
يقول ميشيل فوكو:” المعرفة تحمي وجود الفرد وتؤمّن إدراك العالم الخارجي”، ويُضيف تأكيداً: “المعرفة هي وسيلة للبقاء عن طريق الإدراك”.1
المعرفة التي يتحدث عنها “فوكو” ويربطها بشكل وثيق ب”الإدراك” هي المعرفة المتأتية عن العلم والخبرة، والممارسة التي أثبتت دقتها وصوابيتها من خلال اختبارها وتطبيقها، وإذا كان الإدراك هو معرفة العالم الخارجي عن طريق الحواس، فإن العقل الذي يعالج هذه المعرفة ويعيد إنتاجها، هو ما يسمح لهذه المعرفة أن تساعد الإنسان على البقاء.
اليوم في مواجهة وباء كورونا، وفي ظل تعرض الملايين من سكان العالم للحجر الصحي، باتت شبكة الانترنت ووسائل الإعلام المصدر الأساسي للناس المتعطشة لأي معلومات حول الوباء في بحثها عن أملٍ ما، ومن المؤسف أن نجد أنه حتى في ظل كارثة إنسانية كهذه، يسعى كثيرون للاستثمار في خوف الناس وقلقهم من أجل حب الظهور وإثبات أنفسهم كونهم يعتقدون أنهم أحد أقطاب المعرفة والفنون في هذا العالم، فتدفقت المعلومات من الجميع: كتّاب وأدباء، إعلاميون، فنانون، ناشطو المجتمع المدني، وحتى عارضات الأزياء وأرباب الموضة.

هذا التدفق الهائل من المعلومات للأسف أحدث بلبلة هائلة، عبر نشر الغالبية من المذكورين معلومات لا تندرج في إطار تخصصاتهم، ومن المؤسف أن ينشر بعضهم معلومات طبية ويصدرون للناس لوائح وقائية، وأحياناً وصفات علاجية شعبية تقليدية كانت أو دوائية مخبرية، وبالتوازي أيضاً نُشرت معلومات لا حصر لها في تفسير أسباب وجود الفايروس وانتشاره وتحوله إلى وباء، وبهذا الإطار انتعشت القصص الدينية والحديث عن نهاية العالم وعن نبوءات دينية في كل الأديان تقريباً، كما انتعشت نظريات المؤامرة التي تروج إلى أن الفايروس قد تم تصنيعه في مخابر دول ما، في ظل الصراعات السياسية والاقتصادية القائمة بينها.
لقد فتحت تلك التفسيرات غير العلمية الأبواب على مصراعيها أمام مواجهات للفايروس خلبية وغير مجدية، وحتماً تؤدي لكوارث مجتمعية، فالدينيون دعوا الناس لعدم الخوف والتوجه للدعاء وأصر بعضهم على تجمع الناس في دور العبادة من كنائس وكنس ومساجد وحسينيات ومدارس دينية..الخ، مما تسبب بزيادة انتشار الوباء وتحوله إلى كارثة في بعض الدول كما في إيران مثلاً، وأصحاب نظرية المؤامرة أيضاً دعوا الناس لعدم التخوف وعدم الانصياع لدعوات الحجر الصحي وممارسة حياتهم الطبيعية، مما يُصعب من مهمة السيطرة على انتشار الوباء.

في هذه الأزمة الإنسانية نحن أمام حقيقة بدأت تتجلى بوضوح هي انتشار كبير لما يُسمى ب”وهم المعرفة”، ذلك الوهم الذي يعيشه بعض الناس لكونهم في موقع معين أو يمتلكون معرفة ما، فيُهيء لهم أنهم يمسكون بكل نواصي المعرفة، ويُمكن أن يكون لهم رأي صائب في كل شيء، حتى بالمعرفة الطبية المتخصصة في أدق وجوهها، كما أننا في حرب حقيقية مع الجهل المرتكز على مقولات رجالات الدين، والذي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الشائعات حول الخطط العلاجية وسبل المواجهة من جهة، والنخب النرجسية التي تسيطر على عقولها نظريات المؤامرة والايديولوجيا من جهة أخرى، هذه الحرب التي مررت ما بات يُسمى ب” الوباء المعلوماتي”infodemic الذي بات موازياً لوباء الكورونا، مما حدا بكثير من منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث العالمية، بوضع ضوابط شديدة على نشر وتداول الكثير من المعلومات حول الوباء، وحذف آلاف المنشورات والمقالات والبحوث المٌضللة، ومع ذلك لم تستطيع كل هذه الإجراءات السيطرة على تدفق المعلومات الخاطئة .
كيف نواجه هذا الوباء المعلوماتي؟ و كيف نحد من وهم المعرفة، وكيف نوقف هذا المد المعرفي المضلل؟ هنا يكمن التحدي أيضاً، وهنا يأتي دور التنويرين من أفراد كل مجتمع، وهذا ما سيتم تناوله في المقال اللاحق.
- وباء كورونا …الوباء المعلوماتي، هو تحدي المعرفة العقلانية والعلم، أمام الجهل والايديولوجيات بمختلف أشكالها.
- المصادر:
- 1- ميشيل فوكو: السلطة والصراع، المحطة https://elmahatta.com/ مارس/آذار 2020م.
- وكالات عالمية / رصد عام
