المنهج السوسيولوجي/ النقد الاجتماعي

يدرس هذا المنهج علاقة العمل الأدبي بالعالم الذي شهد ولادته، وقد ارتبط النقد السوسيولوجي للأدب بعدة فرضيات أهمها :

  •  إن الأدب يماثل المجتمع والثقافة السائدة فيه.
  • إن الأدب وسيلة إعلامية مرتبطة بالرأي العام، من حيث تأثيره في القيم والاتجاهات العامة في سلوك الأفراد والجماعات.
  • الأدب وسيلة للضبط الاجتماعي داخل المجتمع.
  • إن الإبداع الأدبي يمثل حقلاً فكرياً للتفاعل الايديولوجي، للممارسات التطبيقية في المجتمع، فقد اعتبر “جورج لوكاتش”: (إن عملية الإنتاج الأدبية والايديولوجي، هما جزء لا يتجزأ من العملية الاجتماعية العامة)، فإلى أي حد يشكل العالم الدلالي للنص الأدبي واقعة اجتماعية؟

وإلى أي مستوى يمكن للنص الأدبي أن يرتبط بالبنى الاجتماعية اللغوية لعصره، ومجتمعه؟

الأدب باعتباره نظاماً اجتماعياً

تتلاقى الفرضية الأساسية التي قام عليها النقد السوسيولوجي التي حددها “جاك دوبوا”، في التعامل مع الأدب باعتباره نظاماً اجتماعياً، مع نظرية “لوسيان غولدمان” الذي حاول إقامة توازن بين الذاتي والموضوعي في النظر إلى الواقعة الأدبية، حيث يرى أن هناك تجاوباً بين رؤية الأديب، أو فلسفته في الحياة داخل بناء له خصوصيته، من حيث البناء الخيالي لعوالمه وبين الوعي الجماعي، وبهذا الصدد يقول:

(فمعظم أعمال سوسيولوجيا الأدب في الحقيقة تقيم علاقة بين أهم المؤلفات الأدبية والوعي الجماعي لهذه الجماعة الاجتماعية، أوتلك التي ولدت هذه المؤلفات داخلها).

ارتبط مفهوم النقد السوسيولوجي بالرواية دون غيرها، على اعتبارها من أكثر الأجناس الأدبية اهتماماً برصد تحركات الإنسان داخل المجتمع وفي علاقته بأفراده، تُعتبر الشرعية التطبيقية لهذا النقد من حيث أن النسق الأدبي هو بمعنى من المعاني صياغة فنية سوسيولوجية للعلاقات الاجتماعية المتفاعلة، ليست لها علاقة شكلية فقط بالظواهر الاجتماعية، بل تتجاوز هذا المعطى نحو التفاعل مع المضامين المعرفية، فمقاربات “كارل ماركس” تُدرج الإبداع الأدبي في صيرورة المجتمع، مع الأخذ في تفسير هذه العلاقة الجدلية بالصراع الطبقي، والبناء التحتي الاقتصادي، حيث الصلة بين المجتمع والمعرفة، وبالتالي الايديولوجية جِد قوية، مما يعطي للإرث الايديولوجي بُعداً مؤثراً في المعرفة والفن، والثقافة والأدب.

أما مقاربات كل من “جورج زيمل” و”ماكس فيبر”، و“كارل مانهايم”، فقد تنوعت ما بين تصنيفية “جورج زيمل” للعلاقات والعمليات الاجتماعية في المجتمع والعمل الدرامي، و تصنيفية “فيبر” للأنساقية والقيمية في الإبداعات الأدبية إلى أنماط مثالية، أما مدرسة فرانكفورت عبر أعمال “أدورنو”، و”هوركايمر“، و“التر بنيامين”، فقد ساهمت في تطور النقد السوسيولوجي بعد الحرب العالمية الثانية .

 أنتجت المدرسة السوسيولوجية مع روادها “ساكولين” و”رازومينيك”، و“فنجروف” مع الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية المتعددة للأدب، صياغة عدداً من الفروع في علم اجتماع الأدب، مثل علم اجتماع المحتوى، وعلم اجتماع المؤلف والقارئ، وقد اهتم النقد السوسيولوجي في ألمانيا بمجمل الظروف المادية التي تطورت عبرها الأعمال الأدبية ومدى تأثيرها في جمهرة القرّاء، حيث عمل “ليفين شوكنج” على دراسة جمهور القرّاء، وبحث في أذواقهم، أما في فرنسا فقد تطرق “جويو” لقضية القيم التي تقود إلى قضية الفعل في العمل الأدبي، واهتم “غولدمان” بدراسة بناء العمل الأدبي وتجسيده لفكر الجماعة الاجتماعية، بينما أسس “جاك لينهارت” لإنشاء علم اجتماع القراءة، كما أسس “هانس روبرت ياوس” الألماني لمقاربة جديدة هي:

(جمالية التلقي) اكتشف فيها القارئ المجهول والجمهور المستهلك للعمل الأدبي،  فمؤسسا نظرية جمالية التلقي “ياوس، إيزر” لا ينظران في النص الأدبي سوى ” كن هنا “، ويتجاهلان المقومات والآليات الداخلية للنص الذي أنتجه.

في نقد النقد الاجتماعي

يؤخذ على النقد الاجتماعي التصاقه بالفلسفة الاجتماعية أو الشيوعية، والايديولوجيا السائدة عموماً، فعلى سبيل المثال يُمكن الإشارة  إلى واقعية لوكاكس، و إلى البنيوية المورّثية / الجينية لغولدمان في الفلسفة وعلم الاجتماع الأدبي، وعلم الاجتماع الروائي، كما يُمكن الإلماح إلى شخصانية أو وجودية ( فالاردو)، إضافة إلى أصحاب  المنهج الأخلاقي / الفلسفي الذي ينظر أصحابه إلى الأدب بوصفه موجّهاً أخلاقياً ومحققاً لمسائل فلسفية، فعلى الآثار الأدبية / الفنية أن تحمل جدّيةً عليا، و على الأدب أن يُظهر نُصحاً أخلاقياً أو حكمةً أخلاقية ، وأن يذهب مذهب المنفعة وتحقيق الخير الأعظم ( أفلاطون )، كما على الأدب أن يكون ممتعاً مثقّفاً منوِّراً،وقد تكون هذه المقاربة نافعة في بعض الروايات حيث يتصادم الخير والشر، إلا أنها مقاربة لا تنظر إلى الأدب بوصفه “فناً” معزولاً عن التضمينات الأخلاقية، وإنّما تعترف بالأدب مؤثراً في القارئ أو السامع، سواء باللطف أو بالمباشرة، وإن رسالته، وليس “الجمالية” الحاملة لهذه الرسالة، هي الأهم.

*د.خولة حسن الحديد، من محاضر في اتحاد الكتاب والأدباء العرب / بتصرف / ، أبوظبي، 2014م.

Leave A Comment