الوقت ثقيل، وعقارب الساعة تلسعني كل ثانية، وأفكار غريبة تخامر عقلي، فتبعد عن عينيّ النوم.. .. ماذا لو تعرضت لحادث سير في الطريق إلى اللاذقية، ففوّتّ موعدي في مكتب العمل!؟
ترعبني تلك الفكرة، فأقرر السفر قبل الموعد بيومين.
أقف في المحطة باحثاً عن حافلة تبدو بحالة جيدة، فيقل احتمال تعطّلها أثناء الرحلة، متجاهلاً دعوات السماسرة التابعين لمكاتب حجز الرحلات.
ها هي أخيراً، حافلة بيضاء حديثة كحمامة سلام، عُلقت عليها لوحة تعريفية بوجهتها: دمشق – اللاذقية.
أتأملها طويلاً، أدور حولها متفحصاً حالة العجلات؛ كل ما فيها مغرٍ.
يسألني السمسار عن وجهتي، فاخبره وتفشل جهوده بإقناعي بالسفر في حافلة غير تلك الحمائمية البيضاء.
يرضخ لإرادتي، بعد أن أخبرته أن لا مشكلة لدي في الانتظار لعدة ساعات أخرى، موعد انطلاق الحافلة عينه.
بدا الزمن متوقفا عن الدوران؛ أكرر النظر إلى الساعة في يدي مرات ومرات، فلا أجدها قد تقدمت أكثر من بضع دقائق فأشعر بالحنق، ثم استسلم للنوم جالساً على مقعد الانتظار الثقيل. أجفلت من نومي فانتفضت واقفاً، فأطمأنيت لوجود الحافلة مكانها، ثم انظر في الساعة، لأكتشف أنني لم أغفُ إلا لبضع دقائق!
أخيراً، هديل حافلتي ينبئ باقتراب لحظة الانطلاق، وكذلك نداءات السمسار: لركاب الرحلة رقم كذا للتوجه إلى الحافلة.
تنطلق الحمامة البيضاء أخيراً، وأنا على متنها وسط صلواتي للبحر؛ مستعيضاً عن دلو الماء الذي اعتمدت سكبه على رأسي كل صباح، كطقس تعبدي ببضع قطرات من عبوة ماء الشرب التي أحملها بيدي.
شرود وأحلام يقظة، خففت عني عناء الطريق؛ لأجد نفسي فجأة في مواجهة منظر مهيب؛ خُيِّل إلي معه أن زرقة السماء امتدت نزولاً، بطريقة لم أعهدها من قبل، وأن ثمة جسم هائل يحلق قرب خاصرتها. أفرك عيني معتقداً أنهما تخدعاني، لكنهما تصران على الرؤية كما تريدان؛ لتتكشف لي بعد قليل تفاصيل المشاهدة، إنه البحر، وما ذلك الجسم الطافي إلا سفينة هائلة الحجم، أتمتم بالتكبير والصلاة على النبي، فتصيبني القشعريرة من هذا “التجديف” في حضرة البحر، فأملأ فمي ماء وأتمضمض طويلاً، مستغفراً البحر عن خطيئتي تلك، قبل أن يختفي خلف البنايات العالية.
ارتباك، حيرة ورهبة، تغيّب عن سمعي بوق سيارة الأجرة التي تقف أمامي، يسألني السائق: إلى أين؟
فأجيب : إلى البحر.
فيقول: نعم إلى البحر؛ لكن إلى أين بالضبط؟
فيستفزني “غباؤه”، وأكرر: قلت لك إلى البحر!
يزفر السائق متضجراً، ويسألني بهدوء مصطنع:
فهمت، إلى البحر .. لكن ماذا تريد بالضبط؟
أتريد أن تستأجر شاليه؟ أم تريد مطعماً تتناول فيه غداءك و تمضي فيه بعض الوقت؟ أم أم أم؟!
لم أكن أعلم بوجود كل تلك الخيارات، ولا مستعداً لها. بعد صمت وتفكير أثار توتر السائق، قلت: أريد الشاطئ.
انطلق السائق، وعلامات عدم الرضا على وجهه، أما أنا فكنت أجلس إلى جانبه على وركي الأيسر، لأرفع نفسي قدر المستطاع فأحظى بمشاهدة البحر ما أمكن على يسار الكورنيش. ها أنا بمواجهة البحر أرتجف بخشوع، فلا تكاد ركبتاي تحملاني، أعاني من الرهبة والقشعريرة، كما ينبغي لعابد أن يعاني في حضرة معبوده.
أتهيّب الاقتراب أكثر خشية تدنيس طهر مياهه، فجأة؛ قطعت خشوعي فكرة أقلقتني، فانطلقت إلى الكورنيش لأستقل تاكسي إلى شارع الثامن من آذار، حيث عنوان المكتب، لأتأكد من صوابية العنوان خشية ان أتوه في وقت حرج، فأفوّت الموعد.
أمام مكتب التشغيل يوم الموعد، وجدت حشداً هائلاً من الناس؛ شباباً ورجالاً من مختلف الفئات العمرية، نظرت إليهم بدهشة، وقد حضرتني جملة بائع التبغ العجوز عندما قال لي:
“كل الناس يريدون الهجرة تحت عناوين ومسميات شتى، و لو أتيحت الفرصة لهذا الوطن بحد ذاته لتخلى عن جذوره و هاجر”
اعتراني القلق، فشققت طريقي بين الجمع بصعوبة بالغة، حتى تسنى لي بعد جهد التحدث إلى أحد موظفي المكتب، فتفحصني و تفحص أوراقي، ثم أكّد لي على موعد المقابلة الذي أخبرته به، فغادرت مطمئنًا؛ رغم التساؤلات الكثيرة التي لم تفارقني عن كيفية استيعاب باخرة، لكل هذا العدد من البحارة المستقبليين.

مضت ليلتي الأولى على الشاطئ دون مشاكل، باستثناء تحقق دورية شرطة من هويتي، ومن ثم استدعائي إلى المخفر لاستكمال بعض الاجراءات اللازمة كما ادّعوا، لكنهم تخلوا عن الفكرة مقابل مئتي ليرة دفعتها لهم، بعد تلميحاتهم التي لم يصعب علي فهمها، و كذلك في الليلة التالية، عدا عن ذلك؛ فقد سارت الأمور بخير.
كان لدي الوقت الكافي لأغوص في حلمي عميقاً، فأجوب الأصقاع على متن السفينة هائلة الحجم، مرتدياً ثياب البحارة كما رسمت صورتهم في مخيلتي؛ متفحصاً عضلاتي الضئيلة، ممنياً النفس بامتلاك عضلات مفتولة بعد مدة من العمل كبحار.
أخيراً رضخ الوقت لدورة الكواكب وحان موعد المقابلة المصيرية، فسبقت الشروق إلى المكتب، وانزرعت كسنديانة أمام بابه الذي كان لم يُفتح بعد؛ متشبثاً بشبك الحماية خشية إبعادي عنه، بفعل احتشاد الناس الذي بدأ يتزايد في المكان.
أخيراً، بدأ الموظفون يشقون طريقهم بين الجموع تباعاً ويدخلون، وأنا لا أزال متمسكاً بشبك الحماية بعناد أسطوري، كانت نتيجته أن كنت أول من استدعي إلى الداخل.
بضع دقائق عصيبة مرت، كانت خلالها إحدى الموظفات تتفحص ما أحمله من أوراق وصور، قبل أن تعطيني قصاصة صغيرة، طالبةً مني أن أذهب إلى مخبر التحاليل الطبية في البناء المقابل، بابتسامة تبشر بالخير.
انطلقت إلى المخبر، فاستقبلت فيه خير استقبال.
كنت متيقناً من سلامتي، فمع تلك الوجوه الناضحة رقة وجمالاً وأنوثة؛ سوف أشفى حتى لو كنت أعاني من كل علّة عرفها الطب يوماً .
كان على أن أنتظر حتى الواحدة ظهراً، لأستلم نتيجة التحاليل، فكانت ثلاث ساعات من صراع الأفكار السوداء، والبيضاء، والقلق، والأمل، وبالكاد اختطفت النتيجة من يد الممرضة، وقد بشرتني بسلامتي، حتى انطلقت راكضاً إلى مكتب التشغيل مجدداً، ولم أبلغ داخله إلا بشق النفس.
طالعت الموظفة النتيجة بتأنٍ، وسجّلت بضع ملاحظات وقالت لي:
“مبروك يا أستاذ، لم يبق إلا مقابلة مندوب الشركة المشغلة للسفينة، وتوقيع عقد العمل” .
قلت بلهف؟: متى؟
قالت بغنج:: بعد يومين، ولكن يتوجب عليك دفع مبلغ رمزي؛ قدره خمسة آلاف ليرة؛ لقاء توقيع العقد، مبروك سلفاً.
“يومان؟ لا يستحق الأمر عناء السفر إلى دمشق والعودةمنها”
قلت ذلك في سري، وانطلقت إلى الشاطئ مادام الأمر سيكون ميسراً، لقاء مئتي ليرة لعناصر دورية الشرطة.
مجدداً أنزرع أمام المكتب قبل شروق الشمس، وأحصد من جديد ثمرة إبكاري، فأكون أول الداخلين.
جلست قبالة رجل يتحدث بلغة أجنبية؛ بيننا مترجمة تتلو علي بنود العقد، فأبدي الموافقة على ما أفهم، وما لا افهم أيضاً دون تردد، يقف الرجل فجأة، ويمد يده إلي مصافحاً، بينما تنقل المترجمة مباركته لي بالحصول على الوظيفة.
سألتها، وقد أصبت بما يشبه الغثيان :
متى سنباشر العمل؟
قالت: يوم الأربعاء القادم، سيكون هذا السيد بانتظارك هنا، مع بقية المقبولين وسيصطحبكم إلى الميناء.
أصابني دوار لذيذ، ومشيت رفقة موظف آخر إلى الخارج، وبالكاد أفهم توصياته حول ما ينبغي علي اصطحابه من ثياب وأغراض خاصة، سأحتاجها على متن السفينة.
وقفت بعيداً نسبياً، أتفحص حشد الناس أمام المكتب؛ فأشعر بنشوة الفوز بالوظيفة من بين المئات وأتساءل: ترى من من هؤلاء سيكون زميلاً لي؟ ثم تفقدت ما تبقى لدي من المال مطمئناً رغم قلة المبلغ، فما زالت لدي سلسلة ذهبية مما سرقته من بيت الأسرة وقد آن أوانها.
توجهت إلى صائغ قريب وبعته السلسلة، ثم انطلقت لأتسوق حاجياتي، ومن ثم إلى فندق رخيص لأحجز فيه غرفة، أمضي فيها الأيام المتبقية على هذه اليابسة البغيضة.
في اليوم المنتظر، حرصت على أن أكون أول الواصلين كالعادة، لكنني فوجئت بمئات الأشخاص كانو قد سبقوني إلى هناك، وعندما اقتربت كانت وجوههم كالحة، وكلما اقتربت، كانت ترتفع أصواتهم تردد كلمات غاضبة، تحل على رأسي كالصاعقة:
أين اختفوا، سوف نشتكي، سوف نهدم المبنى!
أين الحكومة تأخذ حقنا؟!
سألت بفزع: ماذا يجري؟ قال أحدهم:
لقد نصبوا علينا جميعاً. وسألت آخر و آخر؛ فيكرر ما قاله الأول، فلا أصدق ما يقولونه.
قلت لأحدهم: لكنني وقعت عقداً
فرد بغضب شديد: انقعه و اشرب ماءه، كلّنا وقعنا عقوداً مثله.
ارتفعت موجة الغضب، وبدأ بعضهم يضرب الأبواب بعنف، وترتفع أصوات آخرين تهديداً ووعيداً.
في تلك اللحظة، وصلت سيارات الشرطة، وترجل منها عناصر مدججين بالعصي والسلاح، فاجتمع الناس حولهم يشرحون لهم ما تعرضوا له من عملية احتيال، لكن العناصر بدأوا بتفريق التجمع بالقوة، مستخدمين عصيهم الغليظة.
كل ذلك، وأنا واقف بصمت لا أصدق ما اراه وأسمعه، حتى نلت ضربة بعصا الشرطي، فاستفقت على هول الكارثة.
مشيت لساعات عاجزاً عن التفكير، وعن قول أي شيء حتى في سري، ثم أفترشت الأرض مستسلماً لدموعي، ثم ليرتفع عويلي ونحيبي دون اكتراث للأشخاص الذين اجتمعوا حولي.
لا أعرف كم مضى من الوقت وأنا على ذات الحال، كل ما أذكره هو تغير وجوه المتجمعين حولي، باستثناء رجل جلس بجانبي طيلة الوقت، يهوّن علي بين الحين والآخر، و يسألني إذا كان يستطيع مساعدتي، وعندما هدأت قليلاً، أمسكني من يدي، وأجبرني على الوقوف، ثم تأبّط ذراعي، ومشينا صامتين، ودخلنا إلى مقهى شعبي قريب.
هناك، قدّم لي كأساً من الشاي، واستمر بتهدئتي حتى نجح بذلك، وعندها سألني عن قصتي؛ فرويتها له منذ واجهت السيل في طفولتي إلى اللحظة التي نحن فيها.
كان يستمع إلي بصبر، وتأثّر واضحين ثم قال لي:
هل ترغب بالعمل معي في صيد السمك؟
نظرت إليه بدهشة، وتشكيك في نفس الوقت، وأومأت برأسي موافقاً دون يقين من صدقه، حتى خلال شرحه لي عن طبيعة العمل كنت ساهماً أفكر في نوع “الخازوق” الذي يعده لي، ولم أصدّقه إلا عندما اصطحبني إلى ميناء الصيادين، حيث يرسو مركبه الصغير الذي يسميه “الفلوكا “، وقال لي: يُمكنك أن تمضي الليلة هنا إلى فجر الغد حيث سنبدأ العمل، وبعد ذلك لكل حادث حديث.
في المركب الوضيع، توسدت حقيبة خيبتي، وغططت في نوم عميق أخوض أحلامي على متن السفينة الضخمة، التي كان من المفترض أن أكون عليها.
فجراً؛ استفقت على ضجيج أربعة رجال من بينهم منقذي، وقبل أن تزول عني آثار النوم؛ بدأت توجه إليّ الأوامر، وأنا أتعثر يمنة ويسرة، وسط ضحكاتهم الساخرة، فكل الأشياء و المعدات، وحتى المصطلحات التي يتداولونها، كانت غريبة عني، حتى إنني لم أجد الوقت لألحظ تحرّك المركب مبتعداً عن البر، ولا الوقت لأتلو صلواتي الخاصة التي دأبت عليها قبل سنوات.
كانت الأمواج هائلة، تتقاذف المركب الصغير، فأرتعد خوفاً ثم أتقيأ وأتقيأ، حتى أظن أن أحشائي ستخرج من فمي، كل ذلك لم يثر لدى الصيادين أي رد فعل، فقد كانوا منشغلين بتبادل اللوم حول اتخاذ قرار الإبحار، رغم علامات الطقس التي تنبئ بالعاصفة.
ومازال الفزع يتصاعد داخلي، حتى قررت الارتماء بحضن البحر، أملاً أن ينقذني، وينهي محنتي، فاكتشفت بعد فوات الأوان، أن هذا البحر الذي اتخذته إلهاً بملء إرادتي، لا يختلف عن بقية الآلهة المزيّفة، من حيث خذلان عابديه.
*الأعمال الفنية، للفنان الياباني ” كاتسوشيكا هوكوساي (1760 ــ 1849) “.
