
في إحدى مقولاته الصوفية يذهب المفكر “محي الدين بن عربي” إلى أن العالم كتاب تكويني مماثل للكتاب التنزيلي، كلاهما يتضمن رسالة من الله، ولكن في حين نعرف أبجدية الثاني، فإننا لا نعرف أبجدية الأول، وقد نعرفها ذات يوم.
الكاتب الأرجنتيني “خورخي لويس بورخيس” ذهب إلى هذه الفكرة، العالم كتاب كبير، كل ظاهرة مادية أو عقلية فيه ذات معنى، كتاب مكتوب بحروف لم نتوصل بعد إلى حل رموز شفرتها، لكنَّ جميع ما في العالم من أحداث وتواريخ وأشياء، هي حروف أبجدية كتاب العالم.

الرؤية المثالية بين العالم والكتاب
عندما يُماهي بورخيس بين الكتاب والعالم فإنه ينطلق من فلسفة خاصة لها جذورها وامتداداتها عند الفيلسوف الإيرلندي ( جورج بيركلي 1648 – 1753) تظهر “المثالية” في هذه الفلسفة كرؤية للعالم، إذ يتحول كل شيء إلى إدراك، فالشيء هو المُدرك، وما يختفي عن الإدراك هو احتمال ونفي وافتراض، فالشيء لا يكون هناك إلا بقدر ما تسقط عليه حواسي، وهكذا فإن بيركلي ينفي العالم لتتسع ذاته، أو ليحوله إلى لغة رمزية يتحدث بها كائن مطلق، تلك اللغة الرمزية هي التي تتضمن حروف أبجدية العالم التي لم يستطع أحدٌ قط حل شفرتها، لأن هذا الكتاب (العالم) لا نهائي وطبقاته متناسلة، وما بين ثناياها يوجد اللغز الحقيقي، وكي لا يصل إليه أحد كان ينبغي تضييعه.
رؤية “بيركلي” تلك، يتمثّلها “بورخيس”، وهذا ما أشار إليه في قصته (كتاب الرمل)، الذي ظهر فيها كتاباً لا متناهياً في بدايته ولا متناهياً في نهايته، معرفة بشرية ممتدة، كتاب متغير الرسوم والعلامات، أرقام صفحاته غير ثابتة، لأنها عبارة عن كثبان من الأوراق، طبقات متناسلة من المعرفة الغريبة، إن هذا الكتاب هو مجموع من الكتب في كتاب واحد مفتوح على المطلق، تبعث الرعب بما تتضمنه من لا نهائية المعرفة الإنسانية، لذا كان ينبغي أن يختفي، ومثلما ليس للرمل بداية أو نهاية كذلك هو الكتاب.

ما هو مفهوم “الكتاب”؟
في تعريفه الخاص للكتاب يقول “بورخيس”: (إنه توسيع للخيال والذاكرة البحث عن الحقائق المجردة بواسطة الكلمات).
من هذا التعريف تغدو الكتابة ضرورة ذهنية، بل وحياة ذهنية فوق الحياة، إنها بحاجة إلى نسق فكري خاص يدمر الوعي بالأشياء الصغيرة للحياة اليومية، ويبقى متوقداً على صعيد وعي الحقائق المطلق، وبذلك تغدو حقائق الوجود بكل أبعاده، تبحث عن تفسير فلسفي أو ميتافيزيقي يتموضع داخل النص، الكلمات، الكتب، كفضاء رحب لا يمكن استنفاذ جاذبيته وعمقه على الإطلاق.
وفقاً للرؤية البورخيسية التي تقترن بالرؤية المثالية للعالم، يصبح الكتاب فضاءاً آخر غير مرئي مباشرة، وهو فضاء ممتد نحو مسافات مفتوحة تبلغ في اتساعها حدود اختلاط الرؤية وضبابيتها، ولكنَّ هذا الامتداد واحة تستطيع التطلعات فيها أن ترسم أشكالها المثالية الحرة، فهو يمثل مجرة تجمع كل الأمكنة والأزمنة، وتختصر الأقاليم التي لا تنتهي، مشكلاً إطاراً هرمونياً للرموز الفلسفية التي تقف وراءه، في الوقت الذي يمنح فيه إمكانية استشراف مكاناً لا مرئياً في الذاكرة.
الكون مكتبة لا نهائية
كما الكتاب لا نهائياً، فإن مكتبة بورخيس أيضاً لا نهائية، وهي تضم مؤلفات غريبة، وكتب غامضة، تتطابق مع وصفها الهندسي الذي منحها إياه في قصته (مكتبة بابل)، فالكون ليس سوى مكتبة، تتألف من عدد غير معروف، وقد يكون لا نهائياً من القاعات المسدّسة الشكل تتوسطها آبار واسعة للتهوية، تحدها أسيجة منخفضة للغاية، ومن أية قاعة المكتبة فيها خلود الكون، فهي موجودة أبداً، وليس بوسع عقل منصف أن يرتاب في هذه الحقيقة التي تعنى مستقبلاً خلود العالم، والإنسان مجرد أمين مكتبة يفتقر إلى الكمال وليس بوسعه الخلود.

قانون المكتبة وقانون العالم
مثلما يتضمن العالم في وحدته تنوعاً لا نهائياً، فإن القانون الأساسي للمكتبة يتماثل مع هذا العالم، إذ أن جميع كتبها تتكون من عناصر موحدة (المسافة، النقطة، الفاصلة، حروف الهجاء)، ومع ذلك ليس في المكتبة الشاسعة كتابان متطابقان، وفي رفوفها تسجل كافة التراكيب الممكنة لرموز الكتابة، وهي تشتمل على كافة الكتب، وليس هناك مشكلة شخصية أو عالمية إلا ولها حل بليغ داخلها، وأي إنقاص لها من قبل إنسان يظل متناهياً في الصغر، كما أن كل مجلد فيها متفرد ولا يعوض، وإذا كان النوع الإنساني في حالة الزوال، فإن المكتبة ستبقى مضيئة، وحيدة، اللانهائية ساكنة تماماً، مزودة بكتب نفيسة، غير نافعة، لا تفسد سرية ما ..

ولكن ماذا لو كان العالم نفسه فانياً؟
إن بورخيس لا يركن إلى الحقائق المطلقة، لذلك كان الشك واللايقين أداته الفنية والمعرفية، لاكتشاف كينونة الوجود، ولأمله الكبير بخلود المكتبة يرى الجنة على شكل مكتبة، فإذا كان العالم فانٍ فلاشك أن الجنة خالدة، وبهذا الصدد يتماهى مع “أبي العلاء المعري” في (رسالة الغفران)، عندما صوّر الجنة على أنها نادي أدبي فيقول:
خلال عتمتي أتكتشّف ببطء
نصف النور الأجوف بعصاي المترددة
أنا الذي تخيلت الجنة
من نوع المكتبة

في قصة (السور والكتب)، يتحدث “بورخيس” عما سمعه عن الإمبراطور الصيني الأول “شي هوانج تي” الذي أمر ببناء سور الصين العظيم (اللامتناهي)، وأمر بحرق الكتب السابقة عليه زمنياً، ويحلل هذا الفعل انطلاقاً من نظرية “خلود المكتبة والكتاب”، فيصل إلى نتيجة مفادها:
إن الإمبراطور أراد أن يعزل ذاكرة الماضي، والتأكيد على بداية التاريخ معه، أراد أن يتسعيد خلق بداية للزمان، ويدعو نفسه (الأول)، وقد يكون “شي هوانج” بنى السور لأنه يعلم أنه فانٍ، وأحرق الكتب لأنها مقدّسة، كانت تُعلم الكون كله، أو أنها وعي كل معلم، وعملية إحراقها تلغي عالماً كاملاً وتبدأ بعالم جديد، ولعل هذا التفسير يحيلنا إلى فعل “هولاكو”، عندما أحرق مكتبات بغداد، وأغرق كتبها في نهر دجلة، ويوصلنا إلى حرائق “شارع المتنبي” الحديثة العهد، لندرك كم من عوالم ألغيت، وكم من أكوان دمرت.
ولكن سنبقى نردد مع الشاعر الإنجليزي “وليم بتلر يتيس”:
الكتاب واللوحة
يظلان حقل عشب أخضر
معرضاً للريح والتريض
الآن تغيب قوة الجسد
ويمسي لدى انتصاف الليل منزلا
قديما لا يتحرك فيه غير فأر
افتتاني هادئ
لا الخيال السائب
هنا عند نهاية الحياة
ولا طاحونة الذهن
وهي تستهلك أسمالها وعظامها،
تستطيع أن تجلي الحقيقة
ترجمة قصيدة ييتس: حسن حلمي.
*خورخي لويس بورخيس، شاعر وكاتب أرجنتيني ( 1899 -1986م)، أثّر بشكل كبير في مسيرة أدب أمريكا اللاتينية والأدب العالمي عموماً، أهم ما يميز بورخيس ثقافته الموسوعية، وتعدد اللغات التي يتقنها، وقد ناضل في بلاده ضد الحكم الفاشي، وعاقبته بهدف إهانته السلطات بتعيينه مراقباً في سوق الخضار ببوينس آيرس، وأهم ملمحين في حياته كانا تعيينه مديراً لدار الكتب الوطنية في بوينس آيرس بعد سقوط الديكتاتورية، وضعف بصره وهو لم يكمل بعد الأربعين من عمره، وفقدانه تماماً قبل أن يصل إلى سن السبعين، له 14 عملاً شعرياً، و10 مجموعات قصصية، و12 دراسة أدبية، وعدد كبير من المقالات، وله أعمال مشتركة تزيد على عشرين مجلداً شاركه فيها كل من (أدولفو بيوي كارساس)، و(بيتنا إدلبرج)، و(مرجريتا جريرو)، و(دليا إنخينيروس)، و(ماريا إسترباثكيث)، و(سلفيا بالنكه)، و(بدرو إنريكث أورنيا)، وقد تأثر بشكل كبير بالثقافة العربية والتراث العربي والإسلامي، وخاصة كتاب “ألف ليلة وليلة”، ومؤلفات المتصوفة وتراثهم الغني، وكانت معارفه العربية تلك مصدراً أساسياً للعديد من أعماله الأدبية التي تُرجمت إلى كل لغات العالم تقريباً، مما منحه دوراً مهماً في نشر الثقافة العربية والإسلامية في مختلف أنحاء العالم. **(المصدر: خورخي لويس، بورخيس: الألف، ترجمة: محمد أبوالعطا، دار شرقيات، القاهرة، 1998، ص 223 – 227).
بقلم: د.خولة حسن الحديد
*نُشر هذا الموضوع منذ سنوات مضت ( 2008 م) في صحيفة الاتحاد الإماراتية.

كتير كتير عميق المقال د خولة
يسلم هالأنامل اللي سطرت هالسطور بالأفكار والكلمات المتطوقة من وحي الوعي الباطني الحقيقي العاري من كل القشور والزيف
شكرا مايا لمتابعتك واهتمامك. الحقيقة عن بورخيس ورؤيته للعالم لا يمكن الكتابة بشكل سطحي . ويسرني أنه نال إعجابك
بتمنى تغني العقول من كتاباتك عن نفسك وعن صديقك الكاتب بورخيس لانه كنز جدا مهم في فهم الكودات وفكها
شكرا د خولة
شكرا لمتابعتك الدائمة. وسننشر لاحقا مقتطفات من أعمال بورخيس ومما كُتب عنه. تحياتي
مقال مهم ، وقراءة ملخصة مفيدة للشاعر والكاتب والفيلسوف الأرجنتيني الكوزموبوليتي ، قراءة بانورامية ممتعة بقدر ماهي مضيئة ومفيدة، شكرا دكتورة خولة حسن حديد
ننتظر مساهماتك القيّمة أستاذة مُزن، ولاشك أن أديبة مثل حضرتك تقدر قيمة “بورخيس” الأدبية والمعرفية، والموضوع هذا عبارة عن نقطة ضوء في سماء شاسعة غمرها “بورخيس” بإبداعه المُنير.