لكنه لا ينسى أن يضيف بعد كل مناسبة:

ــ حتى تفوقتُ عليها أخيراً في السحر، فخضتُ في بحار علمٍ، لا تجرؤ الساحرة حليمة على الخوض فيها.

لم يجد دحام رغبة في نفسه، أن يحفل أو يكترث بكل هذه الإشاعات المتناقلة في حارة

الصفيح، عن منام الحارث. والتي دأب على أن يسميها بالتُرَّهات السخيفة. لكنه، بمرور الوقت، لمس قوة في نفسه تشده للاهتمام أكثر؛ ربما بدافع الفضول في البداية. حتى ألفى بداخله قوة خفية، تشيع فيه رغبة عارمة بسماع منام الحارث، والإصغاء إلى رأي الساحرة حليمة في تعبيرها لهذه الرؤيا، وقول الكلمة الفصل فيها.

وحين خرج من داره، متوجهاً نحو دار الساحرة الواسعة ذات الفناء الرحب، والتي اكتظت بالعشرات، ممن توافدوا لسماع منام الحارث، رأى الشيخ عبادة في طريقه، وهو يمضي في سيره نحو دار الساحرة حليمة. فقال في نفسه قبل أن يلقي بتحيته على الشيخ:

ــ لو شجعني وساعدني على أن نقتل هذا الفضول الأعمى، الذي يكاد يشبه حكة الجرب في الأنفس، لكي نتوقف عن ملاحقة مثل هذه السخافات.. إذن، ربما لعدت أدراجي، ولما مضيت إلى حيث يتجمع كل هؤلاء الناس.

ومن حسن الطالع، أنهما وصلا دار الساحرة، قبل تجمهر كل ذلك العدد الغفير من الناس، الذين حضروا ليسمعوا الرؤيا من فم الحارث مباشرة. ووجدا بأن الحارث لم يبدأ بعدُ في سرد منامه، منتظراً الإشارة من حليمة، أو الإذن بالشروع في الحديث. وحين هزت حليمة رأسها، في إشارةٍ منها للحارث لأن يبدأ، حبس الجميعُ أنفاسَهم، وساد صمتٌ مطبِقٌ، لم يكن يتخلل سكونه، إلا صوتُ الحارث وهو يقص على الجميع منامه، قائلاً:

                      ــ 4 ــ

ــ رأيت في منامي أستاذي. الأستاذ رمزي. وهو، كما تعلمون، أستاذي الأول والأخير في السياسة وعلومها، وصاحب الخبرة الأكبر في النضال. أعني نضالنا السياسي المشترك. حيث أن السياسة في وطننا لا شأن لها ولا حصانة. ولا مكانة مصانة، ورأيتني في المنام، وقد اتخذتُ قراراً حازماً، بأن أتخلى عن مزاولة أي اجتهاد أو ممارسة سياسية، طالما أنني مُقِيمٌ في هذا الحي الفقير، وذلك لأسباب لم تشرحها الرؤيا، أو تُظهِر الحكمة منها.

ولقد وجدتُ أنه من المناسب جداً، أن أُبَلِغ أستاذي ومعلمي، بقراري الحاسم والأخير هذا. وأن أتقدمَ باستقالة شفهية نهائياً، لأنني اتخذتُ قراراً لا رجعةَ عنه، بأن أتحولَ من السياسة إلى بيع القطع الإلكترونية، بعد أن أصبحتْ السوقُ رائجةً بها، وصارت سلعة متداولة ومشتهاة كالحلوى.

قصدتُ ـ في المنام ـ المقهى الذي اعتدتُ أن التقيَ فيه يومياً بالأستاذ رمزي، وما إن لَمَحَني مقبلاً من بعيد، حتى استوى واقفاً مُرحباً على غير عادته، وفاجأتني حرارةُ لقياه وترحيبه. ثم، بعد أن جلستُ، وقبل أن أنطق بحرفٍ مما نويتُ أن أُبلغَهَ للأستاذ رمزي، إذا به يسبقني بالقول:

ــ هنيئاً لك الوصول يا حارث. فلقد وصلتَ أنت.

ثم أردف شارحاً:

ــ أنت وصلتَ إلى النهاية التي يطمحُ إليها كل مناضل، وكل طالب علم في السياسة، وما عليك إلا أن تخضع للامتحان الأخير، وتثبت نجاحك الحقيقي، وتحصد كل تعب السنين التي أنْقَضَتْ ظهرَكَ، في الاشتغال والنضال الحقيقي. بقي عليك الامتحان الأخير فحسب. وبعدها.. مبروك يا حارث. فلقد نجحت.

قلتُ، وأنا في حالٍ من الدهشة وعدم الفهم:    

ــ أي امتحانٍ تعني؟

قال:

ــ سوف أعطيك الآن عنوان منزل قريب من مكاننا هذا. ولسوف تجدُ مجموعة من كبار السياسيين ودهاتهم، مجتمعين الآن في هذه اللحظة، في ذلك المنزل، ولسوف تحضر اجتماعهم ذاك، بوصفك ضيفاً مستمعاً، ومهتماً بكل حرف يقولونه، ثم بعد أن ينتهوا وينفضَّ الاجتماع، عُدْ إليَّ فوراً، وبلغني أدق التفاصيل، وبكل ما جرى بينك وبينهم.. هذا كلُّ شيء.

لم أتردد، ولم أتساءل في نفسي، أو أفكر في معرفة المزيد، أو أطمح إلى أكثر مما سمعته، ونسيت القرار الحاسم الذي جئت من أجله، لكي أبلِّغَهُ الأستاذَ رمزي، ولَذَتْ ليَ المغامرة دون أن أدركَ السبب. وجدتني مشدوداً بحماس منقطع النظير، لخوض غمار هذه المغامرة مع الخائضين. وحين وقفتُ مستعداً للبدء بالعمل والشروع في المهمة، وقف الأستاذ رمزي وصافحني بقوة، وهو يشدُّ على يدي كمن يصافح بطلاً، أو جندياً يذهب إلى خطوط القتال الأولى. أعطاني العنوان، ولم ينسَ أن يذكر وهو يودعني:

ــ لا داعي لأن أُذكِّرك بأن لا تعطيَ اسمك الحقيقي. ولا تُعرف بنفسك وشخصيتك. اخترعْ أي اسمٍ مستعارٍ تشاؤه، لتستعين به في الدخول والخروج.

حين وصلت إلى عنوان المنزل الذي زودني به الأستاذ فوزي.. أمام باب المنزل، رأيت رجلاً يتجول بعصبية على رصيف الشارع، وبدا كأنه يحرس المكان من كل عين مراقبة، ويرصد كل داخل وخارج إلى باب البناية. وذهب جميعُ عقلي في تلك اللحظة إلى اختراع اسمٍ ما، لأعرِّف به عن نفسي. دنوتُ من الرجل المتوتر الأعصاب، والذي انتبه فجأة إلى وجودي قربه، ووقف مستعداً، بتحدٍ حاضرٍ، لكل الاحتمالات والطوارىء. فقلت له فوراً وأنا أخترع اسماً حركياً خطر ببالي فجأة:

ــ أنا الرفيق أبو غياث.

فغر الرجل فمه، وفتح عينيه وازداد اضطرابه، مما جعلني أرتبك قليلاً من صدمة المفاجأة التي أوقعها الاسم في نفسه. وهمس كما يهمس الجواسيس:

ــ أنت الرفيق أبو غياث؟ أدخل فوراً، فإن الجماعة ينتظرون وصولك منذ أكثر من ساعة.

خشيتُ بأن يكون ثمة تشابه أسماء أو خطأ ما. أو أن هنالك شخصاً آخر يحمل ذات الاسم. ماذا لو كان هنالك أبو غياث غيري يترقبون وصوله؟ ولكن ما إن دخلتُ حتى وجدت امرأة قبيحة المنظر، تقف منتظرة عند استراحة الدرج، وما إن أبصرتني حتى هتفت بي:

ــ أأنت الرفيق أبو غياث؟ لقد تأخرت كثيراً. مما اضطرهم إلى انتظارك كل هذا الوقت. أسرع بالدخول فوراً، فالجميع على أحرَّ من الجمر للبدء بالاجتماع.

قلت لها، لأستبعد من ذهنها أي لبس، أو تشابه اسم يمكن أن يحدث بمحض التصادف، مع شخص آخر يمكن ان يكون اسمه الرفيق أبو غياث غيري:

ــ بَلّغي الجماعة أنني وصلت. وأضيفي الملاحظة التالية: إنني أبو غياث، عامل التمديدات الصحية الذي استدعيتموه العام الماضي، لإصلاح الشبكة الصحية.

دلفتْ المرأة القبيحة إلى داخل المنزل لثوانٍ، ثم خرجتْ لتعلنَ لي بطريقة شبه رسمية أن أدخل. وما إن أصبحت في الداخل، حتى رأيت قريباً من عشرين رجلاً ملتفين حول طاولة مديدة الطول والعرض. وكان الرجال جميعاً مُسِنِّين، قد وَخَطَ الشيبُ أفوادَهم وشعورهم، وهم يلبسون ثياباً رسمية فاخرة، وقد تصدر الطاولة رجل له عين واحدة، بينما عينه الأخرى مخاطة ما بين جفنيها، كأنه خارج من غرفة العمليات الجراحية لتوه.

قاطعت الساحرة حليمة حديث الحارث المسترسل، مضيفة هذه الملاحظة بنبرة حرصت على أن يسمعها الجميع:

ــ حتى الآن كل شيء واضح. إنه المسيح الدجال. لقد آن أوانه لكي يخرج. أكمل.. أكمل..

تابع الحارث الحديث قائلاً:

ـ وقف الجميع باستعداد حالما صرت في باب الصالة، وجلجل صوت الرجل ذي العين الواحدة، الذي يتصدر المشهد بالقول:

ــ الرفيق أبو غياث؟

قلت وأنا أزداد ارتباكاً، وراحت تساورني فكرة الهرب من المكان، ومغادرته بأقصى سرعة:

ــ أجل.

ــ أظن أنك أنت من قام بإصلاح شبكة التمديدات الصحية العام الفائت. إنني ما أزال أتذكرك جيداً، كأن الأمر حصل البارحة.

اصفرَّ وجهي وشحب لونه، وبات مستحيلاً أن أتخذ قراراً صائباً في تلك اللحظة؛ هل أغادر وأهرب؟ أم أجلس وأتابع المهمة التي أُرسلتُ من أجلها؟ وزاد الطين بِلَّة أن الرجل ذا العين الواحدة قام من موضعه، وقدم لي كرسيه بحركة بروتوكولية أدخلت الرعب إلى نفسي، بينما كان يقول:

ـ مكاني منذ هذه اللحظة سيكون لك، ومن حقك وحدك. لا يجوز منازعة الأمر أهله في القيادة.

عند هذا الحد تراجعتُ إلى الخلف، وهمهمت بطريقة غير مفهومة، وقد عزمت على الفرار مهما كلف الثمن:

ــ متأسف.. ثمة أمرٌ ضروري، سوف أنجزه عاجلاً، وأعود على وجه السرعة.

وتغشيت الباب بسرعة عمياء، والتي تنطفىء عندها حدود النور والظلام وملامح الأشياء.

 قفزت من أعلى الدرج، وأنا اسمع صوت المرأة القبيحة تنادي الرجال في الداخل:

ــ لقد هرب.

*صورة الغلاف واللوحات الداخلية للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

      

Leave A Comment