ــ 29 ــ
كان الغجر أول الراحلين عن الحي. وخلال بضعة أيام، ما إن انتشرت بين الناس إشاعة سقوط المدينة بيد الثوار، وفرار عناصر الأمن وجميع السلطات منها، حتى كانت أرض المخيم الواسعة التي تشغلها خيامهم، قد خلت تقريباً، إلا قليلاً. فلم يبقَ في عرائها اللاحب سوى بضعة خيام، ما انفكت يتناقص عددها كل يوم. مما دعا عباس القرباطي إلى التوكيد في أكثر من مناسبة على القول، وهو يشدد أمام جميع أبناء الحي:
ــ لن أرحل عن بيتي، حتى لو لم يبقَ من هؤلاء الغجر، إلا رمادُ مواقدهم التي خلفوها. ولن تستطيع الحرب أن تجبرني على اللحاق بهم ومرافقتهم.
بينما همس عويصة بأسف وحزن كظيم، كالنادم:
ــ لم أبعهم كتاب أسرار المستقبل، رغم كل إغراءاتهم ومحاولاتهم معي، لأكثر من أربع سنين.
أجابه عبدو السكير، موبخاً ومنحياً باللائمة:
ــ أنت مجبر على قول ذلك لأنك لم تعرف كيف تبيعهم الكتاب. فيالك من أغبى أغبياء هذا العالم؛ إذ بمَ سينفعك الكتاب وها قد وقعت الحرب؟
ــ في آخر بازار جرى بيني وبينهم، دفعوا ثمناً للكتاب حصاناً ونارجيلة مصنوعة من الفضة الخالصة. فلم أوفق في البيع، لأنهم اكتشفوا بأن الحصان مصاب بالجرب، وقد كُسر في ثنيتي فمه سِنَّان داخل فمه.
ثم أردف بالقول:
ــ الكتاب يحتوي على متعة الدنيا والآخرة. وهو خيرُ لذةٍ يمكن أن ينالَها المرءُ في زمن الحرب.
تابع عبدو يرد عليه، بنفس اللهجة اللائمة الموبخة:
ــ لا تغلطْ. خيرُ لذة الدنيا والآخرة في هذا العالم، تحتكرها الخمرُ فحسب. ولتذهب أنت وكتابك إلى الجحيم، والحربُ لن تبدل من هذه الحقيقة شيئاً.
أطلق الناسُ، دون قصدٍ لتسمية أو تصميمٍ مسبق، اسم محطة النزوح على البقعة الأثرية. وكان ثمة في أطراف الساحة الأثرية فتحة تشبه فوهة كهف. ولها درجٌ يُفضي، داخل ذلك الكهف، إلى مساحة رحبة يغمرها ظلام دامس تحت سطح الأرض، وبمرور الأيام التالية، تحول ذلك الكهف إلى ما يشبه نزل إيواء، ضم عشرات الأفراد من أسر الراحلين، وصار يحتضن المسافرين لليلة أو ليلتين، فيبيتون فيه على ضوء الشموع، وقد اختلطت الأسر ببعضها، ثمَّ يروحون يتوازعون المكان، ويتشاركون في اقتسام الطعام وتوزيع الحاجات الضرورية للنوم والراحة، لبضعة ساعات قادمة منتظرة.
وفي هذه الفترة بالذات، قرر كبير شيوخ العشائر، الشيخ حمزة، أن يغادر مع المغادرين. فأصدر أوامره الصريحة والحازمة إلى كل المقيمين في دار ضيافته، أن يُحكموا إغلاق الأبواب والنوافذ، وأن يتفرقوا جميعاً في القرى والأرياف القريبة والبعيدة، كما أصدر أمراً إلى سائر العشيرة أن تتفرق في سائر البلاد حتى لا يموتوا تحت قصف الطائرات، لأنه عزم على السفر في رحلة طويلة الأمد، وصوب جهة بعيدة، كما كان يتوقع في حدسه. فقد تطول غيبته حسب ما تمليه ظروف الحرب.
وقد قال الرجل المُهاب بين العشائر لتابعه حوَّاس، بعد أن انتشرت وتكاثرت كل تلك الاضطرابات والمشاكل في الحي، وفي المناطق المحاذية للحارة:
ــ ثانياً: علينا أن نَفَرَّ بأنفسنا بعد أن نغلق هذه المضافة، ونجتاز الحدود إلى بقعة من الأرض، أوفر أماناً يا حوَّاس.
فردد حوَّاس بآلية ورتابة:
ــ أجل يا شيخ. هذه الحارات كلها لم تعد دار أمان مناسبة للإقامة.
لا أحد يعلم بالضبط، لِمَ كان الشيخ حمزلة لا يبدأ حديثه إلا بعبارة: ثانياً. مُسقطاً من الأعداد التراتبية دوماً الترتيب أولاً. ربما كان الأمرُ عادةً قديمةً موروثة، ومتحكِمة بطريقة لفظه وصوغ عباراته، وإن يكن بعض سفهاء الحارة قد عقبوا على الأمر
بالقول:
ــ الشيخ حمزلة اعتاد في خطابه، على أن إطلالة نور وجهه المهيب الكريم على الجمهور، هي أولاً. ومبتدأ كلامه هو ثانياً.
أضاف الشيخ قائلاً:
ــ لقد دعوت كبار شيوخ العشائر إلى اجتماع موسع في مضافتي هذه، للتباحث فيما يجب علينا أن نفعله في مثل هكذا أحوال. قبل أن تأكل الحرب الجميع. لكن أحداً منهم لم يحضر. لقد فرّ معظمهم في سائر أنحاء البلاد، ما إن تحسس بأنفه رائحة الحرب.
ثم سكت قليلاً. وأشار وهو يلتفت نحو حوّاس:
ــ الأمر يحتاج إلى مهرب كريم النفس. ذي ضمير وأخلاق، وسمعة مشهود له فيها بين القوم.
ــ صدقت يا شيخ.
ــ والكريم ليس كاللئيم الذي يتمرد يا حواس.
ــ صحيح.
ــ وريثما تنتهي الحرب، ولست أحسبها منتهية في زمن قريب، يجب أن نغلق الباب الخارجي بإحكام، ونقيّد مغاليقه بالقيود الحديدية والأقفال الضخمة. ثم نمضي.
أسرع حوّاس إلى دفتره الصغير، الذي يخبئه في جيب سري في عبه ليستخرجه، كعادته دوماً، ولكي يسجل فيه كلمات الشيخ التي سيسجلها التاريخ في صفحاته، وكتب العبارة الأخيرة بسرعة قبل أن ينساها. ثم عقب بالقول:
ــ إنك ماتزال تعاني من التدرن الرئوي، وآثاره بادية على صحتك يا شيخ، وقد يشترط علينا أولئك المهربون الملاعين مشياً لبعض المسافات، ومريض السل لا يناسبه المشي المجهد، والسير المضني يا شيخ.
ــ الله أسمى وأعلى وأكرم من أن يُضَيّعنا، ولسوف ينصرنا ويعيننا في عبور الحدود يا حوّاس.
فسارع حوّاس إلى استخراج الدفتر وكتب العبارة الأخيرة.
*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
