العولمة، مرحلة التحول الكوني المعاصر، إنها مفردة دخلت في القاموس السياسي الحديث دون أن يتحدد التعريف النهائي لها، ولكن البحوث والدراسات المتزايدة حول تجلياتها في العلاقات الدولية، وفي صور التداخل الاقتصادي والعسكري، والثقافي والسياسي، قـدمت طائفة التوصيفات، وتقرّبت من حصيلة التطور الانتقالي للعصر الحالي.

في مفهوم العولمة

قد لا يمكننا إحصاء المجلدات التي كتبت في العولمة، لذلك كغيرها من المفاهيم المعاصرة قد يصعب تحديدها إجرائياً، ولكن يُمكن استناداً إلى المصادر العربية والأجنبية الخروج بالتعريف التالي:

العولمة منظمومة اقتصادية قادرة على اختراق الزمان والمكان، عن طريق ربط الأسواق العالمية كلها مع مراكز إنتاج فائض السلعة، في شبكة واحدة يتحكم بإدارتها مركز واحد بطريقة السيطرة والتحكم ( كونترول ) وفق منهج المركزه والتطريف، إضافة إلى ذلك هي جملة قيم وبنى ايديولوجيه تكرّس مفاهيم الدمج والاختراق وفق منظومة ثقافية متداخلة تأثراً وتأثيراً بتلك المنظومة الاقتصادية ، وتسخرها وتتضافر معها، بهدف الهيمنة المطلقة، ووفقاً لايديولوجيتها السائدة تستدعي موت الهويات المحلية القومية والدينية، ومساواة كل التنوعات السكانية في العالم وبناها المجتمعية في كتلة ديمغرافيه لا تحتمل أي انتماء، وهذا ما يُشكل الصيرورة التلقائية لشيخوخة الجنس البشري  “فوكوياما”، أو شيخوخة الموروث الثقافي “توفلر”، تحت تأثير اجتياح “الموجه الثالثة”، الثورة المعلوماتيه التى تؤدي بالضرورة حسب التوفلرية إلى موت الثقافات الإنسانية، وفق مشروع صراع الحضارات الذي بشّر به “هنتنغتون”.

عوامل عولمة العالم

منذ طرح الليبرالي الأمريكي “فرانسيس فوكوياما” الياباني الأصل، أفكاره في كتاب ( نهاية تاريخ ) عام 1989م، وطرح” صموئيل هنتنغتون” أفكاره بشأن الحضارات، وردّ أهمية حسم الصراع للانتماءات الدينية والثقافية، والعالم يسير بحتمية نجاح النظام الاجتماعي/ الاقتصادي الليبرالي، وتفوقه على كل النظم الأخرى العالمية، وأصبحت مفاهيم الغزو الثقافي والاختراق الثقافي تضمحل، أمام مفهوم ما زال يطرح منذ بداية التسعينات، هو “العولمة” كايدولوجيه اقتصادية ثقافية اجتماعية ، فما هي حوافز حضور العولمة وعوامل هذا الحضور وعناصره .

لعل أكبر العوامل التى برزت في خضم السنين الأخيرة من نهاية القرن العشرين، ومهدت لظهوره العولمة هي :

  • تطورات سياسية تشير إلى وحدانية الرأي السياسي العالمي المهيمن، حتى على القرار السياسي المحلي أو الإقليمي لبعض الدول، وقد بدأ يتغير الأمر في العقد الأخير باتجاه عودة الاستقطابات العالمية والتي لم تخرج أيضاً عن مركزية الصراع الذي تتحكم فيه قوى فاعلة محددة بعينها، مدعومة بالقوة الاقتصادية والعسكرية ( أمريكا، روسيا، الصين).
  • التطورات الاقتصادية التى تؤكّد منفعية ربح يقود سلطة واحدة، هي في نهاية المطاف سلطة عالمية، أو ضمن نطاق فعل العولمة الاقتصادية .
  • الصراعات التعبيريه التى تؤكّد الميل نحو هيمنة لغوية موحدة، وخاصة لتبعيتها لسلطة اقتصادية وسياسية واحدة، مع كل ما يمكن أن ينتج عن هذه الهيمنة اللغوية من سير في مجالات التوحيد المفاهيمي والقيمي لكثير من أمور العيش .
  • تراجع الفاعلية التأثيرية للثقافات الصغيرة والمحلية، تجاه ما يمكن اعتباره ولو من باب الاصطلاح ب”التشكل الوحداني” لقيم العيش الإنساني المعاصر ومفاهيمه .
  • الفاعلية المذهلة لوسائل الاتصال العالمي، عبر تحقيق سرعة التوصيل ودقته، وتجاوز الموجة الثالثة نحو ما يُسمى ب” الجيل الرابع أو الموجة الرابعة” من الثورة المعلوماتية.
  • الحاجة المتنامية – بسبب التبعيات العلمية والسياسية والمصلحية والاقتصادية – إلى مزيد من عوامل اللغة المشتركة وعناصرها.

العرب والعولمة

في مواجهة العولمة كأمر واقع، ومنذ ظهورها والعرب في حالة من الصدمة والدهشه حيناً، والخوف وحالة الدفاع عن النفس، وعن الهوية الثقافية للأمة العربية حيناً آخر، ويُمكن بهذا السياق طرح مثال واحد فقط يرتبط ب”اللغة” فوفقاً للعوامل السابقة الذكر، نلاحظ أن اللغة أصبحت مجالاً فاعلاً على مستوى نص الوجود الإنساني عامة ، كما تصبح – بتأثير الحاجة الملحة إلى توليد أو تفعيل قيم خاصة بها وناتجة عنها، متعلقة بنصوص الوجود المعرفي للإنسان المعاصر ببعديه الموضوعي والذاتي ، وعبر جوانبه التوصيليه والتأثيرية – فعلاً يحاصر هذا الوجود ولا يتيح له التحقق الانتشاري إلا من خلاله، وهكذا تولد الثقافة من رحم العولمة، بل هكذا أصبحت العولمة الثقافية واقعاً لابد من التعامل معه والتفاعل عبره، ولا بد من التساؤل ها هنا عما في هذا الأمر من سلبيات وإيجابيات، وما يتهدد اللغة العربية والأدب العربي برمته، وهما مقومات رئيسية للهوية الثقافية العربية ؟  ولكن كيف يُمكن التعاطي مع هذا التهديد ؟

بين التبعية والغزو والاختراق وصولاً إلى العولمة 

إن عبارة “التبعية الثقافية” تشير إلى علاقة تنطلق من التابع إلى المتبوع ، وبالتالي فهي تعبر عن حاجة أو نقص في التابع، كالحاجة إلى العلم والثقافة، والنقص في التطور الثقافي العام، بينما تشير عبارة “الامبريالية الثقافية” إلى علاقة تنطلق من المتبوع إلى التابع، وبالتالي فهي تعبر عن قوة وهيمنة يمارسها الطرف الأول على الطرف الثاني، والعلاقة بين العبارتين هي نوع من علاقة اللزوم (الامبريالية الثقافية تلزم عنها التبعية، والتبعية لازمة للامبريالية) ، وقد تحولت هذه العلاقة إلى علاقة وحيدة الاتجاه، فأصبحت اليوم خاضعة لاسترتيجية الاختراق الثقافي العام الذي يتجاوز بكثير الاستتباع الايديولوجي الذي كان سائداً من قبل، وكلمة ( الغزو ) التي راج استعمالها في العقود الأخيرة من القرن العشرين، قد حملت منذ البداية بطانة ايديولوجية معينة، إضافة إلى أن دلالتها اللغوية ترافقها غالباً شحنة انفعالية، وبعيداً عن الانفعال والايديولوجيا، من الواجب تحليل الظاهرة كما هي في ذاتها، وكما تنكشف للعين الفاحصة الناقدة، فإن الوصف الذي يستجيب أكثر من غيره لهذا النوع من المعالجة الموضوعية، هو ذلك الذي يعطيه لفظ (اختراق)، وبما إن العلم والتقنية هما من عناصر الثقافة، فإن عدم امتلاكهما، ومن ثم الاضطرار إلى استيرادهما جعلهما سلاحين من أخطر الأسلحة اليوم، بحيث يتم توظيفهما في اختراق ثقافات أخرى بقصد الهيمنة، وهنا نكون فعلاً – كعرب – أمام اختراق ثقافي بواسطة العلم والتقانة، يُقدم ويروج لكل مقولات ومظاهر العولمة، التى ارتبطت بمستجدات الوضع الثقافي الدولي، فماذا نحن فاعلون؟

نحو التنوع والتعددية لا الانغلاق والقوقعة

إن أجواء الواقع الثقافي العالمي لم تعد تقبل الانغلاق الفكري والثقافي واللغوي، وهي تميل إلى فرض واقع عالمي “عبر حضاري”، ليترك لكل ثقافة مسؤولية الحفاظ على هويتها وخصوصيتها، ولا بدّ من إثراء شخصية المواطن العربي لتأكيد وعيه بهويته وذاته، وبحريته وكرامته، وقدرته على مواكبة التطور الإنساني المعاصر والمشاركة الفعالة فيه.

انطلاقاً من أن الإنسان يأخذ من الثقافة ويفيد منها بقدر غناة الداخلي بعناصرها، أو يعطي لها بقدر قواه الإبداعية، ينبغي إبراز الهوية الحضارية العربية والاسلامية أيضاً بمساهمتها في العلم والمعرفة، لأن الشخصية الأساسية لكل أمة وشعب، إنّما تكون وترسم كل خطوطها في التراث الذي يجب أن يكون واقعاً متفاعلاً مع الحاضر ومُنجزاً، لا ماضياً متحجراً، وقوة دفع للأمام لا قوة جذب للخلف، ومصدر ثقة لإنتاج المعرفة المعاصرة لا نموذج تقليد للماضي، لذلك يجب مراجعة هذا التراث وإعادة صياغته صياغة مُعاصرة، تقربنا من العالم الإنساني، ولا بد من الاستفادة من تعدد قنوات الاتصال المتاحة اليوم للجميع في إرساء الهوية التشاركية الإنسانية، والتأكيد على المشتركات مع الآخرين دون التفريط بالهوية الثقافية المحلية، والدعوة إلى المساهمة والمشاركة في كل الجهود المبذولة للتقارب بين الثقافات المختلفة، فمنذ تسعينيات القرن الماضي توالت الدعوات إلى مجابهة العولمة، منطلقة من عموميات ذات طابع فلسفي حيناً، ونوع من الاحتجاج النرجسي المستند على نكوص إلى التراثيات والسلفيات حيناً أخر.

إن حماية مستقبل الأجيال القادمة لا يتم بالعودة للماضي، ولا بالانغلاق غير الممكن أساساً اليوم،  فلا بد من الاهتداء بالتراث الإنساني وحاضره الحيوي الذي يُمهد للمستقبل، وذلك شرط رئيسي لتقدم البشرية، والحفاظ على الهوية لا يكون إلا بالتفاعل مع الآخر، فالهوية تكوين أناسي ثقافي معرفي تاريخي متحرك مفتوح، يشمل اللغة والمخيال الاجتماعي، والذاكرة الجمعية والبناء الميثولوجي، والسيكولوجيا الجمعية، فالهوية منظومة ليست ثابتة قائمة في الماضي، وإنما تعني فعل التراكم السيروري من الواقع المعطى الآن باتجاه المستقبل، بمقدار ما يُحرك واقع الفعل النشاط الإنساني، باتجاه الوعي الذاتي للتكوين على صعيد الفرد والأمة.

المراجع

*محمد عابد الجابري : المسألة الثقافية، مركز الدراسات الوحدة الوحدة العربية، بيروت ، 1994م.

*نذر العولمة، عبدالحي زلوم، جريدة الزمان، الحلقة 34 ، العدد 339/1999

*المثقف العربي والعولمة، جمال الدين خضور، مجلة دراسات/ مجلة فصلية تصدر عن اتحاد كتاب وأدباء الامارات ، العدد الحادي عشر ، 1999م.

*إشكاليات معاصرة لفاعلية الهوية العربية تجاه سلطة العولمة عبر مفهوم التلقي الأدبي، وجيه فانوس، مجلة دراسات/ ، مجلة فصلية تصدر عن اتحاد كتاب و أدباء الامارات، العدد الحادي عشر، 1999م.

*د. خولة حسن الحديد

Leave A Comment