ـــ 39 ـــ
فيما بعد، تواردت الأنباء، إثر رحيل أبو الجنجل وغريب الرداد، مع موكب المهاجرين الراحلين عن حارة الصفيح، أن أبو الجنجل قد مرض مرضاً شديداً بعد وصوله إلى الحجرة الكبيرة التي تشبه الكهف في محطة النزوح، والواقعة بين أطلال الآثار المهجورة. فرش له بعض المسافرين فراشاً في أرضية المغارة الأثرية، التي كانوا يبيتون فيها يوماً أو بضعة أيام، وتعاون الجميع على الاهتمام بصحته والاعتناء بالعجوز الطاعن، وقد رقد كالمحتضَر المشرف على الهلاك، وصحته تتدهور يوماً بعد يوم.
ولكن بعد أيام، وحين تجهزت قافلة المسافرين للرحيل، اضطروا مكرهين، أن يتركوه في فراشه وحيداً في قلب تلك المغارة، لأنه كان متعذراً حمله معهم وسط كل هذا الازدحام على السيارات التي وصلت لتقلهم. (لقد سرت شائعة لم تتأكد فيما بعد، أن أحد الآباء قد ترك طفلين من أطفاله، لعجزه عن حملهما، وسافر برفقة زوجته ووالدته). إذ كان الرحيل بالغ الكلفة والجهد، إلى درجة أن كثيرين قد تخلوا مكرهين، عن كثيرٍ من أمتعتهم وأغراضهم الشخصية، لضيق الأمكنة، وعسر حمل الامتعة، وكلفة السفر الباهضة.
ولم يُعثر على جثة أبو الجنجل، الذي فارق الحياة في تلك المغارة، إلا بعد حوالي أسبوع تقريباً، حيث استدل بعض الناس على مكانه، من زكمة روائح الجثة التي فاحت وطغت على المكان هنالك.
أما غريب الرداد، فقد اختفت آثاره، وفُقِدَ أثناء السير، في بعض مراحل الطريق إلى محطة النزوح. ولم يُدرك له أي أثرٍ يدل على مكان اختفائه فيما بعد. لقد ضاع كما ضاع ابنه قبل خمسين عاماً. وقد ظن بعضهم، غير مستوثقين، أنه ربما يكون قد تخلى عن ركب المسافرين الراحلين، وقصد بعض الأرياف البعيدة عن القصف، أو عقصته أفعى أثناء السير، دون أن يشعر به أحد، أو أكلته الوحوش في البرية. ولم يتم التأكد فيما بعد أين انتهى به المطاف.
كان الناس يستقلون دروباً مختلفة بعد وصولهم الى محطة النزوح. فمنهم من يختار الرحيل خارج البلاد، ومنهم من يتوجه داخل البلاد، إلى مناطقَ أبعد شأواً. ولقد رويت فيما بعد روايات كثيرة عن ذلك المكان، وسجلت شهادات يصعب تعقبها أو تصديقها جميعاً. كان الأطفال ينتشرون بالعشرات في الباحة المرصوفة بحجر الفخار، وهم يتعارفون ويمرحون لاعبين. وروى بعضهم أنه سمع طفلاً في العاشرة، يحادث طفلة في مثل سنه تقريباً، قائلاً لها، وهو يشعر بمنتهى السعادة والبهجة، كأنما كان يعيش حلم العمر كله:
ــ سوف نصل إلى تركيا بعد ساعات. وإنني متشوق ومستعجل الوصول لرؤية مراد علمدار شخصياً، والذي أتوقع أننا سوف نراه في استقبالنا، ما إن نجتاز الحدود، ونعبرها مسافة أمتار.
فتجيبه صديقته التي في مثل عمره:
ــ صحيح. أختي أيضاً أخبرتني بذلك. وقد حدثتني كذلك، بأننا سوف نشاهد بأعيننا مهند ولميس. وقد نصافحهما ونتعرف عليهما شخصياً.
وحين وصلت آخر موجة من النازحين إلى محطة النزوح، وتم العثور على جثمان أبو الجنجل، قام بعض الناس بحفر حفرة له، ودفنه في موضع قريب من المنطقة الأثرية.
وحدها الساحرة حليمة التي جمعت كل أمتعتها وأموالها التي خبأتها طوال حياتها، ثم سافرت برفقة خالتها العجوز المقعدة الطرشاء، لم تذهب مع المسافرين نحو محطة النزوح. بل إنها تشاءمت كثيراً من السير في صحبة هذا الركب المزدحم، من السيارات والشاحنات والعربات المقطورة إلى أحصنة تجرها. وقالت في نفسها:
ــ ما أسهل أن تستهدف الحرب هذه الكثرة البالغة من الناس المتجمعين. وما أصعب أن تتعرف على المتسللين وحدهم، والذين لا يشعر بهم أحد، ولا تأبه لهم الطائرات التي تقصف.
وقد استأجرت لهذا الغرض حافلة باص خاصة بها. لكن حافلتها وقعت في كمين نصبه لها مسلحو داعش أثناء الطريق، وهناك صادروا الحافلة، واستولوا على كل أغراضها
وأموالها وأمتعتها. ثم عذبوها عذاباً شديداً، لكي تعترف بممارسة السحر، وما إن اضطرت، وهي تحت التعذيب، إلى الاعتراف والإقرار أخيراً بكل ما يتعلق بها وبممارستها السحر، حتى حكموا عليها بالصلب حتى الموت. ويقال بأنهم بتروا يدها ورجلها وعلقوها على خشبة لعدة ايام، ثم رموا بجثتها في إحدى الحفر.

أما عويصة، فالنبأ اليقين المؤكد، أنه التحق بالثوار في وقت مبكر، لفترة من الفترات. لكنه بعد مضي بضعة أشهر تركهم منسحباً، ليلتحق بعدها بمقاتلي داعش. ولقد قاتل في صفوفهم أكثر من سنة ونصف، حتى تغير عليهم حين أوجس في نفسه هو أيضاً بتغيرهم كثيراً من ناحيته، وأوشكوا أن يقبضوا عليه ويعتقلوه، بعد أن سمعوا بأنه يخبئ كتاباً أثرياً قديماً، يحوي أخبار ونبوءات كل مالا يعرفه الإنسان عن المستقبل، فطالبوه بأن يسلم الكتاب إلى قيادته، وإلا اتهموه بممارسة السحر والشعوذة والتنبؤ. فاتصل أخيراً، بالمسلحين من الجيش ومقاتلي السلطة، وطلب منهم أن يعفوا عنه، مقابل أن ينضم إليهم، ويقاتل في صفوفهم.
وبالفعل هرب عويصة إلى المسلحين في جبهة السلطات، حين استشعر الخطر من داعش، وظل يقاتل معهم، في صفوفهم، حتى قُتِل اخيراً. وبموت عويصة اندفن سرُّ كتابه معه، وأين أصبح موضعه الذي أخفاه فيه، فقد اختفت آثار كتابه المزعوم إلى الأبد.
وتكريماً له بعد مقتله، حضر موكب جنائزي، بعد عدة سنوات، إلى الحي الذي كان شبه مهجور، وخالياً من السكان تقريباً. وبرفقتهم ضابط في الجيش، ومعه ثلاث سيارات محملة بالجنود، وهم يلفون جثمان عويصة بالعلم.
ثم طفق الضابط والجنود الذين رافقوه، يسألون عن عائلته لتسليمهم جثته في موكب احتفالي وجنائزي مهيب، لكنهم فوجئوا ببعض شهادات من تَذَكَّرَه من بقايا الأهالي، حيث شرحوا للضابط ـ قائد الموكب ـ بأن عويصة ليس له أهل ولا أقرباء، وأنه في الأصل، جاء من البحر منحدراً من سلالة سمكة كبيرة تشبه الحوت. (يقال بأن الضابط قد احتاج إلى أن يستعيد شرح هذه القضية غير المفهومة بالتفصيل، لأكثر من أربع مرات. ويقال أيضاً بأنه، بعد كل تلك الشروح المستفيضة، لم يستقرَّ على رأي، أو يبدو عليه بأنه فهم كثيراً ما الذي يتوجب عليه أن يفعله).
وأخيراً قرَّ قرارُ الضابط قائد الموكب، أن يتوجه مع موكبه الذي يحمل جثمان عويصة ناحية النهر، وهنالك ألقوه في النهر وهم يقفون باستعداد، بينما كانت موسيقا النشيد الوطني تصدح بمهابة، وهم يودعون الراحل الفقيد. ثم أمر الضابطُ الموكبَ بالانسحاب من الحي.
*الأعمال الفنية للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
