ــ 7 ــ
أنهى زيدان طعامه تلك الليلة، وأحس بالشبع والراحة، كمن يشعر بهما لأول مرة في حياته. وذهب دحام ليغلي إبريق الشاي بعد انتهاء العشاء. لاحظ زيدان وجود الطفل، ابن دحام، يتناول طعامه على المائدة لأول مرة، واستغرب من نفسه بأنه لم ينتبه إليه قبل ذلك أبداً. فسأل دحام على سبيل المجاملة:
ــ أهو ابنك؟
ثم لم يلبث أن شعر بقليل من الحرج والخجل من سؤاله. ولم ينقذه من فداحة وطريقة السؤال البلهاء، إلا أن دحام لم يكلف نفسه عناء الرد عليه؛ كمن لم يسمعه أصلاً.
نظر الصبي الذي جاوز العاشرة هذا العام بقليل، نظرات ملؤها الحقد والإنكار ناحية زيدان، ولم يتلفظ طيلة فترة الطعام بحرف واحد، حتى شك زيدان أن يكون الصبي أبكمَ، أو يعاني علة في النطق. وبعد أن أحضر دحام الشاي، نهض الصبي من مكانه، وقال لأول مرة:
ــ أنا ذاهب إلى بيت العمة.
أجابه دحام بلا اكتراث:
ــ إذهب عبود. الله معك، وسلم لي على العمة ليلى.
وخرج الصبي دون أن يضيف كلمة واحدة. بينما أردف دحام قائلاً:
ــ في المرة الأخيرة التي رجعت فيها بانة زوجتي، لكي ترمي بالطفل بين يدي، كما لو أنها كانت تلقي بسلة خضار أو بقجة ثياب، صائحة في وجهي:
ــ إليك ابنك.. ها هو ذا خذه استلمه.
ولتنصرف بعدها إلى حيث لا أدري إلى اليوم. في تلك الليلة كبرت معاناتي وركبني الهم. لا أعرف كيف يمكن أن أتصرف مع طفل لا ينقطع عن البكاء. ذهبت إلى منازل
الجوار وأحضرت رضاعة حليب، مما يستعملونه عادة للأطفال. صرت أفتش البيت عما لا أدري بالضبط. ثم أخرج إلى العراء عشرين مرة كل حين، ولم يسكت الطفل. قربتُ منه كأس ماء، فلم يشرب، وظل معانداً على أشد ما يكون البكاء والصراخ، حتى أيقظ الجوار والحي من حولي.
وقبل منتصف الليل بقليل، دفعت الباب جارتنا، الست ليلى، وهي عانس في حدود الثامنة والثلاثين، تعمل معلمة مدرسة في إحدى مدارس المدينة البعيدة عن حارتنا. نظرتْ إليَّ وإلى الطفل، وهي تُقلب شفاهها مغيظة حانقة، وسألتني عن أمه أين هي. فأجبتها بأنها تركته وذهبتْ، وسردتُ عليها كل الذي جرى بيني وبين زوجتي، عصر ذلك اليوم.
كادت بنظرات الحقد والاحتقار والتكبر التي رمتني بها، أن تجعلني أقع أرضاً وأضطربُ، كمن أصيبَ بالصرع. ثم سألتني أخيراً:
ــ هل تفقدت ثيابه الداخلية؟ هل بدلتَ له شيئاً من ثيابه؟

فلم أكتمها سراً، بأن هذا الأمر لم يخطر لي على بال من أساسه. فما كان منها، إلا أن حملت الطفل، وكأنه شيءٌ سُرق منها، وها هي تسترده أخيراً. حتى أنها لم تستأذن وهي تمضي به، ولم أعارضها أنا بشيء طبعاً، أو أبدي ما يشي بأنه احتجاج أو اعتراض. لا بلغة المقال، ولا بلغة الجسد. لكأنني كنتُ مُخدَراً غائباً عن المشهد كله، حتى أنني لم استفقْ قليلاً من غيبوبتي الاعتباطية تلك، إلا على كلمات المعلمة ليلى، وهي تقذف نحوي بكلماتها خلفها، حين مضت والطفل في حضنها، قبل أن تصفق الباب صفقاً منكراً:
ــ لعنة الله عليك وعلى أمثالك. وهل أمثالكم يحق لهم أن ندعوهم آباء؟
ثم صمتَ دحام قليلاً، واستأنف شرب شايه بهدوءِ متأمل. قبل أن يضيف بعد دقيقتين مضتا، وهو صامتٌ إثر روايته عن المعلمة:
ــ هذه هي العمة التي سمعت عبود، قبل قليل، يبلغني أنه ذاهب للمبيت عندها. بيتهم يبعد مسافة بيتين عن بيتنا، باتجاه الشارع الخلفي. وهو يقضي سائر الليل والنهار عندها
وبرعايتها، أكثر مما يقضي من الوقت معي.
ولم يكمل زيدان شرب كأس الشاي حتى نهايتها، فلقد غلبه النوم من شدة التعب، فتمدد في مكانه على أرضية الحجرة، وغط في نوم عميق. فنهض دحام يسعى لأن يفرش له حشوة قطن رقيقة، كانت زائدة عن حاجته، بعد أن جهز وأقام له موضع منامه دون أن يوقظه، بل تركه على أمل أن يستيقظ ليلاً، ليتابع نومه في فراشه الذي أعده له.
وحين طلع نهار اليوم التالي، كان أبو الجنجل، ذلك الرجل الثمانيني الذي خرف منذ زمن بعيد، وفقد معظم ذاكرته، أول من دخل على دحام، لكي يشاركه طعام الفطور. ولم ينتبه ابو الجنجل لأكثر من ساعة مضت، إلى وجود زيدان معهما، والذي كان يراه لأول مرة في بيت دحام.
كان أبو الجنجل يقطن في قن دجاج كبير نسبياً، بناه دحام للخراف قبل حوالي ربع قرن، ثم خصصه للدجاج الرومي الكبير الحجم. وقد تعرف دحام على أبو الجنجل لأول مرة، حينما أبصره وهو ينتقل إلى جواره في الحي، ثم راح يبيت متنقلاً في أماكن متعددة، وشكا أبو الجنجل لدحام من أنه لا يجد مكاناً يأوي إليه في الليل، حين يريد أن ينام. فعرض عليه دحام حظيرة الخراف المهجورة تلك، ففرح بها أبو الجنجل، واتخذها مأوى له منذ ذلك التاريخ، ولم يغادرها إلا حين كان يسافر إلى مدن وبلاد ومواضع، لا يعلمها إلا الله، ولغايات وأسباب ماتزال قيد تكهنات في حي الصفيح أرادامس.
قال أبو الجنجل:
ــ هل تعلم بأن قصة الحرب التي يتحدثون عنها لم تعد محصورة في حارتنا؟ بل لقد سمعت الأسبوع الفائت أناساً يقولون أشياء، ويتحدثون عنها في كل تلك البلدات والقرى التي مررت بها؟
قال دحام، وأثرُ ابتسامة سخرية خفيفة تطوف على وجهه:
ــ وماذا سمعت أيضاً يا أبو الجنجل..؟
ــ سمعت عن حادث جرى قبل أيام للشيخ عبادة، إمام الجامع. ولكن الحكاية تحتاج إلى شاب قوي، وقادر على الكلام أفصح مني حتى يستطيع أن يرويها. الحكاية تحتاج إلى
رجل أفصح وأذكى مني بكثير، لكي يستطيع أن يسرد لك الحادث.
ولم يستطع أن يفهم شيئاً من أبو الجنجل، الذي أنهى طعامه، ومضى باتجاه المدينة كما قال، لكي يراجع المستوصف أملاً في الحصول على بعض الدواء. ولكن قبل الظهيرة كان عبدو السكير قد مر من أمام بيت دحام، وراح يزرع عدداً من الفخاخ ليصطاد بها العصافير على جانبي كوخ دحام، والذي تكثر أعشاش العصافير عادة في جدرانه، وعلى أطرافه. وبينما كان عبدو السكير ينتظر أن تقع بعض العصافير في فخاخه، طلب من دحام أن يصنع له شاياً، ثم جلس هو ودحام وزيدان في فناء البيت، مستظلين بظل الجدار البارد في حر الظهيرة.
وحين سألا عبدو السكير عن الحادثة التي حدثت للشيخ عبادة، والتي ألمح إليها أبو الجنجل قبل قليل، راح عبدو يقص على دحام وزيدان، ما حدث للشيخ عبادة قبل ثلاثة أيام.
*صورة الغلاف واللوحات الداخلية للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
