ــ 38 ــ

خرجا معاً من كوخ زيدان. وتوجها في مسار شارع ينتهي خارج الحي، والذي يتصل بالدرب الترابي الذي ينتهي نحو خرابات منطقة الآثار، خارج المدينة وأحيائها. وبعد أن مضت أكثر من نصف ساعة على ابتعادهما عن دار دحام، تساءل زيدان:

ــ أترانا نتجه نحو محطة النزوح؟

ــ ……………………………..

ــ إحذر كثيراً من أن يصدمك الواقع؛ فقد يصدمك بأنني شيءٌ غير ماكنت تفكر فيه، وغير ماكنت تتمناه.

ــ أنا لا أفكر في شيء، ولا أتمنى شيئاً.

ــ لستُ مذنباً لكي تقتلني.

ــ أكثر الذين يموتون في الحرب غير مذنبين.

ــ لكننا لا نعرف بعضنا، حتى يقتلَ أحدُنا الآخر؟

ــ كلُّ الذين يُقتلون في الحروب، لا يعرفُ المقتولون منهم من قَتَلَتَهم، مثلما لا يعرف القتلةُ ضحاياهم.

ــ لستَ مجبراً أن تقف في صفوف القتلة والخاطئين.

ــ أنت تحكم على الأمور بشكل خاطئ، يفتقر إلى أبسط قواعد المنطق.

ــ لست أفهمك..! تغتال بريئاً؛ ليس بينك وبينه ما يوجب العداوة والنزاع، ثم تتحدث عن منطق؟!

ــ فكّرْ جيداً زيدان. هذا العالم هو كون واسع رحب، يحتوي مئات مليارات المجرات، لكننا لأسباب تختص بتربيتنا منذ نعومة أظفارنا، وبسبب التعليم الذي تلقيناه، والعواطف التي كنزناها وراكمناها منذ سني الطفولة، والقيم والأعراف التي بَذرت فينا كل ما نعلم عن الخير والشر، ومبلغ علمنا عن الحق والباطل، وما نعتقد أنه الصواب والخطأ.. ذلك كله يملي علينا بأننا أفراد مُهمُّون. بل إننا أفرادٌ أكثر أهمية من الكون نفسه، والذي هو حقيقي فقط لأننا اعتقدنا بأننا نقف في مركزه. وما الكون في النهاية إلا حاجة وغرض، جُعل من أجلنا.

نحن من رسم دوائر هذه الحياة، دائرة الكون الكبرى الواسعة، ثم دائرة مجرتنا وكوكبنا والبشرية الأصغر فالأصغر. ثم دائرة حيواتنا وبيئتنا التي نعيش فيها ومن أجلها، ثم عشرات ومئات الدوائر التي حرصنا في النهاية أن نضع أنفسنا في مركزها. وحيث يتركزنا تفكيرنا ومصالحنا وعاطفتنا.. ثم نسمي كل ذلك منطقاً، ونسمي الخروج عليه خيراً وشراً.  وضع الإنسان نفسه في مركز كل هذه الدوائر، وكل ذلك لأسباب لا تتصل بعلم، ولا منطق ولا أخلاق ولا معرفة. وليس من موجبٍ يوجبُها إلا عاطفتنا فحسب. ولو كان للنملة أو القملة أو الصرصار عاطفة جياشة مثلنا، وقيماً تميز الصواب والخطأ، والخير والشر، من وجهة نظر نملة أو صرصار، لعدت تلك النملة أو ذلك الصرصار سحقه بقدم طفل يعبث ويلهو، جريمة لا تغتفر، جريمة بحجم الكون. وكما تعدها أنت الآن. وما ذلك إلا لأن النملة والصرصار سوف يعتبران نفسيهما مهمين، لأنهما ـ حسب آرائهما وعاطفتهما تلك بالطبع ـ هما مركز الكون. فهما يريان الأمور، كما تراها أنت في هذه اللحظة. ومن وجهة نظرك.

ــ لكنني لست نملة ولا صرصاراً في نهاية الأمر. وأرى أن رؤية الأمور بهذا المنطق لن تنقذ منطق جريمتك بقتلي، ولن تستقيم أمورك بها.! ثم جعل زيدان يردد بصوت حاول أن يرتله ترتيلاً، ومصعب يصغي إلى كل ترتيله:      

ــ كان آخر عهدي بالأشياء، قبل أن أُغمضَ عينيَّ، حين أخرجني الطَورُ عن طَوري، وأهدتني بعض وقاري الزلزلة.

وحدثَ شيءٌ ما كان حادثاً من قبلُ. وسايرتُ روحي قليلاً ونحن نمضي إلى هوة القعرِ. وألفيتُ نفسي تجادل عن نفسها دون انفعالٍ كبيرٍ. ودون حماسٍ كثيرٍ. وكنتُ وحيداً

وحيداً. وكنتُ غريباً كئيباً بعيداً طريداً. وألفيتنا اثنينِ لا ثالثَ لنا: أنا وأعوانُ نظام القَتَلة.

فقال مصعب أبو الحكم:

ــ أحسنت. هذا ترتيل جميل، ونواح يستحق التبجيل. ولكن ألا ترى معي أن كل هذه العاطفة التي تتدفق منك الآن، هي مجرد التزام بقواعد الدوائر التي كنت أتحدثُ بصددها، وهي اعتراضٌ مكشوف وغير محايد، على ارتجاف تلك الدوائر واهتزازها. تماماً وكما ضربتُ لك مثلاً قبل قليل، فلو كان المقتول نملةً لا عقل لها ولا عاطفة، لما اعتُبِرَ سحقُها بقدم طفل جريمة. بل لا يكاد يرتقي حتى إلى رتبة حدث من الأحداث المفهومة أو المعقولة. كذلك الأمر بالقياس لموقفك من موتك، أو موت جميع الآخرين الذين تطحنهم الحربُ كلَّ يوم، لماذا تعدون مثل هذا الأمر شيئاً يستحق الاهتمام به.؟ ألِأنَّهُ يكسر قوانينكم الخاصة التي صنعت خيركم وشركم، وباركت لنفسها تلك الصناعة؟ وهي التي صبَّت من قبل، عاطفتكم وموقفكم من أنفسكم في قالب منذ الطفولة؟

*لوحة الغلاف للفنان أحمد ظاهر

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment