ــ 28 ـــ

يوماً بعد يوم، يتبين بأن الإشاعات التي كانت تشيع في الحارة والأحياء المجاورة لم تكن صحيحة تماماً، والتي كانت تروج بأن السُلطة قد تخلت عن المدينة، وأن جميع أفرادها وقياداتهم قد ولوا هاربين ولاذوا بالفرار. وأن الثوار هم اليوم من يسيطر ويحكم المدينة والأحياء.

فلقد ظهر الرقيب أول ومساعدوه الثلاثة في الحارة مجدداً، وكان برفقتهم عدد كبير من السيارات التي تحمل جنوداً ومدنيين مدججين بكل أنواع الأسلحة. وكان الرقيب أول يحمل بيده مكبر صوت، وهو يطوف على الحارات، ويخطر في كل الأزقة. وكلما دخل شارعاً، صغيراً أو كبيراً، كان يتوقف، فيتوقف من خلفه رتل المسلحين الضخم. فكان الرقيب أول يتوجه بالخطاب إلى السكان دون تحديد، ولهجته وسطٌ؛ بين جملة نصائح وعبارات مهددة. وليس مفهوماً ما الذي كان على السكان المدنيين أن يتصرفوا، أو بأي شيء يجب أن يبادروا، استجابة لخطابه المُقَرِّع القاسي اللهجة.

كان يهتف من خلال مكبر الصوت، وهو على الأرجح يتلو الخطاب مكتوباً من ورقة بين يديه:

ــ  …. وقد نطبع على جبينكم قبلة نصر، أو شهادة صبر. وقد نخفف، رأفة بكم، تقنين الكهرباء مدة ساعتين. ونزيد الإغاثة سلتين. وقد نأمر الصحف الكبرى أن تمتدحكم، وتمتدح وقفتكم الصابرة تحت جدران الخراب، ونثني على أكلكم أوراق الأشجار ولحم القطط والكلاب، في تلك الأرض الخراب. وقد نسمح لداعش بأن تخفف من أكل لحومكم وقطف رؤوسكم. وأن لا تطعنكم بعد اليوم من الخلف، وأن تُخفِّض عدد الجلدات على ظهوركم إلى النصف. 

فلقد دار الزمن دورة كاملة، وأنتم تنظرون وتفكرون. وتعلكون النظرة والفكرة. حتى بات اليومَ حقيقاً بنا أن نُغَيِّرَ الأصدقاء، وأن نصافحَ الأعداء، ونشهدَ، ونحن بكامل الأهلية واليقين، أن الأوهام ما كانت إلا محض أوهام، وأننا نخبز الانتصار والسعادة من خميرة الآلام.

نصرٌ لكم أن لا تكتبوا، وأن لا تشجبوا وأن لا تعتبوا. نصرٌ لكم أن لا تعطوا المنصة للشهداء والميتين والمعذبين كي يشجبوا. نصرٌ لكم أن تجلسوا وتخرسوا. فاليوم يتحد الصديق مع الشقيق مع العدو. ويتفقون على أن الذي كان، ما كان يجب أن يكون. وأن ما سيكون، خيرٌ مما كان. فاذهبوا الآن. واقبلوا بما هو بالإمكان، قبل فوات الأوان. وعَلِّموا أطفالكم أن أمواتكم أوهام. وأن الله وحده من يستطيع أن يحيي رميم العظام. وأن المذلة يمكن أن تُخفف ملوحتُها بالتبخير والتقطير. وأن الله قد خلق الدنيا في ستة أيام. وصندوق النقد الدولي والدول المانحة، تستطيع أن تخلق لكم وطناً في ستة أعوام. والسلام.

وسمع صوتٌ من بين المسلحين يصيح:

ــ سيدي..! هذه الدار لأحد المشبوهين..

فانحدر عدد كبير من المسلحين كالإعصار، حتى باتت الأرض من تحتهم تُرجُّ رجاً عنيفاً. وفتح بعضهم النار من رشاشتهم في الهواء، فاستسلم أهل البيت، وخرج الجميع مذعورين يرتجفون خاضعين. أمسك أحد المسلحين بامرأة متوسطة في العمر من شعرها، وسحلها بضعة أمتار من جدائلها في الشارع، والمرأة تبذل كل جهد لكي تقاوم؛ وهي تكزُّ على شفاهها، دون أن تنبس بحرف، محاولة أن لا تصيح. فزجره الرقيب أول، وطلب من المجموعة المسلحة المرافقة أن تقتحم البيت لتفتشه.

توارى معظم أبناء الحي، وراحوا يتابعون ما يجري من خلال شقوق الجدران، وفتحات الأبواب المهترئة. وبعد قليل، سمع صوت أحد الجنود يهتف مخاطباً الرقيب أول:

ــ سيدي..! لقد عثرنا على خارطة كبيرة، كانت مطوية ومخبأة في فتحة المدفأة.

تناول الرقيب أول الخارطة، وصار يدورها بمساعدة أحد مرافقيه الثلاثة، والذي كان يهمس له أن يمسكها وأعلاها متجهٌ نحو الشمال، مشيراً بإصبعه إلى جهة الشمال على الخارطة. فقال الرقيب أول:

ــ ولكن أين الشمال الجغرافي؟ أعني.. قصدت أين هو المشبوه؟

فتقدم منه قريباً من عشرين مسلحاً، وجميعهم يحاول الإمساك بأحد أطراف الشاب، الذي بدا بينهم كقطعة فاكهة، وقد انحشرت في عصَّارة الفواكه وبين أنيابها، وهي على وشك أن تتحول إلى سائل مذاب. وقال أحدهم:

ــ هذا الخراء هو الشخص المشبوه.

ــ أأنت المشتبه به؟

ــ نعم يا سيدي. أنا المشتبه به.

فرجع الرقيب أول يحدق بعينين مفتحتين في الخارطة الكبيرة. ثم سأل المشبوه:

ــ هذه الخارطة هي دولتكم في المستقبل؟

أجاب الشاب المشبوه:

ــ نعم يا سيدي.

فقال الرقيب أول:

ــ لكنني أراكم حددتم وأضفتم إليها معظم بلاد الشرق الأوسط. أهذه كلها لكم؟

ــ لا علم لي يا سيدي. الخارطة هي تقول ذلك.

ــ وأين تريدون أن نذهب، إذا كانت هذه الإمبراطورية كلها لكم؟

ــ لا أعلم شيئاً يا سيدي. ارسموا أنتم أيضاً خارطة مثلها، واذهبوا إليها مثلنا.

بعد قليل، حدثت بعض الفوضى. وتطايرت أصوات المسلحين هنا وهناك. دخل بعضهم بيوتاً، وتسلق آخرون من فوق الجدران. وسمعت أصوات قادمة من بعيد، تهتف وهي تخاطب الرقيب أول:

ــ سيدي..! الشاب الذي رأى مناماً مشبوهاً ألقينا القبض عليه الآن.

وتدخل مسلح آخر، وهو يساعده على الشرح والتفسير:

ــ الذي يدعى الحارث يا سيدي.

فوبخهم الرقيب أول قائلاً:

ــ لا وقت لدي لأحقق مع الجميع. تولوا أنتم مهمة التحقيق معه.

ــ باغتناه بحيلة، بينما كان يسير في الشارع. وها هو ذا قد وقع في أيدينا أخيراً.

كانت أكثر من عشر بنادق رشاشة مصوبة نحو رأسه، حتى أن بعض الفوهات كانت تتسلى بمداعبة خصل زائدة من شعر رأسه، وخياشيم أنفه وأسفل أذنيه، وهو يرتجف بينهم، وقد علته صفرة الموت. فصرخ أحد المسلحين في وجه الحارث:

ــ إذن فأنت من رأى المنام؟

صرخ فيهم الرقيب أول:

ــ ليكن عقابه جزاءً لكل من تسول له نفسه أن يرى مناماً يهدد أمن الدولة.

بينما هتف آخر يقول، وقد مدّ فوّهة رشاشه حتى لامست رأس الحارث:

ـ أخيراً وقعت في يدنا أيها الحقير. أنت معنا أم مع الآخرين؟

اقشعر بدن الحارث حتى كاد يسقط مغشياً عليه، لولا أن الجنود كانوا يمسكونه من كل جهة. وتصاعد الخوف والرعب حتى حشا رأسه وقلبه وشرايينه. وهتف فيهم بضراعة وهو يوشك على البكاء:

ـ أنا معكم. واللهِ إنني معكم. اقسم لكم أنني لست مع الآخرين، وأنني معكم.

ــ ها قد اعترفت وقلتها بلسانك. أنت إذن معنا وضد الآخرين؟

ــ نعم، أقسم بالله. معكم وضد الآخرين؟

فقال أحدهم ساخراً:

ــ والآن.. ما رأيك حين ستعلم بأننا نحن لسنا نحن، وإنما نحن الآخرون؟ هاه..؟

وقهقهوا ضاحكين. وضغط الرجل الذي كان يداعب ببندقيته رأس الحارث بكل قوة وتشفٍ على الزناد. وظل يضغط حتى فرغ مشط بندقيته. كان رأس الحارث قد انفجر كلغم، وتناثرت منه قطع ناعمة غير محددة اللون والحجم، وكأن سوائل حليبية قد رُشت في كل الأرجاء. فتركوا الجسد الخامد، وانطلقوا نحو سياراتهم مسرعين، بينما صوت الرقيب أول يتردد عبر مكبر الصوت الذي بين يديه:

ــ اسمعوا يا أهل هذا الحي: بلاغ للجميع. والحاضر يعلم الغائب. ابتداء من اليوم، ممنوع رؤية المنامات في هذا الحي.

بعد رحيل المسلحين، لبث السكان مختبئين في مساكنهم وأكواخهم، وهم يرتجفون ذعراً. ولم يشعروا بالأمان ويتنفسوا الصعداء، إلا حينما لُمحت دراجة موظف البلدية الذي جاء في موعده نصف السنوي، لكي يوزع عليهم إيصالاً وأمراً رسمياً، بدفع ضريبة نظافة الشوارع، حيث يتوجب عليهم إملاء القسائم وإمضاء الأوراق. فخففت عودة موظف النظافة من وطأة هلعهم ويأسهم قليلاً. الأمر الذي شجع على خروج مظاهرات منددة بالسلطات مرة أخرى، ومن كافة أحياء المدينة.   

وبعد أقل من أسبوع على حادثة مصرع الحارث، شوهدت سيارة الرقيب أول ومرافقيه الثلاثة على أطراف المدينة، وفي مكان منعزل. والرجال الأربعة غارقون في دمائهم، وقد تفحمت جثثهم في السيارة، بعد أن تمَّ إحراقها بمن فيها.

وبدأت حركة النزوح من المدينة وأحيائها المحيطة تكثر يوماً بعد يوم. فقد بدا عادياً في كل يوم، رؤية السيارات والشاحنات الصغيرة المغادرة، وقد طفحت بالركاب والأمتعة.

كانت الشاحنات تُحَمَّل بأكثر من ضعف حمولتها، من الأطفال والنساء والرجال المرهقين المتعبين، وقد حزموا الحقائب والأكياس، ونضدّوها فوق أسطح السيارات والشاحنات، ومعظمها راح يتدلى من أطراف المركبات. وأكثر ما كان يُعتمَد عليه في هذا النزوح، هو العربات الخشبية التي تجرها الأحصنة والحمير. ولأمر ما غير واضح، كان الجميع يتجهون بداية الرحلة، نحو ساحة حجرية تقع في

مناطق أثرية خارج المدينة، ومن هناك تبدأ رحلة إعادة تنضيد الأغراض وتوزيعها من جديد، حتى تستقر الحافلات، بأمتعتها وركابها على أفضل ما يمكن تصوره. ومن قرب الأبنية الأثرية المهجورة، تنطلق مواكب الراحلين، كلٌ نحو جهة معينة، وإن تكن غالبيتهم يسيرون نحو المجهول، دون أن يستقروا على رأيٍ أو فكرة أولية؛ إلى أين سوف يسافرون، ولا إلى أي مكان سوف يتحولون.!؟

اللوحة من الأرشيف

*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment