ـــ 41 ـــ

                              الخاتمة

كان الليل قد سجى، والقمرُ بدراً، أو هو أقرب لأن يكون بدراً..

حين وصل زيدان ومصعب أبو الحكم إلى قريب من المنطقة الأثرية، وغابا بين ثنايا وجدران الحجارة الأثرية المتربة والمتهدمة. حين يصبح القمر بدراً في بعض الشهور، تُخرِج الأرضُ تُرَّهاتِها ومروياتِها التي انقرضت في أسرار السنين السالفة. وحيث يبكي كل مجهول على كل معلوم، وكل معلوم على كل مجهول.

كان مصعب أبو الحكم يحمل بيده سيفاً، ما هو بالسيف في الحقيقة. بل كان أشبه ببلطة طويلة حادة الشفرة، وعريضة إلى درجة غير محتملة. وذات نصل لامعٍ، وقبضة طويلة. كانت سلاحاً أبيضَ يذكر بالنهايات الفاجعية. ولقد أمر زيدان بلهجة حاسمة:

ــ عليك أن تُبقي يديك الاثنتين، مرفوعتين أثناء السير، ولا تلتفت إلى ورائك تحت أي ظرف.

السكون في ذلك المكان مرعب. حتى خُيل لزيدان لأول وهلة، بأن محطة النزوح قد فرغت من المهاجرين النازحين من المدينة، وأنه لا يوجد أيُّ أثرٍ لبشرٍ في هذا المكان النائي المعزول. لكن زيدان اكتشف بعد قليل، أن المكان ليس خالياً من المسافرين تماماً، وأنه ربما لمح طفلة صغيرة قد خرجت من المغارة التي تشبه الكهف، وتسللت عبر جدران الآثار الفخارية وحيطانها المتداعية شبه المندثرة. ربما أرادت الطفلة أن تقضي حاجتها ليلاً، لترجع إلى مغارة الكهف، وتعاود النوم بين أهليها.

فكرر مصعب أبو الحكم القول: ــ كذلك لا تحاولْ بعد الآن أن تسأل أو تستفسر عن شيء، بعد وصولنا إلى هذا المكان، إذ لا يجب أن نتحدث أكثر مما تحدثنا. فقد انقضى زمن الحديث والكلام.

وأثناء تسلل الطفلة، وعودتها من قضاء الحاجة بعد قليل، لمحت وهي في قلب الظلام، وعلى ضوء القمر، شبحَ رجلين يسيران؛ أحدهما يحمل سيفاً عريضاً يشبه الشفرة، ويزيد طوله على المتر الواحد بقليل. والآخر يسير أمامه منحني الرأس إلى الأمام، وهو رافعٌ يديه إلى الأعلى، كالأسير. حيث زيدان ما يزال يردد في نفسه:

ــ كان آخر عهدي بالأشياء، قبل أن أُغمضَ عينيَّ. حين تنازلتْ نفسي عن نفسِها، وتبرأ القلبُ من يقينِه، والعينُ من ضوئها. ورأيتني؛ لا معي شيء ولا شيء معي. ورأيتني؛ ليس حولي سوى بعضِ جنودٍ يُصعدونني نحو صليبي إلى الجلجلة.

كان آخر عهدي بالأشياء، قبل أن أُغمضَ عينيَّ. حين انطفأ السراجُ، وبللت شفتي البسملة. وانتصب الجدار شاهقاً بيني وبين خامة الأشياء، وهامش الأحياء، وشتائم الأعداء. وأُسدلَ الستارُ معلناً نهاية مرحلة.

توقفت الطفلة من باب الفضول وهي تنظر، وقد أخفت سائر بدنها خلف الجدار الأثري. ولم يبدُ عليها الخوف، بقدر ما كانت مندهشة كثيراً لهذا الذي تراه أمامها كالحلم. ولقد خُيّل لزيدان في تلك اللحظة أنه لمح الفتاة لمحاً سريعاً، وتعجب في نفسه لِمَ أحدث منظرُها في نفسه كل هذا الشعور بالطمأنينة والأمان غير المفهوم، وغير المفسر.

وعاد مصعب أبو الحكم يُصدر أمراً جديداً إلى زيدان:

ــ عليك الآن أن تتوقف، وأن تجثو على ركبتيك.

ــ هل أرفع رأسي قليلاً؟

ــ لا فرق. لا أمنعك من ذلك.

وحين رفع رأسه، وقعت عينه على الفتاة مباشرة. فأخفت الطفلة رأسها حتى لا يراها ولا يشعر بها. لكن بريق العينين كان آخر ما استقر في رأسه من انطباع عن العالم من حوله، قبل أن يرفع مصعب أبو الحكم سيفه عالياً في الفضاء، وكأنه كان يشق جسد الهدوء والسكينة المطبقة. ثم أهوى بالسيف على عنق زيدان، فلم يطوّح به رغم انفجار بركان ثائر من الدماء. ثم رجع يهوي بالسيف ثانية فثالثة فرابعة. فانفصل الرأسُ أخيراً، وتدحرج على مبعدة من الجسد الذي تهاوى وخمد فوراً.

لم يَبْدُ أن مصعب أبو الحكم كان مستعجلاً في الرحيل، أو يتوقع تنفيذ قراره بسرعة حاسمة. بل لقد بدا وكأنه مستمتعٌ بالمهمة التي كان يقوم بها ببطء مثير. حتى أنه جلس القرفصاء لأكثر من دقيقتين أو ثلاثة، وهو يتفحص ضحيته، كأنه كان يتلو عليها صلاة سرية، لا يُعرف كنهها.

من الأرشيف

أخيراً مسح الدماء التي لوثت سيفه، بجسد زيدان الخامد والمتمدد أرضاً، ونهض. ثم استقبل الخرائب، وهو يمضي بهدوء وتوءدة، حتى غاب في قلب الظلام وخفايا الأطلال الأثرية. وعند اختفائه تماماً وهو يمضي نحو البعيد، كانت الطفلة التي تراقب المشهد عن كثب، هي الأخرى تنسل بحركة حلزونية مستديرة، لتختفي بسرعة. 

                                                ***

وبعد بضعة أيام، رجع دحام إلى حي الصفيح أرادامس. هاله حجم الدمار الذي أوقعه الطيران بالبيوت والدور والأكواخ. كلُّ شيءٍ مُدمرٌ تقريباً، وقد خلا الحيُّ من جميع الأهالي. ولم يكد يتعرف على بيت أو شارع إلا بالكاد. كما أنه حين وصل بيته، وجده أكواماً من الأتربة والصفيح والركام.

ولقد ظن لأول وهلة أنه لم يعد ثمة من سكان حي الصفيح أحدٌ ما، غير أنه أبصر الدرويش مَلّوح، وهو يمضي وحيداً من بعيد، وقد أقبل صوبه. وحين اقتربَ منه، حتى أوشكا أن يصير كلُّ وجهٍ قبالة الوجه الآخر، فلم يجد دحام في نفسه رغبة في الكلام، أو حتى السؤال والاستفسار عن أي شيء جرى فترة غيابه الأخير عن الحي.

ولقد اعتاد دحام بعدها، أن يتصادف هو والدرويش مَلّوح في اليوم الواحد عدداً كثيراً من المرات، ولكن دون أن يتبادلا أطراف الكلام أو الحديث بينهما، أو يزيدا القول عن التحية العابرة. لكأنهما ضِمناً، كانا متفقَين، على أن الصمت خيرُ كلامٍ يمكن أن يقال في مثل هذه الأحوال، وأن عدم الحديث خير حديث. كأنما كل ما يجب أن يقال بينهما، قد بات مفهوماً وواضحاً، إلى حد أن كل فضول الكلام أصبحت لا معنى لها.

قال دحام لنفسه:

ــ ها قد رجعت وحيداً، إلى نفس المكان الذي بدأت منه.

ثم أردف:

ــ عليَّ أن أشرع في بناء الكوخ من جديد.

ذهبت زوجته بانة، فلم يعثر على أي أثر لها فيما بعد. واختفى زيدان صديقه، ولم يعرف عنه هو الآخر أي شيء يمكن أن يفيده، ولا أين غاب، ولا أين استقر به القرار. اختفت العمة ليلى، كما اختفى ابنه عبود، فلم يعثر له على أثر أيضاً هو الآخر.

أما الدرويش ملوح، فقد عزم على أن يتخذ من هذا الفضاء، والركام المحيط من كل الجوانب على امتداد البصر، موضعاً للصلاة. فكان يؤذن في كل وقت، ثم يقيم الصلاة وحده أثناء الجماعة. ثم يقف وحيداً، لكأن جموع المصلين تحفُّ به من خلفه. وقد حرص على أن يقيم الصلوات جميعاً في أوقاتها المعتادة.

ورغم أن الحي قد تدمر تدميراً كاملاً، وقد فرغ من السكان تماماً، فما عاد فيه من الأحياء أحد، حتى قطط المنازل، وكلاب الشوارع الضالة قد هجرته ورحلت هي الأخرى.. رغم ذلك؛ إلا أن أغرب ما سوف يلحظه دحام بعد هذا التاريخ، هو أن الطيران لم يتوقف بعد ذلك، يوماً عن القصف، فقد استمرت الغارات عليه في الليل والنهار، ولشهور طويلة فيما بعد. ودون أن يستوعب دحام أو يعي ما الذي كان يُقصف ويُرمى بالصواريخ من بعيد.

جعل دحام يعزل القطع الصفيحية التي ماتزال تحتفظ ببعض السلامة جانباً، ثم شرع يجمع الأحجار الصالحة من بين الركام. وخلال الأيام التالية، ابتدأ يخط أساسات كوخه الجديد.

في هذه الأيام، تفاجأ دحام مرة أخرى بموظف ضريبة نظافة الشوارع التي تعود للدولة، صاحب الدراجة وحقيبة الأوراق، يعود، وهو لا يكاد يتنقل بين الخرائب إلا بمشقة بالغة. وما إن وصل إلى دحام، حتى أخرج دفتر قسائم محفظته المعلقة على ظهره، ودنا من دحام في شيءٍ من الحرج والخجل، قبل أن يقول له:

ــ أعلم أن الوقت غير مناسب، ولكن لابد لي من أن أنفِّذَ واجبي الوظيفي. حتى في مثل هذه الظروف. كما ترى وكما أرى.

ثم كتب شيئاَ ما على القسيمة التي اقتطعها من دفتره، ومدَّ يده لدحام، وهو يقول محرَجاً خجلاً:

ــ عليك أن تسدد ضريبة نظافة الشوارع لدائرة المالية. من حقك مراجعة الدائرة الرسمية في المدينة، والاعتراض على القرار الضريبي خلال شهر.

وكان بجوارهما الدرويش ملوح، وقد نهض من صلاته للتو. فابتسم دحام، ولم يجدْ ما يقوله للموظف صاحب الدراجة. غير أنه  قال له آخر الأمر، بفتور ودون حماس:

ــ أعطِ الدرويش ملّوح الوصل. فلم يعد لديَّ جيبٌ أحتفظُ فيه بورق..!

فالتفت الموظف نحو الدرويش ملّوح، وناوله وصل الضريبة. فتناوله ملّوح من يده باهتمام وحفاوة، وراح يقلبه ويتأمله باهتمام خاص، ثم نهض ببصره يتأمل السماء الصافية، وهو مشرق الأسارير مستبشر. كأنما كان يخاطب الله، وهو يدندن طروباً منتشياً:

الكحلْ.. شنهو الكحلْ.. عينكْ محليتو

والقال عنك  مو حلو .. ألله يهدم بيتو

ثم دس الورقة في جيبٍ داخلي، بعد أن طواها جيداً بعناية. بينما ركب الموظف دراجته،

وانسحب منتقلاً إلى مكانٍ آخر خلف تلك الأتربة والأنقاض.

بينما استمرت الحرب بعد ذلك لسنين عدة، وظلت أصوات الاشتباكات وإطلاق الرصاص يُسمع من بعيد بين فترة وأخرى، وظل الطيرانُ يعاود التحليق بالمكان، وتابع إلقاء حمولته من القنابل والمتفجرات على المدينة والحي، وعلى ما يجاوره من الأحياء الأخرى المجاورة.

                                          ــ تمت ــ

معبد الحسون، 11/ 9 / 2018  فرنسا ـ كليرمون (Clermont – Ferrand)

……………………………………..

*الأعمال الفنية للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

                             

Leave A Comment