ــ 40 ــ

كان الطيران قبل هذه الأحداث الأخيرة، قد تركزت هجماته بالبراميل المتفجرة والقذائف الصاروخية على جامع الحي، الذي أصبح مع مرور الوقت وتقادم السنين، وكأنه تحول ـ أو هكذا راح يبدو في نظر الناس ـ إلى ملكية خاصة للشيخ عبادة، مؤذنه وإمامه، وبعد أيام من الهجوم الواضح القصد، استطاعت كثافة الطيران، وغاراته التي لم تتوقف على الجامع، أن تحيله إلى كومة من الركام.

أما الشيخ عبادة نفسه، فلقد اختفى ما إن سمع بظهور مسلحي داعش، وزيارتهم الأولى للحي. وصار يتنقل بين بيوت بعض معارفه متخفياً، ولما لم يعد له من وسيلة أخرى متاحة ليصمد على البقاء أكثر، انسحب في غلس من الليل وهو متخفٍ، بعد أن حمل أغراضه الخاصة، وما تبقى له من أمتعة، على عربته التي يجرها حصانه، وسافر ليلاً، حتى وصل بعد جهد وكلل إلى قريب من الحدود.

وهنالك قيل بأنه صادفه في بعض الطرقات، أحد حواجز مقاتلي داعش، فأشهروا أسلحتهم في وجهه مهددين، ثم طلبوا منه التوقف، والتعريف بشخصيته. فنادى الشيخ عبادة على الأمير المسؤول عن الحاجز، وطلب من أميرهم، وهو ملتصق بعربته يرتجف خوفاً من أن يطلقوا عليه النار، أن يسمحوا له بالمرور. فشرع المقاتلون يساءلونه مهددين متوعدين:

ــ من أنت؟ وإلى أين تتوجه؟

قال لهم الشيخ عبادة:

ــ أنزلوا هذه الاسلحة كلها. أريد من شيخكم الفاضل، وأميركم أن يكلمني وحده.

فقال له أمير الحاجز:

ــ قل.. إنني أسمعك.

فقال الشيخ عبادة:         

 ــ أنا رجلٌ مشركٌ بالله، وقد استجرت بكم. والله تعالى أمركم في كتابه العزيز بقوله: (وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجِرْهُ، حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه). فأجيروني، وأسمعوني كلام الله، ثم أبلغوني مأمني.

فنظر المسلحون إلى بعضهم وقد لبسهم ما يشبه الخبل والارتباك، وراحوا يتبادلون الحيرة فيما بينهم وهم صامتون. وأخيراً، وبعد أن تفكر الأميرُ طويلاً في ما قاله الشيخ عبادة، أمر المسلحين بلهجة حاسمة:

ــ إقرأوا عليه بعض آيات القرآن، واسمعوه بعضاً من كلام الله، ثم افتحوا له الحاجز لكي يمضي بسلام. وليبلغ مأمنه.

ومضى الرجل، ولم يسمعْ أحدٌ بأي خبرٍ عن الشيخ عبادة فيما بعد. 

وقبل تسلل الشيخ عبادة أخيراً عن الحي، ظل يتنقل مستتراً عن الناس لفترة غير معلومة من الزمن. لكن اختباءه وسرية إقامته، لم تمنع الحاجة هدية من أن تتوصل إلى مكانه بطرقها الخاصة، وقد صبرت طويلاً وهي تتوسل إلى الناس حتى اهتدت إلى مكان اختبائه أخيراً. وبعد مقابلتها له، ألحت كثيراً وأبدت من الرجاء والتضرعات ما جعله يوافق أخيراً على أن يستجيب لطلبها، وكانت قد ألحفت في السؤال عليه، حتى اضطرته مكرهاً، أن يُدبج لها ديباجة نص الرسالة، التي أزمعت منذ وقت طويل على أن ترسلها إلى خليفة داعش الذي تسميه خليفة المسلمين، وذلك لكي يتدخل ويُفرَج عن ابنها المخطوف عواد.

ولم يجد الشيخ عبادة، إمام الجامع، مناصاً أو مهرباً منها، إلا أن يستجيب لرغبتها وينصاع لكثرة رجائها وإلحافها. فأحضر ورقة وقلماً، وشرعت تملي عليه، وهو يدون ويصحح لها ما يجب أن يُدوَّن، وما لا يجوز أن يكتب عادة في مثل هكذا رسائل. وقد كتب للخليفة الرسالة التي طلبتها، وأعطاها لها، دون أن يفوته أن يوصيها بملاحظة أخيرة، قبل أن يفترقا، مولياً هارباً منها: ــ احذري أن تذكري أمام أحد، بأنني أنا من ساعد في كتابة هذه الرسالة. تذكري ذلك جيداً ولا تنسيه

أما الرسالة التي خطها الشيخ عبادة للحاجة هدية، فكان هذا نصها:

( يا خليفة المسلمين.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وطال عمرك، ودام عزك، يا خليفة المسلمين، والله يقويك، وينصرك بجاه النبي العدناني، آمين.

وبعد: أنا الحاجة هدية بنت الشيخ عبدالله المتروك، وعمري اليوم ست وخمسين سنة، قضيتها كلها في الصلاح والخير. وابني الوحيد اسمه عواد، وبنتي الوحيدة اسمها فخرية.

يا خليفة المسلمين، يطول عمرك وبجاه نبيك، جئتك سايقة عليك الله وجاه الله، وأرجوك وأقبل يدك الشريفة.

ابني عواد، خُطف من قبل مجموعة أشرار، يعملون دون علمك، مع قوتكم المسلحة على طريق لبنان. وهم متسترون بجاهك ومستقوون بهيبتك وسمعتك الشريفة.

يا خليفة المسلمين. بجاه الله والنبي، وبجاه الصالحين والأولياء. أنا جئت أناشدك أن تتدخل لكي يطلق سراح عواد. ابني فقير، وأنا فقيرة. عشنا طول عمرنا نشتغل ونكدح ليلاً نهاراً، حتى نكسب قوْتَنا بشرف، ولا نحتاج لأن نمدّ يدنا إلى أحد. ابني ذهب للعمل في لبنان منذ أكثر من أربع سنوات. وأنا ظللت أعمل هنا في حقول القطن والذرة والقمح. أحصد. أحمل المحصول. أفلح، وأسقي وأشتغل من قبل طلوع الفجر، إلى ما قبل مغيب الشمس. جمعنا حصيلة تعبنا وشقائنا، يوماً وراء يوم، وسنة وراء سنة. عشنا على الكفاف، أنا آكل ما يكفيني لتظل قواي تساعدني على العمل والوقوف، وابني يأكل في اليوم وجبة واحدة. وكان يرسل لي من لبنان كل مال جمعه من تعبه. لم أكن أطمع إلا أن يرتاح أخيراً، ويفتتح محلاً هنا، ويتزوج، وأفرح به، وأرى أولاده وذريته قبل أن أستريح في قبري. يا خليفة المسلمين.. عاد ابني من لبنان قبل أكثر من أربعة أشهر، وفي منتصف الطريق صادفه حاجز لمسلحين من طرفكم، وهناك خطفوه، وانقطعت أخباره. بحثت وسألت عنه في كل مكان، سألت كل حاجز، وكل مسلح. لم يبق مسلح في هذه البلاد التي أحرقتها الحرب لم أسأله عن ابني. ذهبت إلى مركزكم الرئيسي في هذه المدينة، وسألت المسلحين الواقفين على الباب عنه، فأخبروني بأنهم لن يفرجوا عنه، حتى أدفع كل ما لدي من مال.

كل المال الذي جمعته أنا وابني من كدحنا وتعبنا، أرادوه لكي يطلقوا سراح عواد. وما كان بيدي من حيلة إلا أن أذهب، وأن أحضرَ لهم كل ما جمعته من حصاد هذا العمر، وأعطيتهم إياه.

وانتظرت بعدها طويلاً. انتظرت يا خليفة المسلمين وعشت على الأمل برجوع ابني. في البداية قالوا لي: تعالي غداً، وستجدين عواد ينتظرك هنا، عند هذا الباب. في اليوم التالي يا خليفة المسلمين، حين ذهبت اليهم، وقلبي ينبض من الفرح، لإنني سوف أعود، وبصحبتي ابني عواد الذي ليس لي في هذه الدنيا سواه، شتموني، وقالوا بحقي كلاماً أستحي أن أعيده على مسامعك يا خليفتنا. ثم طرحوني أرضاً، وأشهروا السلاح في وجهي، وقالوا لي: انقلعي من هنا أيتها العجوز الكافرة القبيحة المقرفة. منظرُكِ مثل منظر الشياطين. فلا ترينا وجهك مرة أخرى، وإلا أفرغنا كل رصاص هذه الرشاشات في رأسك.

أنا أعرف أنك لم تسمع بما فعلوه معي، أنا العجوز المسكينة، كما أعرف أن ما أقوله لك الآن سوف يغضبك عليهم، ويحزنك على ما صارت إليه أوضاع بعض المقاتلين في صفكم. أعلم والله كل ذلك. ولكن أناشدك الله، لا تعاقبهم يا خليفة المسلمين، واصفحْ عنهم. أنا لا أشتكي منهم، ولا أريد منهم شيئاً. حتى المال لا أريده أبداً. كل ما أريده هو أن تأمرهم بإطلاق سراح عواد. أريد ابني عواد يا خليفتنا، وليذهب المال إلى جهنم.

ملاحظة: يا خليفة المسلمين، الرجال الستة، المسلحين في تنظيمكم. ذكرت لك أنهم سرقوا مالي وطردوني، وهم الذين قالوا لي في اليوم الأول: انقلعي ظرطيها.. نحن أخذنا المال وافعلي ما تستطيعين. لكن واحداً منهم، يبدو أنه ابن حلال من بينهم، جرّني على طرف، وقال لي: يا حاجة. أنصحك نصيحة. ما تقدري تستردي ابنك، ويطلق سراحه، إلا إذا قدمت شكوى، وكتبتِ رسالة لخليفة المسلمين. روحي وانظري وجِدي أحداً يكتب لك رسالة تبعثين بها للخليفة، واشرحي له كل شيء، وسوف يتدخل ويطلق سراح عواد. 

ملاحظة أخيرة يا خليفة المسلمين: أرجوك وداخلة عليك. سائقة عليك الله ورسوله. بجاه الله وبجاه كتابه العزيز. لا تخبرْ ابني عواد، إذا قابلته بعد أن تأمر بإطلاق سراحه،  أن بيت أخته الوحيدة فخرية قد سقط فوقه الصاروخ، وأنها ماتت هي وزوجها. وأن بنتها الطفلة مريم، قد بترت ساقها وانفقأت عينها. وهي حالياً تعيش معي، وأنا من يعتني بصحتها. أرجوك يا خليفة المسلمين، حتى لا نُدخِل الحزن على قلبه، ونفسد فرحة خروجه بالسلامة. أنا سوف أتصرف فيما بعد، وسوف أجد أسلوباً وأعرف كيف أبلغه الخبر بعد فترة.   

المقرة بمضمونه، والموقعة أدناه: الحاجة هدية بنت الشيخ عبدالله المتروك ).

 

    

          

*الأعمال الفنية للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

 

Leave A Comment