، إلا أن هذه النجاحات واكبتها إخفاقاتٌ كثيرةٌ وفشلٌ مريرٌ مستمرٌ. مما سبَّبَ للدكتور معتوق مشاكل كثيرةً، مع الحكومة والأهالي على حد سواء، وعرَّضَه لصداماتٍ شتى مع مرتادي عيادته، وصلت إلى حد رفع دعاوى قانونية عديدة ضده، من أكثرِ زبائِنِه، والتي ترتَّب عليها إلزامه بمصاريف وغرامات لا تحصى. ودفعه لتعويضات كثيرة للزبائن الذين أخفق في نقل قلوبهم، أو فشل في استئصال عقولهم الصغيرة، واستبدالها بعقول أكبر وأذكى، وأكثر رجاحة وحكمة. أو تبديل عيونهم. أو تحويلهم من ذكور إلى إناث، ومن إناث إلى ذكور.

وفي حالة مشهودة يعرف تفاصيلها كل أهل البلد، وحتى سكان حي الصفيح هذا، وكيف أنهم تحدثوا بأن فرهود الحمامجي زاره مرة، وعرض عليه أن يجريَ تعديلاتٍ وراثية، وتحسينات بيولوجية، من أجل تحويل الحمام الشقشرلي، المعدوم القيمة والفائدة، إلى حمام زاجل، نادر النوع وغالي الثمن. إلا أن الدكتور معتوق رفض بشدة، قائلاً:

ــ إن ذلك غير قانوني، فضلاً عن أنه مُحرّم شرعاً. تُحرّم فعله القوانين والأديان السماوية وجميع الكتب المقدسة، لأنه نوع من الغش.

ولقد نال الدكتور معتوق جوائز عظيمة على النجاحات الكبرى التي حققها، وكان أشهرها بالطبع، من أحد أمراء القبائل، الذي أهدى اليه مائة ناقة من البُخْتِ المائلة. يقالُ بأنها من سلالة موروثة وخاصة من نياق الملك النعمان ملك الحيرة. وذلك نظيرُ نجاحه في القضاء على تشوه ولادي، واستئصال ذنب حمار، نبت على عصعص أحد أبنائه منذ الولادة.

وعند هذا الحد، انفجر جمال بالقهقهة والضحك، حتى خشي نوري عليه أن يصاب بإغماءة قلبية، أو يصاب بالسكتة القلبية من شدة الضحك. ثم تابع يقول:

ــ أما إخفاقاته وفشله في تلك العمليات فهي أكثر من أن تعد وتحصى. والآن أريد منك أن تصغي فقط لهذه الحكاية الخاصة التي حدثت معي:

حين دخلنا عيادته ذات مرة، أنا وصديقي طه الخرفان، وهو مسؤول كبير ورفيع في الدولة في فترة سابقة. كان برفقتنا رجلٌ غريب، أنا شخصياً لم أكن أعرفه من قبل. وقد عرَّفني عليه طه الخرفان، مثلما عرَّفه على الدكتور معتوق. طه الخرفان قال للدكتور بأن الرجل صديق حميم من أصدقائه، اسمه حميدو الأعور. وقد سلَّم الرجلان على الطبيب، وبدأ طه الخرفان يعرض عليه مشكلتهما، حيث راح يقول:

ــ أنا كرهتُ زوجتي يا دكتور. وأريد أن أتخلص منها وأطلقها، لأتزوج من زوجة صديقي حميدو هذا. والذي كره هو الآخر زوجته، ويريد تطليقها والاقتران بزوجتي.

قال الدكتور معتوق:

ــ يبدو أنكما أخطأتما في العنوان إذن، وكان ينبغي أن تتوجها إلى المحكمة الشرعية؛ لا إلى عيادتي.

قال طه الخرفان:

ــ لا يا دكتور. لم نخطىء في العنوان. فنحن نعرف ما نريد تماماً. لقد زاد إعضال مشكلتنا، أنا وصديقي، حجم الكلفة المادية الباهضة. لقد حسبتُ الأمر من زاويته المادية فحسب، وكذلك صديقي حميدو الأعور، فوجدت بأنني سأحتاج، إذا أقدمت على تنفيذ هذه الرغبة وتحقيق هذه البغية، إلى كلفة كبيرة، عند دفع مؤخر الصداق لزوجتي، ثم دفع إنفاقات الإعالة والنفقة عليها وعلى الأولاد. ثم دفع أتعاب المحامي ومصاريف الدعوى، وبعد ذلك تبدأ مصاريف الزواج الثاني وإنفاقاته، من جهاز ومهر وعرس، مع كلفة الإنفاقات الجانبية الكثيرة التي سوف تترتب عليه.

والكلفة الباهضة نفسها يجب أن نحتسبها بالنسبة لصديقي حميدو الأعور. وللحق نقول؛ إن هذا الأمر فوق طاقتنا وأثقل عبئاً من أن نحتمله. وفوق كل هذا الإعدام المادي في المال، يتوجب علينا أن ننتظر سنين طويلة داخل غرف المحاكم لنصل إلى النتيجة المبتغاة. أو لا نصل..

قال الدكتور معتوق:

ــ وما الحل برأيكما إذن؟ وفيمَ يمكنني أن أساعدكما؟

قال طه الخرفان:

ــ تستطيع أن تساعدنا عن طريق العمل الجراحي. إذ يمكنك أن تستأصل رأسي، وتُرَكِّبَه لحميدو الأعور، وبعد ذلك تستأصل رأس حميدو وتركبه لي. هكذا، سوف أصبح أنا حميدو، وسيتحول حميدو إلى أنا. أعني طه. ولن يترتب علينا، إلا أن يذهب كلٌ منا إلى بيته وزوجته، دون حاجة إلى طلاق ولا إلى زواج جديدين. وسوف نختصر ــ بكلفة العملية ووقتها القليل ــ كل هذا العناء والانتظار المضني، والإنفاقات المكلفة والمجحفة.

شرد الدكتور معتوق قليلاً، وهو يتفكر في الأوجه والاحتمالات المترتبة، قبل أن يتساءل:     

  

ــ والنسوة؟ أعني زوجتيكما؟ هل لديهما فكرة عما تنويانه وتخططانه؟

أجاب الخرفان فوراً:

ــ بكل تأكيد. إنهما يعلمان كل شيء، وهما موافقتان، بل ومرحبتان بما عزمنا الإقدام على تنفيذه.

قال الدكتور معتوق:

ــ إذن لم يبقَ لنا إلا التوكل على الله، والابتهال إليه أن يسدد الخطى، ويتمم النجاح على الوجه المطلوب.

ابتهج الخرفان بموافقة الدكتور معتوق، وراح يتساءل فرحاً:

ــ هل ستحدد لنا اليوم والشهر الذي سنتجهز فيه للدخول إلى غرفة العمليات؟

الدكتور معتوق قلبه مثل طلقة رصاصة. لا تؤجل عملها إلى الغد، ولا تتمهل في المسارعة في الخيرات. لذلك صعقتنا الدهشة حين سمعناه يقول:

ــ العملية سوف تجري الآن. تواً وفي هذه اللحظة. وبعد دقائق معدودة.

وتابع جمال سرد حكايته لنوري، قائلاً:

ــ بعد عدة ساعات، خرج الرجلان من غرفة العمليات، وقد نجحت العملية نجاحاً منقطع النظير. فرح طه الخرفان وصديقه. وهنأهما الدكتور معتوق على النجاح، وشكرا الطبيب وافر الشكر وأثنيا عليه. ثم دفعا له أتعابه المتفق عليها، وانصرف كلٌ منهما إلى بيته وزوجته الجديدة.

ولكن بعد مرور بضعة سنوات على هذه الحادثة، تفاجأ الدكتور معتوق بعودة طه الخرفان وصديقه حميدو الأعور إلى عيادته. رحب بهما وسأل على الفور مطمئناً:

ــ ما الأمر؟ أرجو أن لا تكون قد حصلت مضاعفات طبية للجراحة، أو شيء من هذا القبيل؟

فقال الخرفان:

ــ من الناحية الطبية والصحية، الأمور على أحسن ما يرام. ولكن ثمة مشكلة صغيرة طارئة.

قال الدكتور معتوق:

ــ خيراً إن شاء الله.

قال الخرفان:

ــ أنا كرهت زوجتي الجديدة. أعني زوجة حميدو هذا، بعد كل هذه السنوات. طبعاً أنا أعني زوجته السابقة. واستبد بي الحنين من جديد إلى زوجتي السابقة، أم أولادي الكبار. وصديقي حميدو أيضاً يعاني ما أعاني منه بالتمام. فقد سئم طليقتي، وراح يحن لزوجته السابقة، والتي هي زوجتي الآن.

وغرق طه الخرفان في بكاء مرير. فانفجر جمال مرة أخرى بالضحك، قبل أن يستأنف الحديث:

فقال الدكتور معتوق:

ــ وما العمل برأيكما؟

قال الخرفان:

ــ الرأي الذي استقر فيما بيننا، ووقع الإجماع عليه، أن تُجري لنا نفس العملية السابقة، وأن تُعيدَ رأسينا كما كانا في الماضي. لنعود إلى عهدنا السابق، ولكي يعود كلٌ منا إلى زوجته السابقة. هكذا، ودون أن نحتاج إلى طلاق جديد وزواج جديد.

قال الدكتور معتوق:

ــ هذا الأمر الذي تفكران فيه من المُستحيل تحقيقه. فهذه العملية غير ممكنة الاحتمال والنجاح، إلا لمرة واحدة، ولا تحتمل إمكانات التراجع عنها ولا عن نتائجها. أو التراجع

وإعادة ما صار إلى ما كان عليه في السابق.

فسأل الخرفان بجزعٍ ويأس:

ــ وما العمل الآن يا دكتور؟ لابد أن تجد لنا حلاً مناسباً للعودة إلى ماكُنا عليه في الماضي؟

سرح الدكتور قليلاً، يفكر في حلِ المعضلة. وأخيراً لم يجد بداً من القول:

ــ إن الحل الوحيد الممكن في مثل هذه الحالة، هو أن تُجرَى العملية للزوجتين، إذا بقيت لنا فرصة  متاحة لتدارك النزوة السابقة. وفي هذه الحالة علينا أن نقطع رأس كل زوجة لنُرَكِّبه للأخرى، لتتمكن من العودة إلى زوجها من جديد.

تشاور طه الخرفان وحميدو الأعور طويلاً بشأن اقتراح الدكتور معتوق، وقررا أن هذا الحل، هو أفضل الطرق وأقصر السبل. ثم أبديا موافقتهما على الاقتراح. وسرعان ما استدعيا زوجتيهما، وتم أخذ الموافقات والتواقيع المكتوبة خطياً، والشروط والمسؤولية القانونية عما يترتب على نتائج العملية. وبعد ساعات معدودة، خرجت المرأتان من غرفة العمليات، وقد نجحت العملية الجديدة أيضاً نجاحاً منقطع النظير. فرح طه الخرفان وصديقه، وهنأ الدكتور معتوق الجميع على هذا النجاح. ثم دفعوا أتعاب الطبيب المتفق عليها، وعاد طه الخرفان إلى زوجته القديمة، وكذاك عاد حميدو الأعور إلى زوجته السابقة.

ولكن قبل أن يغادر الجميع عيادة الدكتور معتوق، وقف طه الخرفان محرجاً متردداً، قبل أن يقول للدكتور معتوق:

ــ بقيت ثمة مشكلة لابد من حلها.

فسأل الدكتور:

ــ ماذا بقي لديكما أيضاً؟

قال طه الخرفان:

ــ الأولاد. الأولاد الجدد يا دكتور.

قال الدكتور:

ــ أي أولاد تعني؟

قال الخرفان:

ــ قد علمتَ بأنني أنجبت من زوجتي السابقة، أعني زوجة صديقي حميدو، التي كانت زوجتي في الفترة الماضية، عدداً من الأولاد خلال هذه السنوات، وهو أيضاً أنجب من زوجتي عدداً من الأولاد. وأنا الآن لا يرضيني أن يتربى أولادي الذين هم من صُلبي، وأن يعيشوا في غير ظهراني أمهم وأبيهم الحقيقيين. وحميدو أيضاً لن يتخلى عن أولاده، ولن يقبل بأن يتربوا تحت سقفي، وبعيداً عنه وعن أمهم الحقيقية. ولابد من إيجاد حل للأمر.

قال الدكتور معتوق:

ــ هذه حلها بسيط. أرسلوا الآن لإحضار الأولاد جميعهم، وسأقوم بقطع رؤوس أولادك وتركيبها لأولاد الأعور، واستبدال رؤوس أولاد الأعور برؤوس أولادك. وهكذا يستعيدُ كلُ أبٍ وأمٍ أبناءهما الأصليين.

كم شعر الجميع بالسعادة والسرور، وانطلقوا إلى بيوتهم فوراً لإحضار أولادهم وإدخالهم إلى غرفة العمليات، لقطع الرؤوس واستبدالها.

ثم ختم جمال الحكاية قائلاً وهو يتنهد حنيناً لتلك الذكريات:

ــ آه يا نوري. لقد كانت تلك أياماً مشهودة، وعهوداً مليئة بالذكريات التي يصعب نسيانها. يتذكرها الجميع اليوم. ويتغنون بروعتها التي تحبس الأنفاس. لولا الحرب. لولا أن هذه الحرب اللعينة قد داهمتنا بغتة، فأفسدت كل شيء في حياتنا، وقطفت ثمرة الذكريات ونشوتها، وهدمت كل ذلك النعيم الذي عشناه في ريعان الصبا.

في اليوم التالي الذي أعقب هذا اللقاء في المقهى، وجدت جثة جمال في أطراف حي الصفيح. كانت عدة طلقات قد اخترقت جمجمته فمزقتها، وتُرك على قارعة أحد الأزقة في حي الصفيح، حيث كان يقوم بإحدى جولاته التفقدية.

*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment