ــ 6 ــ
بعد مرور ثلاث سنوات مضت على رحيله، وقبل اندلاع الحرب بعام واحد تقريباً، رجع زيدان إلى حي الصفيح والطين، أرادامس، في عودته الثالثة. طرق الباب على منزل دحام، وتعانقا عناقاً حاراً وبهيجاً. وأخبر دحام منذ وصوله أنه لن يرحل ثانية، وسوف يسكن معه في بيته. كان بيت دحام قد اتسع قليلاً عما كان عليه في آخر مرة شاهده، إذ أصبح له فناء وثلاثة دور وحمام مستقل. فسارع دحام الذي تفحصه ملياً، حتى خُيِّلَ إليه
أنه ميتٌ نُبش من قبره، سارع يقول له:
ــ يا للمسكين المعذب. لقد توضأتَ بماء المسافات. حسنٌ فعلت بعودتك إليّ.
ولم يفهم زيدان شيئاً كثيراً مما قاله دحام.
في الليل صنعا طعاماً، وجلسا يأكلان بشهية دون أن يتحدثا كثيراً. كان كل واحدٍ منهما يلقي بعبارة أو أخرى بين فينة وفينة، وذلك لطرد الملل ليس غير. ورجع دحام يقول:
ــ كنت في الماضي مثلك. أتوضأ أيضاً بماء المسافات، وأتيمم على قوارع الطرق. وكم ضيعتُ الجهات مثلك، فاتخذتُ القلب بوصلة. لقد استرحتُ منذ أن فقدتُ ايماني بأن في هذه الحياة شيئاً يستحق الرحيل.
قال زيدان:
ــ رأيت كثيراً في ترحالي، ممن لا يموتون ولا يحيون، ولا يعبرون ولا يغرقون.
ولاحظ زيدان بأن دحام لا يحتفظ في بيته بساعة حائط، أو موقتة روزنامة، أو أي شيء يساعده على معرفة الوقت، ثم تابع الحديث يقول:
ــ إنهم يتعمدون بالماء الأُجاجِ المالح، بعد أن تعمَّدوا في معمودية الدَمِ والهمِّ. وبعد أن أضنتهم الوعثاءُ وفَطَرَتْ أفئدَتَهم اللأواء.
والتفت نحو دحام متسائلاً:
ـ ولكن كيف تتحرى الزمان، وتعرف الأيام والأوقات كيف تمضي..؟
ــ حين كانت زوجتي تساكنني، كنت أعرف الزمان من خلال دورتها الشهرية، ومن معرفتي عن طريق جيراني بحلول شهر رمضان. أعني من خلال سماع مدفع الإفطار والسحور. وبعد أن هجرتني بانة وذهبت، صرت أكتفي بصوت المؤذن، وأوقات الآذان في مئذنة الجامع، لأميز أول اليوم من آخره في الليل والنهار، كما أنني أعتمد كثيراً على تواريخ الأعياد الوطنية والدينية والقومية في تحسس الزمن، حتى أميّزَ الأيام والشهور.
ــ صحيح.. نسيتُ أن أسألك؛ ماهي حكاية الحرب التي يتحدثون عنها هنا؟
أجاب دحام، وكعادته بلا اكتراث:
ــ لا تحفل كثيراً بما تسمعه هنا. هذه أول قاعدة يجب أن تتعلمها في حارتنا. فالحديث عن الحرب لم يتجاوز، حتى الآن على الأقل، رؤى المنامات وتأويلاتهم لها. لقد سألتُهم
كثيراً عن الموضوع، فلم أجد مَنْ فهم الأسئلة. وأجابني كثيرون، لكنني لم أفهم الأجوبة. في بلادنا؛ الأغبياء يسحقهم غباؤهم، والأذكياء يسحقهم ذكاؤهم، ولا أحد ينجو. أوَ ليست هذه حرباً في ذروتها. وبما يكفي؛ حتى نتوقع حرباً أخرى؟ حرباً حقيقية تنشب بالطائرات والمدافع والرشاشات؟
ــ وماذا لو كان ما يقولونه هو الحقيقة؟
ــ زيدان. سوف أنصحك نصيحة؛ استأجرْ بحَّاراً ليخفقَ قلبُهُ خوفاً بَدَلَ قلبِكَ، وليضطرب فؤادُهُ بمقدار أجرته التي تدفعها له. وليَخَفْ بالنيابة عنك، إن هبتْ هبوبُ العواصفِ، وأرْهَصَ البحرُ بالغدر.
ثم صمت قليلاً. وعاد بعدها يشرح لزيدان:
ــ إلعبْ الدَورين. المُكرهَ والبَطلَ.
ــ ماذا بقي بوسعنا أن نختار في هذه الحياة يا دحام؟ هناك سكَرَات الموت. والنَزَعُ الطويل الطويل. وهناك الموت. فاخترْ أيهما يناسبك!
ــ سأختار طريقاً ثالثاً وأبقى بينهما. أنظر إليهما، ولا أختار. هل تتوقع أن يكون النسيان قد نسينا يا زيدان؟
ــ وماذا لو طلع علينا فجأة دون موعد؟ هل تتوقع من النسيان أن يتذكرنا؟
ــ سيتظاهر بأنه لم يعرفنا، ويمضي. وسنتظاهر بأننا لم نعرفه. ونمضي.
ــ مع أنه لا يفارق ذاكرتنا!
ــ ونحن أيضاً لا نفارق ذاكرته.
ــ أتوقع ذلك. لولا هاجس الحكم عليّ بالإعدام. ذلك الحكم المُصْلتُ فوق رأسي ليلَ نهار.
ــ وماهي قضية حكم الإعدام تلك؟
ــ القضية معقدة قليلاً، وقد لا أحسن شرحها، ولا تفسيرها لك بما فيه الكفاية. هنالك من يلاحقني منذ سنوات، وقد قرر قتلي مهما كانت الأسباب، وتحت طائل أي ظرف من الظروف.
ــ لدوافع عشائرية أم لدوافع أخرى؟
ــ لا أعرف على وجه الدقة. كل ما أعرفه أن الرجل يلاحقني من مكان إلى آخر. وقد تنقل في أكثر من سبع مدن وقرى، ومكث فيها يتتبعني. قضيته في هذه الحياة هي أن يقتلني. وقضيتي في هذه الحياة أن أنجوَ منه، أو.. أن أموت على يديه. وأعترف بأنني سئمتُ الترحال والهروب، وبات الركونُ والاستسلام لما سيأتي، إغراءً لا يفارقني. بل أصبحتُ أشعرُ بمتعة الاقتراب من الموت، كلما اقترب.

ــ هل تتحدثُ عن شبح؟ أم عن إنسان حقيقي؟
ــ إنني أحدثك عن إنسان حي. عن كائن بشري، وليس عن شبح.
ــ وهل رأيته مرة؟
ــ لا.. لم أره، ولا أعرفه. ولا أعرف من يكون. ولا أعرف لماذا هو حَكَمَ عليَّ بالموت!
ــ أليس من المحتمل أن تكون واهماً؟
ـ لا. أنا أكيد منه. ومن أنه سوف يصلُ إليَّ آخر الأمر.
ــ يقول علماء النفس بأن هذه الحال، قد يُرجحُها أنها نوازع النفس الخفية والعميقة. والتي لا يدركُها المرء مباشرة، بمشاعره ووعيه الخاص المباشر.
ــ دعك مما يقوله علماء النفس. سوف يأتي يوم وتراه بأم عينك. ثق بي وبما أقوله لك بالحرف. عندئذٍ سوف يتكشف لك أنني لم أكن أتخيل تخيلاً.
ــ وهل له اسم يُعْرَفُ به؟
ــ لستُ أدري ما اسمه، ولا من يكون. لكنني، وحتى أحتفظ به في ذاكرتي، وكي لا يضيع من مركز حذري واهتمامي، أطلقت عليه اسماً من عندي.
ضحك دحام عند هذا الحد. وتساءل باستغراب:
ــ سميته اسماً من عندك؟ تتوهمه وتسميه فوق ذلك؟ لقد أعطيتَ قاتلك هوية، حتى لا تتوه عنه! وماذا سميته؟
ــ سميتُه مصعب أبو الحكم.
ــ مصعب أبو الحكم؟ لاشك بأن للاسم قرينة مخصصة، أو دلالة معينة؟ ولا ريب عندي بأنك تعرف شخصاً له مثل هذا الاسم. أو سمعته صدفة.
ــ أبداً. لا أعرف شخصاً له مثل هذا الاسم. كما أنني لم أسمع به البتة.
ــ زيدان. لا تؤاخذني، واغفرْ لي جرأتي معك. إما أنك تكذب، أو أنك تهلوس. وعموماً أقترحُ عليك أن نزور الساحر جمعة، فهو عالم خبير. عارف بكل شيء. لابد من عرضك على الساحر جمعة، فإن الآمال المعقودة على شفائك ضئيلة جداً.
ــ حقيقة الأمر أنني بتُّ أخشى على كل ما يحيطني من حولي، أكثر من خشيتي على نفسي. إنني أخاف على الناس. وعلى كل حيٍّ يتنفس في هذه البلاد.
ـ تخشى عليهم مِمَّن ..؟ من أنفسهم أم من الطبيعة؟
ــ من أنفسهم ومن الطبيعة.
ــ اطمئنَّ بالاً وانسَ الأمر. فإن مخلوقاتنا الجميلة تعيش خارج نفسها، وخارج الطبيعة.
*صورة الغلاف واللوحات الداخلية للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
