ــ 13 ــ 

الساحر جمعة.. حيث لا يكاد ينبئ منظرٌ عن مَخْبَر، وحيث يدهشك بكل ما لم تتوقع. ورغم معارفه المتسعة التي لا حدود لها، فهو لا يشبه السحرة النمطيين. (يجب تسجيل هذه الملاحظة؛ وهي أن عويصة كان يسمي الساحر جمعة: “الرجل الذي يعرف كل

شيء”).  فكان يُرى دائماً حليقَ الوجه والشاربين، ويرتدي غالبَ الوقت بنطال جينز،

وقميصاً زاهياً، يرفل بشتى الألوان، مثل تلك البنطلونات والقمصان التي يشغف بارتدائها المراهقون عادة. وعليها طُبعت أسماء ماركات تجارية عالمية مشتهرة. لكن ثيابه لم ترتقِ يوماً عن مستوى الملابس المبتذلة والمستعملة، والتي تبتاع بأسعار رخيصة من “أسواق المستعمل”، ويزيده غرابةَ منظر، ذلك الشعر الأسود الكثيف الممشط إلى الخلف بقسوة، والمدعوم بكمية سخية من مثبتات الشعر، التي تساعده على التحجر واللمعان في نفس الوقت.

يظل الساحر جمعة يردد أمام جلاسه، بأنه ما اختار هذه المهنة المهينة والمحتقرة في أوساط الناس في الحارة، إلا بسبب الحاجة والعوز، وقلة فرص العمل. وحين يواجه بأنه جمع من المال ما يكفيه ويزيد عن حاجته، يجيب:

ــ صحيح.. ولكن حين تدمن على وضاعة الشأن، بسبب الفقر في مقتبل العمر، لابد أن يأتي يوم، يذهب فيه الفقر، وتبقى الوضاعة مطلوبة لذاتها.

ثم يضيف هذه الملاحظة:

ــ لا تنسوا أنه في مهنتنا، ندفع ثلاثة أرباع ما نجنيه من كسب تدره مصلحة السحر علينا، لعناصر الأمن الجنائي، الذين يتظاهرون بأنهم يكافحون نشاط مَن هم مِن أمثالنا. فلا يصل إلينا في آخر كل حساب إلا الربع.

وكان بعض أصدقائه ومحبيه المتعصبين له، يرددون على مسامعه دائماً هذه النصيحة:

ــ إخترْ لنفسك لقب “شيخ”.. فهو أكثر توقيراً واحتراماً من لقب “ساحر”، فضلاً عن أن

كل سحرة الدنيا يفضلون أن تناديهم بلقب شيخ. فهو يذكر بالله، ويمنح هيبةً ووقاراً. وهو أكثرُ تبجيلاً وتعظيماً في أنفس الرجال والنساء على حد سواء.

فكان من عادته أن يجيب:

ــ أنا أفَضِّلُ ما يختاره لي الشيطان، على ما ينصح به القلب. فلقد أثبتت التجارب أن الشيطان ليس بهذا السوء الذي يتناول به الناس سمعته.

ولقد استطاع جمعة في يفاعته وشبابه الأول، أن يتفوق رياضياً في كثير من ألعاب القوة، خاصة رياضة حمل الأثقال وكرة اليد. وكاد أن يصل إلى مستوى متقدم في البطولات الشبابية، التي شارك فيها على مستوى بطولة الجمهورية. ولقد أفادته قوته البدنية التي تزوَّدها من الرياضة، في مصالح وأعمال كثيرة لاحقة؛ وبخاصة في مهنة نقل القرميد وصب الباطون.

كما أنه زاول في فترة من حياته، مصلحة التهريب والإتجار بالبضائع الممنوعة، خاصة تجارتي الجنس والحشيش. ثم انتقل الى افتتاح بصطة تجارية في سوق الجمعة للمستعمل، في عدد من المدن والقرى. وإلى جانب بصطة الأثاث المستعمل في سوق الجمعة، كان يملك أيضاً طائر ببغاء، يستطيع أن يخبر أي زبون عن اسمه مقابل ثلاث ليرات. وافتتح أيضاً، في بعض الفترات، فرعاً لمصلحة اليانصيب، التي تقام أحياناً في أسواق الجمعة. حيث يتم الإعلان عن بيع أوراق يانصيب رخيصة الثمن، لا يتعدى سعر البطاقة العشر ليرات، لتُجرى القرعة عليها، مقابل ربح سيارة بيكآب حديثة.

 لكنه في الحق، لم ينجح في جمع ثروة من كل ما سبق من تجارب محبطة ومخيبة للآمال. وقبل أن يبلغ سن الثلاثين من العمر بقليل، تزوج من خمس نساء على التوالي، إحداهن كانت قاصراً دون الرابعة عشر من عمرها، خلال أقل من سبع سنوات. لكنه طلقهن جميعاً، ماعدا زوجته الأولى، التي أنجب منها ستة أطفال حتى هذا اليوم.

وكان معتاداً من جمعة أن يردد على مسامع أصدقائه وجلاسه القول:

ــ كنت أظن بأنني الساحر الوحيد في حي الصفيح والأحياء المجاورة، حتى تكشف لي، على غفلةٍ من الوقت وبالصدفة، أن هنالك ستاً وثمانين ساحراً غيري. جميعُهم أقدم مني

في مزاولة المصلحة.

ثم يضيفُ قائلاً:

ــ إذا حجزك خط أحمر، أو منعك من النجاح خطٌّ تضعه السلطات، أو يضعه الدين والأعراف الإجتماعية في وجهك. فادهنه باللون الأخضر. وامض في طريق النجاح.

ولقد سمعه الشيخ عبادة مرة يردد ذلك، فقلب سحنته وانتهره مشمئزاً صائحاً في وجهه:

ــ يا لعارك. ألا تخجل من نفسك أيها الساحر، الفاسق والمشعوذ الدجال. أنت إنسان يستحق القتل بلا شفقة.

ثم استأنف مفسراً:

ــ أتُعَلمُ الناس هذا العلم الشيطاني؟ ثم تُصرح على ملأ من الناس، بأن كل الخطوط الحمراء: ادهنوها بالأخضر وامضوا؟ لقد بِتُّ أخشى أن تنزل علينا نارٌ من السماء، أو يأتينا عذابٌ أليم من الله، بسبب وجودك ومسكنك بيننا.

فكان جمعة يجيب بهدوء، وفي منتهى الثقة التي تشعر بالمودة وعدم الاستجابة لكل هذا السخط والثورة عليه:

ــ ومن جعلك أنت وكيلاً على الخطوط الحمراء يا شيخ عبادة..؟

ثم يبتسم بمودة، ويضيف:

ــ لا ترتعب ولا تخشَ شيئاً يا شيخ عبادة. كل من سبقنا من البشر فعلوا ذلك. واجتازوا الحواجز الحمراء بعد أن دهنوها بالأخضر.

وصل زيدان ودحام إلى منزل جمعة. كان المنزل داراً اتسع فناؤها، فضمت خمس غرف كبيرة ومتوسطة، مشيدة من الحجارة الكبيرة. وقد ترك الساحر سورها الخارجي بلا باب خارجية، وأحد أطراف السور تهدم، فتمت إزالة الركام عنه، فصار فضاءً مفتوحاً من الخلف على زقاق الشارع.

أما الغرفة الخاصة بأعمال السحر واستقبال الزوار، فكانت أشبه بصالة اتسعت

لمحتويات لا تكاد تُحصى أو تُعرف أسماؤها، ولا فيمَ تستخدم. وكان ثمة خزانتان وثلاث طاولات موزعة. وكراسي من جلد وخشب، وكنبة وثيرة، وأريكة طويلة، ذات حشوة قطنية مغطاة بجلود أنواع شتى من الحيوانات. وقد كُسرت إحدى قوائمها الأربعة، واستُعيضَ محلها بمُثَبِّت أنتيل هوائي التلفزيون الحديدي. وفي زاوية الغرفة كان قد وُضِعَ مُسجِل ضخم له مضخمات صوت، مما يستخدم في صالات الأفراح والحفلات.

همس زيدان في أذن دحام:

ــ هذه الصالة تكاد تسبب لي الصرع والإغماء. لم أرَ في حياتي، شيئاً فظيعاً يبعث على الغثيان والصداع أكثر منها.

وبعد أن جلس الرجال على المقاعد، أمر الساحر أهل بيته، من شق الباب، أن يحضروا الشاي بالقرفة. وبدا هادئاً متواضعاً تواضعاً هو أقرب شيءٍ إلى البلاهة والعته. خلاف ما كان يتوقع زيدان. ولمح دحام على مقربة منه، فوق إحدى الطربيزات، أنواعاً من بيوض طيور متنوعة الألوان ومختلفة الأحجام. فعبث قليلاً بها بأصابعه متفحصاً وهو يتساءل:

ــ أستغربُ يا شيخ جمعة؛ كيف تستطيعُ أن تحصل على كل هذه البيوض المختلفة، ولا أدري من أين تقتنيها.

ردد الساحر بهدوء، ودون اهتمام:

ــ اعتدتُ أن أوصي عويصة الذي ينحدر من نسل الحيتان، لأن يشتريها لي.

فضحك دحام، ثم قال:

ــ أنت تعلم بأن عويصة ليس من سلالة أسماك، كما يحلو لأهل الحي أن يشيعوا عنه، وإنما هو لقيط لا يُعرفُ كيف ولد في حارتنا، ولا أحد يدري كيف جاء، ولا من تبنى تنشئته.

فتجاهل الساحر ملاحظة دحام الأخيرة، لكنه أضاف:

ــ عويصة مستعد أن يأتيك بكل ما تطلبه منه، وكل ما يخطر بالبال.. وما لا يخطر..      

هز دحام رأسه موافقاً:

ــ إنه يتزود بكل شيء من الغجر العابرين لكل الأقطار والحدود.

قال جمعة:

ــ كان كذلك في الماضي. أما اليوم، فأظنه هو من بات يزود الغجر بما يشتهون وما يحتاجون.

ولاحظ الرجلان بأن ثمة زائراً للساحر، في الغرفة المجاورة للغرفة التي يجالسان فيها

جمعة. وأنه كان يُضطر بين فينة وأخرى، لأن يذهب إلى تلك الغرفة، فيتبادل مع زائره الآخر حديثاً سريعاً، ثم يرجع إلى مكان جلوسه على وجه السرعة. وحين قرأ علامات التساؤل على وجه الضيفين، لم ينفك أن يقول شارحاً معقباً:

ــ إنها امرأة خليجية مسكينة. وصلت البارحة من إحدى دول الخليج بصورة مخصوصة لمقابلتي، ولديها مشكلة خاصة أعمل على خلاصها منها.

في هذه الأثناء، لاحظ زيدان ودحام أن بعض الأطفال، كانوا يحشرون أعينهم وأنوفهم في شقوق الباب الخارجي للغرفة، ومن خلال نافذته الوحيدة المغلقة تقريباً. فأثار تصرف هؤلاء الصبية واليافعين عصبية زيدان قليلاً، وإن آثر الصمت والسكوت على ذلك. أما جمعة فقد استمر في التظاهر بعدم المبالاة؛ وكأن ذلك التصرف الفضولي من الأطفال أمرٌ لا يعنيه البتة، أو هو قد اعتاد عليه على الدوام، فلم يُعِرْ تزاحم الأطفال على شقوق الباب والنافذة أي اهتمام. 

خمن زيدان تقديراً، بأن عدد الأطفال المتلصصين على غرفة الساحر، يتراوح بين الستة إلى السبعة أطفال. وكانوا على فترات يتضاربون أحياناً، ويتبادلون الشتائم، للظفر بالموقع الأفضل خلف الباب أو النافذة، والذي يتيح لهم بتمكن ووضوح، رؤية وسماع ما

الذي يدور في الغرفة. أخيراً فاض الكيل بدحام، وعيلَ صبرُه، فقال متذمراً:

ــ أصرف هؤلاء الأطفال الشياطين!

وما إن سمع الأطفال عبارة دحام، حتى أخذوا يشتطون بتحدٍ أكبر، وهم يصرخون بأصوات مسموعة: “عم جمعة.. أيها الساحر جمعة.. تعال واسحرني يا جمعة.. يا عامل نقل الإسمنت والباطون يا جمعة”. لكن جمعة زاد من إصراره على عدم الاكتراث بهم، كمن اعتاد هذه الحال طوال النهار، وبصورة دائمة. أخيراً، وبعد الفراغ من شرب الشاي، ومضي وقت طويل على بداية الزيارة، فتح جمعة فمه، وقال:

ــ والآن.. دعونا ندخل في الموضوع. لقد فهمت بأن سبب الزيارة، هي شكوى أو مشكلة يعاني منها الأخ زيدان.

*صورة الغلاف للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

Leave A Comment