الكاتب زيدون “زياد” الجندي

أبو البنات؛ أبو البنات..  نادت سمية زوجها، فرد كعادته يا بنت الـ”..”  لأضرنك بضرة تنجب لي عريساً.

  كانت الزوجة لا تمل من معاكسة زوجها بهذه الطريقة، وهو لا ينزعج أبداً، بل يساهم هو نفسه بالسخرية من الأمر.

 روح الدعابة التي كان يمتلكها انتقلت إلى بناته الثلاث وراثياً، وإلى زوجته بالعِشرة، فتجاوزت الموروث في التعامل  ما بين الأزواج في بيئتها.

كانت الزوجة تعتبر نفسها محظوظة، إذ كانت من نصيب محمود ذو الوجه البشوش، والذي لا يزال ولداً في عمر الأربعين. 

كانت تعامله كطفل صغير، وهو سعيد أيما سعادة بذلك، ويكتفي أن تتظاهر العائلة بالوقار، والمحافظة المفرطين في الشارع، أو أمام الغرباء في تلك البيئة المحافظة شديدة التقيد بالعادات التي يمقتها في قرارة نفسه، ولا يمانع من أن يعيشوا البهجة و”رفع الكلفة”، بل وحتى الهزلية داخل جدران المنزل.  

ردت الزوجة : ضرة يا محمود!

على رأي المثل “حملوه عنزة.. “

فتعالت الضحكات.

قام من مكانه و سأل بكثير من العاطفة الوقار: ماذا تريد الحبيبة؟ 

قالت الزوجة: خبزاً.

قال: فقط؟

قالت نعم فقط.

وعندما هم بالخروج، قالت أمل ابنته الكبرى: و لحم وكبد خروف.

نظر إليها باستغراب، وقال ساخراً ملمحاً لوزنها الزائد: أينقصك بعد؟!

وارتفع صوت الجميع بالضحك من جديد. 

عند باب البيت، وقبل أن يخرج إلى الشارع، وقف محمود للحظة؛ أصلح هندامه ومسد شاربيه بعناية، وارتدى قناع الجدية، ثم غادر البيت مبتدئاً رحلة تأمين الخبز الشاقة، إنها الرحلة التي يستعد لها الرجال، ويشحذون همتهم جيداً قبل الشروع بها، فظروف الحصار جعلت من تأمين الطعام أمراً يحتاج إلى كثير من التدبير والصلابة و الصبر، فما بالك و قد طلب منه أحد أبهظ المواد ثمناً؟ لكنه لم يعتد أن يتخلف عن تأمين ما تطلبنه “الأميرات” -كما تحلو له تسميتهن – مهما كلف الأمر.

كل تلك الصعوبات لم تنل من حس الفكاهة لديه، فقد كان حين يعود حاملاً الخبز، وباقي الحاجيات يدخل البيت دخول الفاتحين، فليقي بالأشياء على الأرض بزهو، ويقص على أميراته كيف تمكن من الحصول على ما يريد، مضيفاً للحقيقة الكثير من البطولات المختلقة والطريفة التي قام بها، لأجل الحصول على ما يريد لإضفاء جو من المرح في البيت. 

تلك البطولات التي كانت تقابل بزغاريد ساخرة من زوجته وبناته، لإفهامه أنهن لم يصدقنه، فيشتمهن ويهدد زوجته بضرة تقدر معاناته؛ وكل ذلك كان في سبيل الدعابة لا أكثر. 

كل ما كن يفعلنه أميراته، كان يعطيه القدرة على الصبر، ضحكاتهن؛ سخريتهن؛ وحتى نكاتهن اللاذعة حوله، لكن أكثر ما كان يشحنه بالسعادة هي تلك الزغاريد الحقيقية التي كن يطلقنها عند عودته من الجبهة سالماً، بعد المشاركة في صد هجوم لميلشيات السلطة، فيعانقهن ويطمئنهن قائلاً: بات الأمر وشيكاً.. سينتهي سينتهي..

معركة تحرير العاصمة لم تعد ببعيدة.

عاد محمود حاملاً الخبز واللحم، بعد معاناة للحصول عليه، و دخل كعادته دخول الأبطال، لكنه هذه المرة لم يرو شيئًا عن بطولاته، فقد كان لعابه يملأ فمه شوقاً لطبخة يطيبها اللحم على قلة كميته، وقد لاحظ على وجوه الأميرات كلاماً لم يردن البوح به، كما لاحظ أن ثمة أمر يتهامسن حوله، ولا يتوقفن عن الدخول إلى المطبخ والخروج منه أثناء إعداد الزوجة الطعام، لكنه تجاهل الأمر.

على سفرة الغداء، لاحظ أن زوجته لم تضف اللحم إلى البرغل، بل أعدته مع البصل في صحن صغير فلم يعلق، ألقمت الزوجة زوجها و بناتها بلقمة لكل منهم، وأتت على باقي الصحن بمفردها، وسط تشجيع البنات واستغراب الزوج، الذي كان يرجوها أن تلقمه لقمة أخرى، فتعترض الفتيات عليه، ويمنعن الأم من إطعامه، فشتمهن واكتفى بأكل البرغل مع اللبن.

عند المساء استلقى في سريره مع زوجته، كان الوقت لا يزال باكراً للنوم، لكن في غياب الكهرباء لم يكن لدى سكان الغوطة ما يفعلونه، عندما يحل المساء إلا النوم.

كان وجه الزوجة يشع أكثر مما تشع الوجوه عادةً في ضوء شمعة خافت، مما أضفى عليه جمالاً فوق جماله، كل ذلك أثار شهية الزوج لزوجته، فمسّد على رأسها وقبلها، لكن الزوجة تمنعت فظن أنه الغنج، ثم فاجأته بهمسة في أذنه: أنا حامل يا محمود.

قفز الرجل من السرير فرحاً، وبدأ يرقص  كالمجنون،  وعاد ليسألها: أمتأكدة!

قالت بثقة: طبعاً، فسجد شاكراً، وأجهد نفسه في حبس دموع الفرح.

لقد رغب بإنجاب طفل آملاً يكون سنداً لشقيقاته، وقد حاولا ذلك منذ أن بلغت بنتهما الصغرى العامين، و استمرت محاولاتهما لعامين كاملين، لكن دون جدوى، وقد راجعا العديد من الأطباء المختصين، فأكدوا سلامته وسلامة زوجته، إلا أنهم عزوا  أن يكون  الفشل في الحمل عائد لصدمة ما تلقاها أحد الشريكين، و رجّحوا أن يكون هو المصاب بها أثناء اعتقاله في أحد فروع الأمن لمدة ستة أشهر.

فهم أخيراً لماذا أصرت بناته على تمييز أمهن باللحم، فزاد ذلك فرحه فرحاً.

عاد إلى السرير بهدوء، وحملق بالسقف، والابتسامة لا تفارق وجهه، فباغتته زوجته بسؤال: ماذا لو كان الجنين أنثى؟

قالت ذلك، وندمت خشية أن تفسد عليه فرحته، لكن ابتسامته لم تتغير، وقال: يكون قد  أصبح لدينا  أربع  أميرات جميلات، إضافة للملكة العظيمة..  وطبع قبلة على خدها، وتظاهر بالاستسلام  للنوم، وبدأ يعد الخطة لتأمين الغذاء المناسب كل يوم  لزوجته الحامل.

 المرة الأولى  التي غابت الضحكة عن وجه محمود فيها، كانت عندما عاد ذات يوم خالي الوفاض؛ إذ لم يتمكن من تأمين الخبز، فوجد زوجته قد أعدت حساء العدس مع الخبز المحمص، فتفاجأ عندما شاهد أكياساً من الخبز اليابس، كانت قد ادّخرتها على مدى عام من اشتداد الحصار، فعانقها بحرارة، متجاهلاً وجود الفتيات، وبكى لفرط سعادته واجلاله لحسن صنيعها.

كان ذلك اليوم نقطة تحول في حياة الأسرة السعيدة، إذ لم تعد نكات محمود ورواياته، و وعوده بقرب المعركة الكبرى  تثير هرج  البنات وأمهن، وقد خفتت ضحكاتهن، واقتصرت على السخرية المرّة، مع اشتداد الحصار الخانق، فالبطون الخاوية تأخذ معظم تفكيرهن. 

لم يشأ محمود أن يشتكي سوء الوضع أمام أحد من معارفه أو جيرانه؛ سواء أولئك الذين كانوا يحسدونه على أسلوب حياته في بيته، أو الذين كانوا ينتقدونه ويطلقون عليه  ألقاب مختلفة أقلها “الطرطور “، واستمر بالصبر الصامت إلى أن أبلغته زوجته أن علبة حليب طفلهما “العريس” قد فرغت تماماً، فخرج من البيت غاضباً قاصداً الشيخ بكري؛ معتمداً القول المأثور: “عجبت لمن يصبح فلا يجد قوته و قوت عياله كيف لا يخرج للناس شاهراً سيفه”، وعندما بلغ بيت  الشيخ بكري، التقاه وقد هم بمغادرة بيته، فاستوقفه يشكو له سوء الحال طالباً المساعدة، فقدم له الشيخ مساعدة لم يتوقعها… كانت عبارة عن عظة قصيرة تتضمن أحاديث عن محاسن الصبر، و جزاء الصابرين عند الله،  قبل أن يستأذنه بالانصراف لحضور حفل زفاف أحد شرعيي المنطقة.

توقّف محمود عن النفور للقتال، رغم حاجته لما يتقاضاه من الفصيل  الذي  يقاتل تحت لوائه، فهو لم يعد قادراً على السكوت عن ما يراه من ممارسات وسرقات، الأمر الذي قد يكلفه حياته فيما لو اعترض، وسيكلفه حياته غماً وكمداً فيما لو سكت، واكتفى بما يقتنصه من غذاء له ولعائلته على ندرته، حتى نحلت أمل البدينة، وبرزت عظام قفص الطفل الصدري.

ذات مساء، أخبرته  زوجته ببرود أن شاباً طلب يد أمل للزواج، فبرقت عيناه بسعادة افتقدها طويلاً، وهو يسأل:  من يكون؟

فردت: إنه قريب جارتنا فلانة وهو يسكن العاصمة.

 رد باستغراب: العاصمة !! وكيف تصل إليه؟ هذا إذا وضعنا جانباً فكرة أن يغادر أياً منا إلى مناطق سيطرة الأوباش!

فردت الزوجة بحزم: مناطق سيطرة الأوباش يوجد فيها طعام و شراب..  طعام و شراب يا محمود..

ثم أن الرجل تعهّد بتدبر أمر خروجها إليه، كما وعد بتدبر خروجنا جميعاً من هذه المحنة.

قال وقد اتسعت عيناه لأقصاها: خروجنا؟!

فزأرت زوجته كما لم تفعل من قبل:

نعم خروجنا معاً، أو حتى خروجنا بدونك.

أطرق محمود طويلاً، وتأوّه بعجز وقال  بانكسار دون أن يسأل ابنته عن رأيها: حسناً افعلي ما ترينه مناسباً.

ثم دخل غرفته وبكى طويلاً، يلوك أسئلته عن تفاصيل كثيرة يرغب أي أب بمعرفتها عن صهره المستقبلي.

 لقد كان يجلد نفسه بالاعتراف بعجزه عن تأمين أسباب البقاء لأسرته، فيتتازل عن حقه في معرفة مما يجب أن يعرف، خشية أن يجبره أمر ما على الحيلولة دون ما باتوا يرونه خلاصاً.

بعد شهرين، تلقى محمود  مكالمة من صهره يطلب منه فيها الاستعداد لمغادرة الغوطة، ويوجهه لما يتوجب عليه فعله، وعن الخطوات التي يجب اتباعها لإنجاز الأمر.

التقى صهره لأول مرة عند وصولهم إلى أول حاجز لميليشيات السلطة، فسقط فاقداً وعيه، عندما وجده يرتدي بزة عسكرية وعلى كتفيه نجمة، وكاد يفقد عقله عندما استعاد وعيه، فوجد نفسه في معسكر لتدريب المقاتلين في جيش الوفاء.

جيش الوفاء لمن؟! جيش الوفاء للمجرم الذي حاربه لست سنوات.. 

الوفاء للمجرم الذي تحمّل ما لا يطيق مخلوق أن يتحمله، في سبيل اسقاط حكمه!

كانت المرة الأولى التي شعر فيها كم كانوا محظوظين أولئك الذين أنقذهم الموت.

بضعة أيام قضاها في التدريب، قبل أن يُساق إلى أولى معاركه ضد رفاق الأمس القريب.

أثار دهشة الجميع وهو يركض ويقفز برشاقة، ليس من المنطقي أن يتمتع بها من قارب الخمسين من عمره، مطلقاً الرصاص في كل اتجاه، حتى سنحت له الفرصة، فانطلق كالسهم تجاه الرفاق الذين أمطروه بوابل من الرصاص، نجا منه باعجوبة ووصل إليهم، فسجد شاكراً أنه نجح بالفرار من صفوف ميليشيات السلطة.

لقد رأى في وجوههم الخلاص من الذل والعار الذي لحق به، بينما رأوا فيه انتصاراً يستحق أن يُوثّق، ويُبث في شريط مصوّر، بعد انحباس الانتصارات عنهم زمناً طويلاً.

نقله الرفاق على عجل إلى مكان آمن، وتزامن وصولهم مع  وصول إعلامي الفصيل حاملاً كاميرته باهظة الثمن، و بدأ للفور تصوير مشهد ذبحه مترافقاً مع تكبيرات النصر.

*زيدون الجندي.

*الأعمال الفنية، للفنان النرويجي إدوارد مونش/ مونك.

Leave A Comment