ـــ 10 ـــ
حين ولدته أمه قبل ثمانيةٍ وثلاثين عاماً مضت، قالت سنسميه حنظلة، على اسم خالي الذي توفي منذ يومين. وقال والده: بل سنسميه حمزة. على اسم جدي الأكبر. ودار شجار بينهما لم يتم فيه الحسم لأي من الطرفين، من أجل انتقاء اسم المولود. حتى أنه قضى السنوات الست الأولى من عمره، وهو يُنادى بالاسمين معاً، ودون أن يظفر أي طرف بتغليب رأيه، أو الاسم الذي اختاره على الآخر.
وبعد ست سنوات، ظهر من أوساط العائلة فريق ثالث، صار يناديه “حمزلة”، تسوية للخلاف، واتقاءً للشر المتوقع بين الزوجين، وحسماً لكل اختلاف بينهما. لكن الغلبة كانت للاسم الذي اختاره الأب آخر الأمر، وظل اسم حمزلة يُنادى به في أوساط جِدّ خاصة، بعيداً عن الأوساط الشعبية.
وبعد ولادته بساعات، قال الأب:
ــ سيكون منذ الآن شيخ جميع عشائر المنطقة. وعلى الجميع أن يعترفوا ويُقرِّوا له بذلك.
ولقد لقي من الاهتمام والعناية في التنشئة، قريباً مما يلقاه أولياء العهد في بعض السلطنات والممالك. وكان الأب يسعى إلى تعليمه علوم الشريعة والدين، حتى يصبح عارفاً بشؤون الناس، يقضي بينهم في كل صغيرة وكبيرة، فلا يُنازعُ ولا يُراجع.
استأجر الأب له منزلاً في العاصمة، ونقله إليه ليستكمل تحصيله المتوسط والجامعي. لكنه بعد عام واحد من دخول الجامعة، فتر حماسُه للتعليم، وفقد العزم على أن يتابع دروس الشريعة. ثم رجع مضطرباً إلى والده الشيخ، كبير شيوخ العشائر في المنطقة، وأخبره بأن إيمانه راح يتراجع ويتزعزع، كلما طال به المقام والتردد على كليات الدين والشريعة. وأن من الخير له أن يدرس الحقوق والآداب، واللغات والفلسفة، حرصاً على قوة الإيمان كما قال، فوافقه الوالد على هذا التحول. ولكن ما إن مضت سنة أخرى، وهو على مقاعد الدراسة في العاصمة، حتى بلغه وفاة والده، فعاد على وجه السرعة، وقرر أن يزاول منصبه الجديد، كشيخ للعشيرة، وكبيرها المطاع، بدلاً من متابعة العلوم على مقاعد الدراسة.
ومن أجل هذه الغاية، اختار بقعة واسعة من الأرض، في منتصف حارة الصفيح أرادامس، وأمر أن تشاد عليها مَضْيَفَتُه الرحبة الأرجاء، التي تتسع لاجتماع عشرات الناس، وأن تحاط بحديقة غناء، وسور عالٍ مَشِيْدٍ من الحجر والصخر الأبيض. فتبدت داره وكأنها قصر فخيم باذخ الأرجاء، مقارنة بما أحاطها من رثاثة بيوت الطين والصفيح والخيام، والتي ملأت فضاء المكان. فأشبع هذا التفاوت في المسكن، بينه وبين كل ما يحيط به من الجوار، بعض طموحه وغروره الشخصي؛ فلقد بدا وهو في بيته، أو دار ضيافته الفخمة؛ كالملك وسط رعاياه الفقراء والعالة.
ومن أجل أن يستكمل حاشيته الخاصة، انتقى أفضل مرافقي والده، وأوسعهم إدراكاً وذكاءً، وإخلاصاً لوالده، المسمى حوّاس. وهو شاب يصغره في العمر بحوالي ست سنوات. وطلب منه طلباً صريحاً أن يُدوِّن في أوراقه الخاصة، كلَّ ما ينطقُ به من أقواله المأثورة لكي يُعرَفَ بها حين سيتناقلها الناس مستقبلاً، وأن يدون كذلك؛ كل ما يطرأ على تاريخ العائلة والعشيرة من طوارئ وأحداث، قد تستجد في تاريخ العشيرة وسائر المنطقة. لكنه حرص في الوقت نفسه، على أن يراجع ما يكتبه حواس كل فترة في دفاتره، وأن يعيد تنقيحه، ويزيد عليه أو ينقص، لكأن كتاب التاريخ الذي يُتوقع أن يتناوله، أو الذي سوف يشيد به وبذكره، يجب أن يكون من تأليفه هو، وأن تكون نسبته لمرافقه حوّاس، نسبةً لا يد لحوّاس فيها. إلا أنه الآلة الكاتبة التي سوف تدونه.
ولم ينسَ الشيخ حمزة أن يُذَكِّر حواس باستمرار، بأن لا يسمح لأكثر أهل الحي، ممن يدعوهم بـ ” أولئك الذين يقطنون بجوارنا في الحي”، كما كان يلقبهم، دون أن يفصح عن اسم أحد منهم بتعبير فصيح ومباشر، أن لا يسمح لهم بالاقتراب من دار مشيخة عشائر المنطقة، قائلاً:
ــ وثانياً: لا تدع الحثالة يجتازون عتبة دارنا. حتى لا يُقال عنا بأننا نجالس سفلة الناس.
بذلك كان الشيخ حمزة يأمر حوّاس كل بضعة أيام، ويُنَشِّطُ ذاكرته حتى لا يفتر في مراقبة هذا الأمر.
كان عبدو السكير يلقبه في مجالسه الخاصة في الحارة، بلقب “الشيخ ثانياً”. لكن الشيخ حمزة كان يتخلى ـ استثناءً عن هذه القواعد الصارمة ـ عن بعض عاداته، كلما صدف يومٌ من أيام العيد، أو كلما قصد أن يذبح الذبائح ويولم الولائم للناس، فكان يدعو الجميع إلى الطعام، شريطة أن يُمَدَّ سماط الطعام في فناء الدار، لا بداخلها. ولم يسمح بدخول أحد إلى غرفة مجلسه إلا لحلاقه الخاص، والساحرة حليمة وعلي عليوي، الذي تجاوزت سنه الحدود المسموح بها كإنسان، فعاش عمراً مديداً لا يُعرف على وجه الضبط، كم بلغ من السنين. وإن يكن الشيخ حمزة، قد دأب دائماً على تسفيه نظرية أهل الحي؛ في أن علي عليوي كان برفقة النبي نوح في السفينة. فكان يغضب كلما سمع بهذه الخرافة الحمقاء، تتردد كشائعة يتداولها الآخرون.
وحين قرر الشيخ حمزة الزواج، أراد أن يستمزج رأي حوّاس في اختياره الخاص. فسأله ذات مرة، على حين بغتة:
ــ حوّاس. ما رأيك بيازي بنت الشيخ جعفر؟
قال حوّاس:
ــ يازي؟ ما الذي جعلك تفكر بها؟
ــ ثانياً: إنها أجمل نساء العرب. وأكمل وأشرف نساء أهل الأرض جميعاً؛ عقلاً ونسباً وحسباً.
ــ الرأيُّ ما تقوله أنت يا شيخ. لكنها ماتزال صغيرة بعد!
ــ أعلمُ يا حواس. ثانياً: أنا لست على عجلة من أمري، وأعتقد أن من الصواب أن ننتظر حتى تبلغ سن البلوغ والحيض، وتغدو كبقية النساء.
ــ نِعْمَ ما تقولُ يا شيخ. هذا هو الصواب.
ــ بعد زواجي منها، سوف أكتبُ عهداً، أعلن فيه أنها أجملُ نساء العرب، وأشرفهن حسباً. ولسوف أطلب من كل شيوخ العشائر أن يُقرِّوا بهذا العهد.
قال حواس:
ــ من يحتاج إلى امرأة في مثل هذا الجمال وهذا الكمال، عليه أن يستعين بأكثر من عينيه.. يا شيخ.
ــ ثانياً: هذا صحيح. ولكن ثمة رائحتان لا يمكنُ إخفاؤهما: رائحة الحب، ورائحة الحرب. وإنني أشمُّ الرائحتين معاً في هذه الأيام الأخيرة. أخرِجْ دفترك يا حوّاس، ودوِّنْها فوراً، قبل أن تنساها.
ــ تأمر يا شيخ..
وأخرج حوّاس الدفتر والقلم سريعاً، ودوَّنَ عبارة الشيخ بسرعة.
*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.
*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
