تلفت دحام يمنة ويسرة. وخيل إليه لبرهة بأنه يحلم. وتمتم في شيء من البَلَه:

ــ أية شوارع وأية نظافة..! إنما نحن هنا في برية مهجورة أيها الأخ. وهي مكب القمامة الذي تصبُّ فيه كل نفايات المدينة.

ــ أتفهم ذلك جيداً.

قالها الرجل وهو ما يزال يملي شيئاً في الاستمارة أمامه. فقال دحام:

ــ لكنني نزحت خارج المدينة، وها أنا، كما ترى، بنيت كوخاً من صفائح براميل عند مكب قمامة. حتى أتحاشى الاقتراب من موظفي الحكومة.

ــ بإمكانك أن تراجع دائرة المالية في المديرية العامة في المدينة. راجع قسم مدفوعات ضريبة نظافة الشوارع. اعترضْ، وقدم شرحاً تشرح فيه ظرفك، فقد يتعاطفون ويتفهمون الوضع أكثر. أعتقد بأنهم قد يخفضون ضريبة نظافة الشوارع المصنفة بحقك.

وهمَّ دحام أن يقول سريعاً: ” في جيبي بقي ستٌ وثلاثون ليرة .. هي كلُّ ما أملك حالياً..” لكنه، وقبل ان يفتح فمه، كان الرجل قد حشا كفه بالقسيمة، ثم ركب دراجته ومضى سريعاً، لا يلتفت وراءه.

في قلب هذا الليل الساجي، ربما قبل طوفان نوح، تحولت المدينة كثيراً من التحولات. اتسعت الضواحي العشوائية التي تحيطها، ونالت حرية غير محدودة في أن تتمدد في كل الاتجاهات. إنها على الأصدق انعتقت من إسارها، وانفكت من قيودها التي كانت تَحْكُمُ فيضَ الناس وغيضَهم.

كان هنالك على الدوام، حسْنُ عشرةٍ وإلفة بين الطريق الطويلة، التي تشق كل أحياء الطين والصفيح، والأزقة الفظيعة التي تصل ما بينها وبين دروب المدينة. مع ذلك التاريخ الطويل والممل، لم تغير ذاكرة الركود الأزلي من سكونية المكان وقنوطه واستسلامه، كلما عبر الطغاة المحليون الصغار والطغاة العالميون الكبار. وكلما مرَّ بتلك الأحياء طيفُ مجانينَ، طالما هبطوا على الناس فجأة، من كهوف السماء وأساطيرها. ففي هذا الظلام الكثيف، كانت تحولات النفس الكبرى التي تجمع حولها كل الناس، تجاذب لواعج العابرين الداخلية، قبل نشوب الحرب بعشرين عاماً على الأقل، وتعجن عجينة الواقع وطينة الوقائع، قبل أن تدمرها الحرب فيما بعد، لتصنع من غُضارِها وفَخَّارها حقائقها الجديدة الصادمة، والتي لها روائحُ تشبه روائحَ الموت. ثم تستفرغ كل ذلك في جنونٍ رائعِ السمت، أخاذ الصنعة والبدعة. طوراً بالكلام الذي لا يقال عادةً، وطوراً بالـ  يقالُ الذي ليس له لسانٌ ليصوغ به الكلام .. ودائماً كان ثمة شيءٌ جديدٌ يحدث تحت هذه الشمس، لا نكاد ننتبه إليه، له رائحة يتحسسها الجميع وينكرونها، لسبب غير معلوم.

الصدفة الثانية التي حثت زيدان على زيارة هذه البقعة من الأرض، لم تكن محض صدفة في الحقيقة. لقد أغرته زيارته الأولى، وذكرياته التي عَلِقَتْ عن مكب القمامة وكوخ دحام، بأن يلقيَ نظرة طارئة على المكان، وقد كانت أهمَّ الأسباب التي حرضت فيه فضولاً خافياً أن يمر، ولو عابراً، مرة أخرى بهذا الموضع، بعد انقضاء ستة أعوام على عبوره الأول به. ولقد أدهشه كثرة البيوت الحجرية والطينية، والأكواخ الجديدة المتلاصقة بخوف، بعضُها مقابلُ أو خلف بعض. أو عن يمينِ ويسارِ بعض.

سوف يتذكر زيدان لاحقاً، وأثناء زيارته الثالثة والأخيرة، كيف أصبحت حارة الصفيح بحجم المدينة التي بنيت حولها، هذا إن لم تكن أكبر منها قليلاً. لقد غدت مؤلفة من آلاف البيوت والمساكن. ولقد تعرف عليه دحام مباشرة، في زيارته الثانية، وتبسم في وجهه مباشرة، وكانت كلمة السر التي فتحت كل أبواب المودة وحفاوة ذلك اللقاء، أنهما تذاكرا مباشرة كيف تعاونا قبل ست سنوات، في أول مراحل بناء “الدار الكبيرة”. هكذا كان دحام يسمي كوخَه الذي يسكنه، بعد أن صار لديه كوخٌ آخر بجوار غرفة الصفيح، وهو مخصصٌ للدواجن والمعز وبعض الدجاجات.

وأخيراً هتف دحام متعجباً:

ــ يا له من عمرٍ طويل مضى. خمسُ سنواتٍ مضت منذ آخر مرة التقينا فيها.

 صحح له زيدان:

ــ بل هي ستُ سنوات ونصف.                 

         

ثم صمتا طويلاً، لا يجدان ما يقولانَه لبعض. قبل أن يقطع زيدان الصمت بقوله:

ــ ماذا بقي لنا أن نفعله في فضلة العمر الزائد عن الحاجة..؟

قال دحام:

ــ بقي لنا أن نفعلَ ما يفعلُ الهاربون من كل شيء. نستغيث من كل شيء بكل شيء، أيها

الصديق.

يقال بأن هذه الأحياء قديمة، لا يُطمَعُ بمعرفة بداياتِها ومَدرجِ طفولتِها الأول في حياة البشر، فلقد رضَعت من ثدي الأزلية، وتربت بين أكنافها الأُوَل. حجاراتُها الجصية وجدرانها الصفيحية والطينية، تنطق بشواهد وغرائب. الدروب والأزقة الضيقة، تخترقها ملتوية بين أولها وآخرها. أما الجامع في حارة الصفيح، والذي بُنِيَ بعد سنين، وحين اكتظ المكان بالسكان، فهو يختلف نوعياً عن أبنيتها، فلقد سَمَتْ به الجِّدة والعناية والتحسين المستمر، واتسع فناؤه عبر متوالية أزمنة لاحقة وأخرى سالفة. وهو يتوسط الدرب ويُشرفُ عليه، كما تشرِفُ الأمُّ على وليدها، وبات يتألق منظره بتلك المنارةِ الحجرية البناء والطينية الملاط، والتي تفتقر إلى صُنعة الإبداع، وتظل تخاطب اللهَ من دُلُوكِ الشمس إلى غسق الليل، وقرآن الفجر.

والناسُ في حي الصفيح هذا، توزعوا على أطراف الحارات وبيوت الصفيح، متناثرين على جانبي الطريق الطويلة، التي تصل بين الحارات والمدينة، وحول الجامع ذي المظهر الحزين، والتصقوا بالمكان كما تلتصق المشيمة بجدار الرحم، وكما يتناثر القمح من كيس مثقوب. يقال بأن هؤلاء الناسَ خالدون لا يموتون. أو أن ذلك ما كان يشيع من انطباعات منظرهم قبل أن تندلع الحرب. لكن خرافة غير بهيجة ترددت في الماضي، تقول بأن الأحياء قد ضربوا قرعةً فيما بينهم، حول أدوارهم في الموت، فجاء سهمُ سكان حارات الصفيح آخر الآخرين. حيث الأكواخ والطين والصفيح، شواهدُ سامقة وسابقة تدل على وجود ما قبل القبل. ومن حسن حظنا اليوم، أن تلك الخرافة قد انقرضت منذ أن نشبت الحرب، وبادت منذ زمن بعيد.

*صورة الغلاف واللوحات الداخلية للفنان أحمد ظاهر.

*معبد الحسون: كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.

   

Leave A Comment