ــ 5 ــ

لا أدري كيف أصبحتُ في الشارع، في مثل لمحة البرق وسطوعه، وإذا بسيارة مسرعة تفرمل عجلاتها عند قدميَّ، حتى كادت أن تصدمني، وبلغ من صوت فراملها أنها أوشكت أن تُسمِعَ أصوات كل من كانوا يسيرون في الشارع. فدنوت من السيارة، ورأيت الأستاذ رمزي، وكان خلف المقود يهز رأسه باستخفاف واستهانة، وهو يقول بطريقة آمرة لا تحتمل النقاش:

ـ إركبْ معنا في المقعد الخلفي. لقد أخفقت إخفاقاً ذريعاً، وأنت في حقيقة الأمر فاشل وبائس ولا تستحق حتى مجرد الاهتمام بك.

امتدت يدي بحركة تلقائية إلى مفتاح باب السيارة لأفتحه، وإذا بي أنتبهُ إلى أن الرجال الثلاثة أو الأربعة الذين كانوا داخل السيارة، رفقة الأستاذ رمزي، إنما كانوا هياكل عظمية الأجساد، برؤوس بشرية سوية التكوين، فأفلتُّ مفتاح الباب مني، وأنا أكاد أخور من الوهن، وتجاوزت السيارة راكضاً نحو الرصيف الآخر حتى حاذيته، ثم ولجتُ زقاقاً ضيقاً يذهب بعيداً في حارتنا، وأطلقتُ ساقيَّ للريح.

حين وصلتُ جامع حارتنا، وأنا مهدود القوى مخطوف اللون من شدة الرعب، حتى كدتُ أن أتهاوى أرضاً؛ دخلتُ مسرعاً، فإذا بإمام مسجدنا وحده في المحراب، وقد رفع جبهته من السجود. أو بالأحرى، من ظننته لأول وهلة الشيخ عبادة، إمام مسجدنا هذا. وهو مطرق، يدعو دعاءً خافتاً لا يكاد يُسمع، ولا يُرى من كامل جسمه إلا العباءة التي التفَّ بها. صرختُ مستنجداً:

ــ يا شيخ عبادة.. لقد حدث معي أمرٌ مروع قبل قليل، وأريدك أن تصغي إليّ قليلاً، فإنني على خطرٍ عظيم.التفتَّ الشيخ بكليته، وبجميع جسمه نحوي. وهنا ظهرت لي تفاصيل وجهه، فإذا بي أرى الرجلَ ذا العين الواحدة، هو من كان يصلي وحيداً في المحراب، لا إمام جامعِنا هذا.ثَبَّتَ نظرته الأحادية العين والمتطايرة الشرر فيَّ، فأجفل كياني المرتعد، حتى خِلتُ أنني أوشكُ أن أطيرَ في الهواء من البهت والتعب والرعب. غير أنني قفزت بقوة لست أدري كيف واتتني في تلك اللحظة، ولا من أين غذتني. وولَّيت أركض في كل الأماكن والأزقة والشوارع.  

لم أعد أعلم أين أنا بالتحديد، ولا إلى أين أمضي. وجدتُ ظلام الليل حلَّ بسرعة أثناء ركضي، ولم يكن لليلِ أو النهار أية أهمية أو دلالة في تلك الساعة. رأيتُ قدميَّ تتخبطان في مقبرة حينا هذا، شمال حي الصفيح. وهناك من بعيد، ظهر شبح حارس المقبرة، الذي أعرفه منذ كنتُ طفلاً ألعب بجوار المقبرة. فصرخت به ملتاعاً مرعوباً:

ــ عمي الحارس..

انَتبَهَ إلي، وأقبل مبتسماً بنظرة حنون مشجعة، وهو يردد:

ـ ما الذي جاء بك إلى المقبرة في هذا الوقت المتأخر؟ لا تقل إن هناك وفاة حدثت الآن

في أهلكم لا سمح الله.

قلت، وأنا أفترش أحد القبور:

ــ لا..

ورحتُ أقصُّ عليه بسرعة واضطرابٍ، كلَّ ما حصل لي عصر ذلك اليوم.

قال الرجل بعد أن قادني، حتى وصلنا أحد القبور، وقد بدا مغتماً وكئيباً ومتشككاً من روايتي:

ــ تعال معي.. أليس هذا هو قبر الأستاذ رمزي؟

حملقتُ في حجر الشاهدة. قرأت الاسم عدداً من المرات. وحدقتُ بعينين تكادان تخرجان من وقبيهما من الدهشة في التاريخ المكتوب على الحجر. بينما همس الحارس بكلمات

مهدئة ومشجعة:

ــ الشاهدة التي أمامك تؤكد بأن الرجل قد صار بجوار ربه منذ عشر سنوات على الأقل. فكيف كنت معه اليوم؟

صمتُ. ولم أجرؤ على النظر والتفكير في شيء. وظل الرجل بعيداً عني، لا ينبس

بحرف، وجعلتْ تُثقلُ نفسي غمامةٌ من التفكير المُجْهِد المُقعِد، وأنا أفكر في نفسي:

ــ ألعلَّ الرجلَ يتهمني بالكذب أو الجنون؟

وشعرتُ بالخجل والإحباط يسيل على كامل جثماني المكوم فوق الضريح، كما يسيل الدهن فوق جسم الشواء. قلت، وأنا أنهض متقصداً أن أُسْمِعَ الحارس صوتي:

ــ يجب أن أنصرف الآن. ستفتقدني عائلتي الساعة، حيث أنني لم أذهب إلى بيتنا طوال اليوم.

قال الحارس:

ــ لا أنصحك بالذهاب، لأن المقبرة كبيرة جداً، فهي تتصل بأفق اللانهاية وتمتدُّ معها من

جهاتها الأربع.

ثم أضاف شارحاً:

ــ وأنت متعب كما أرى، ولا تقوى على السير في كل أرجائها عشرات السنين. لذلك لا تكلف نفسك فوق وسعها.

ثم خلَّفني وحيداً أجلس فوق الضريح، وخطا بضعة خطوات، قبل أن يلتفتَ مرة أخرى ويقول:

ــ سأذهب أنا الآن إلى بيتي وأهلي في حينا، أرادامس. تَعَلَّمْ؛ الدخول إلى جنة حارة الصفيح ليس كالخروج منها. والدخول إلى المقبرة ليس كالخروج منها. لقد انتهت مهمتي بمجيئك قبل قليل، وسأترك لك مهمة حراستها، حتى يأتيَ غيرُك فينوب عنك في وردية الحراسة.

ومضى بضعة خطوات أخرى، ثم التفتَ نحوي ثانية، وصاح من بعيد:

ــ كان يجدرُ بك أن تجلس على مقعد الرجل ذي العين الواحدة، والذي تنازل لك عنه، بدلاً من جلوسك على مقعد حارس المقبرة. فالأمر سيان، والمهمة واحدة.

                                                ***

صرختْ أصواتٌ عديدة، بعد أن فرغ الحارث من قص رؤياه:

ــ يا ألله.. نرجو رحمتك وخلاصك.

بينما هتفت الساحرة حليمة، وقد بدت كأنما حبسها البكاء وخنقتها الدموع:

ــ سيموت سائرُنا. سنموت جميعاً. إنها الحرب، ما من شك في ذلك عندي.

وعاد علي عليوي يكرر، متوجهاً بخطابه نحو الحارث:

ــ شهيدٌ بإذن الله. والشهداءُ عند ربهم يرزقون.

عادت الساحرة حليمة، تصرخ:

ــ علي عليوي. أعرف بأنك الآن تشعر بشيء من السعادة، وأنت تظن بأن هذه الحرب لن تأخذ معها إلا الحارث. ستموت أنت أيضاً، وسوف تبتلعك مثل الحارث.

قال علي عليوي:

ــ لا يوجد أية إشارة أو رمز في المنام يلمح إلا أنني قد أكون من ضحاياها.

ولقد ذكروا عقب اجتماعهم هذا في بيت الساحرة، أن بعض أبناء الحي، كما روي فيما بعد، حين أيقظوه من النوم، وسمع بأن الحرب على وشك أن تندلع عما قريب، شعر بالانزعاج والحزن وخيبة الامل. إلى درجة أنه عاد يتغطى باللحاف ثانية، من شدة الغضب. ثم تابع نومه. بينما هتف الشيخ حمزة، أمام جميع الحاضرين، مخاطباً تابعه حوّاس:

ــ أخرِجْ كتاب التاريخ الذي سوف يقرأه الناس لاحقاً. أخرجه الآن، واكتب يا حواس، وعلى مسؤوليتي الخاصة، ومن أقوالي: إذا كانت اللحظة هي ابنة الانتظار، فإن وسواس القلوب هو أخو الانتظار. وزيف المكان والزمان هما أمه وأبوه.

وحين استخرج حواس الدفتر، وهمَّ بالكتابة، أمره الشيخ، متراجعاً:

ــ لا.. لا.. لا تكتب هذه العبارة الأخيرة يا حواس، حتى لا يحسب الناس بعدي، أو يفسرونها خطأ، بأنني قد شعرت بشيء من الجزع والقلق أو الجبن. أقترح أن تكتب بدلاً

منها: ولقد قيل لي إنْ أثقلَ وزنُ أمتعتَك السفينة، فألقِّ بعضَها في اليمِّ. ويكفيك للإبصار عينٌ واحدة، تستعين بها على رؤية الطريق. فاكتفِ بها عن اثنتين لكي لا تثـَقُلَ عليك الحمولة. وأطعم الثانية للأسماك.

قال حواس مسحوراً بكلمات الشيخ حمزة:

ــ رائع ما تقوله يا شيخ.

فقال الشيخ حمزة:

ــ حوّاس.. ثانياً: أضف عليها أيضاَ العبارة الأخرى التالية: إذا وقعت الحرب، فلن تجد إلا طرفين: المشاركين في القتال، والهاربين من القتال. البقية المتفرجة لا وجود لها في الحروب، لأنها الضحية فحسب، وهي أعوادُ كبريتِ وقودِها المضطرم.

*صورة الغلاف واللوحات الداخلية للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment