
أبو صبحي، أو أبو الليل كما كان يلقبه أصدقاؤه في صغره، تهكماً لشدة فزعه من العتمة، وهو أيضاً صاحب أدق ساعة بيولوجية في العالم، مما أكسّبه لقباً آخر في كبره “أبو صبحي بيغ بن”، بعد أن تمكن من إقناع الجميع إن مسألة خوفه من الظلام أصبحت من ذكريات المراهقة، لقبه الأخير يعود لعدم اعتماده على أي ساعة يدوية كانت أو جدارية، ومع ذلك لم يخل يوماً بموعد، بل يقال أن بعضهم كان يضبط ساعته لدى مرور أبو صبحي بيغ بن، ذاهباً إلى محله أو عائداً منه.
وحدها زوجته كانت تعلم أنه ما زال يعيش رُهاب الظلام، أضعاف ماكان عليه صبياً ، خصوصاً في سنوات الحرب الأخيرة، حيث كاد ينسى السوريون في المناطق المحاصرة اختراعاً اسمه مصباح كهربائي.
كان أطفال أبو صبحي يستغلون فترات هدوء القصف النادرة، فيتسابقون ليلاً إلى سطح العمارة للتمتع بمشهد وهج الكهرباء القادم من بعيد، لا سيما عائشة ذات السبع سنوات، فقد كانت أكثر أخوتها شغفاً بذلك، كانت تهيم حالمة بغد تتوفر فيه حياة أفضل.
لقد سمعتْ كثيراً عن حياة الأطفال “المترفة” على بعد عدة كيلومترات؛ حيث الكهرباء والسكينة والهدوء و”السيارين”.
على الرغم من جواب أبيها المُحْبط، عندما سألته ذات يوم عن إمكانية توفر الكهرباء في مدينتهم “دوما” أسوة بالعاصمة، فصدمها بقوله أن سكان العاصمة هم من سيفقدون الكهرباء ذات يوم أسوة بدوما وسائر الغوطة، إلا أن عائشة استمرت تلوذ بحلمها كلما سنحت لها الفرصة.
فجر كل يوم، يستيقظ أبو صبحي بيغ بن قبل أذان الفجر بنصف ساعة تماماً، لا تزيد دقيقة ولا تنقص دقيقة، ولكنه يبقي عينيه مغمضتين إلى حين تقع يده على إحدى القداحات المزودة بضوء، تلك التي اعتاد أن يوزع عدداً منها حول فراشه وتحت وسادته، حتى تطال يده إحداها بأسرع وقت ممكن، تجنباً لمواجهة العتمة عندما يستيقظ.
لكن يده خابت ذات مرة، فلم تقع على أي من القداحات المُضيئة، فاضطّر لفتح عينيه متحدياً مخاوفه، ليفاجأ بالثريا المعلقة في غرفته تشع نوراً ساطعاً، أجبره على إغماض عينيه مجدداً، ثم ليحاول مجدداً مقاومة النور ويغادر فراشه مذهولاً من هول الصدمة، وهو يردد: “كهرباء ! كهرباء ياالله! يا منتا كريم يا رب!” وصوته يرتفع شيئًا فشيئًا بالتكبير والبسملة، حتى استحال صراخاً، عندما فوجئ بالماء يتدفق من الحنفية كالشلال، ثم ليقع مغشياً عليه عندما اكتشف أيضاً أن ماء الخزان ساخن حد الغليان.
زوجته التي كانت قد أيقظها صراخه، بقيت ترتعد في فراشها، وهي تتلو آيات من الذكر الحكيم، بانتظار أن تعلم ماهي المصيبة التي دفعته للتكبير والصراخ في مثل هذا الوقت، هرعت إلى الحمام عندما اختفى صوته، فوجدته ساكناً كالأموات، فسكبت عليه بعض الماء حتى استعاد وعيه.
سألته: ما الذي يجري يا أبا صبحي؟ ماذا دهاك يا رجل؟
فنهض أبو صبحي مترنحاً، وأشار لها ضاحكاً إلى المصابيح المضاءة والصنبور الدافق.
شهقت الزوجة، وكأنّها لم تكن متنبهة إلى كل ذلك، لعل خوفها من تكبيرات أبو صبحي، ثم لهفتها حين اختفاء صوته شغلتها عن سواه.
ثم صرخت: أنا لا أكاد أصدق!
هل انتهت الحرب بين ليلة وضحاها؟!
هنا أطلق أبو صبحي ضحكة مدوية وهو يقول: لقد جنت المرأة! الحرب لم و لن تنتهي.
إذاً ما الذي يحدث؟
قالتها أم صبحي حائرة.. فرد زوجها ضاحكاً: لا بدّ أن الله أسرى بنا ليلاً إلى الجولان المحتل، وهو على كل شئ قدير.
عندها وضعت أم صبحي يدها على فمها تهم بالزغردة فرحاً، فانقض عليها أبو صبحي ممانعاً: حذار أن يستيقظ الأولاد يا امرأة!
قالت مستغربة: ولم لا؟! دعهم يشاركوننا فرحنا
فهمس لها: الماء ساخن يا أم صبحي، ساخن كالنار يا امرأة!
ألا نأخذ حماماً ساخناً بعد كل هذا الانتظار؟!
فقفزت إلى الخلف قائلة: ما أخف عقل الرجال! أهذا وقته؟!
ثم ملأت زغايدها الدار، فأيقظت كل من فيها، وعلت أكثر فأكثر، فأيقظت الجيران أيضاً، فارتفعت زغاريد الجارات، وارتفعت أصوات الرجال تكبيراً وتهليلاً، عندما اكتشفوا ما اكتشفه أبو صبحي، من عودة النور إلى حياتهم بهذا الشكل المفاجئ.
الجميع كان يقفز ويضج باستثناء عائشة.. لقد أثبتت وهي نائمة وسط هذا الضجيج كلّه، أنها تستحق لقب “خمّة النوم”، الذي أطلقه عليها أخوتها، بقيت نائمة رغم كل ذلك الضجيج، ورغم أن أباها سكب عليها دلواً من الماء البارد، ولم تستيقظ إلا عندما سحبها أحد رجال الدفاع المدني بعنف من تحت الركام صائحاً: إنها حية ترزق!
إنها تتنفس !! .. فعلت أصوات الناس بالتكبير فرحاً، بعد أن يئسوا من إمكانية العثور على ناجين في هذا الحي، الذي زارته براميل العاصمة المتفجرة قبل ساعات.
*زيدون “زياد” الجندي.
*صورة الغلاف من الموقع الإلكتروني للمرصد السوري لحقوق الإنسان في توثيقه لقصف النظام السوري لغوطة دمشق.
