
كلي يخاف من كلي .. يمناي تخشى يسراي .. و يسراي تخشى يمناي .. قلبي يخاف لساني أن ينفلت من عقاله في وقت غير مناسب، فيتسبب في توقفه عن الخفقان إلى الأبد .. عيناي تعيشان الرعب من أن يخفق قلبي فرحاً، بوجود الغرباء أثناء متابعة الأخبار، فتتورطان بشعاع سعادة قد يتسبب في إغماضتهما الأخيرة ..
أذكر ذات مرة أنني كنت في أحد المحال التجارية، وكانت إحدى القنوات ” المُغرضة ” تبث مقاطع لتظاهرات في مدينة درعا، فزعقتُ: هؤلاء الشياطين سيتسببون بموتي !!
لم يطالبني أحد من الحاضرين بإعلان براءتي، لكن خوفي فرض علي ذلك، خشية أن يتهمني أحدهم أنني سكتُّ، من مبدأ السكوت علامة الرضا .. تبين لي بذات اللحظة امتعاض السامعين مما قلت، حين عقب أحدهم: “موتك لا يُعد مشكلة، قياساً بتدمير الوطن ..
يا إلهي !! هذا الرجل يلمّح أنه استشف الأنانية من كلامي !! كيف لم أنتبه لما أقول ؟؟!! .. ماذا لو اعتُبر كلامي لاوطنياً !!
تناولت أشيائي وحثثت الخطى مبتعداً، ثم هرولت، ثم سابقت الريح إلى بيتي، واستعصيت فيه ليومين كاملين، لم أفعل شيئاً خلالها، باستثناء انتزاع صحن التقاط القنوات الفضائية، واستبداله بمستقبل للمحطات الأرضية، تحسباً لأي اقتحام من قبل الأمن لبيتي، فأُتهم بمتابعة المحطات ” المغرضة” …. أمي وحدها كانت تُدرك حجم الخوف الذي كان بداخلي، وكان يزعجها ذلك كثيراً، لكنها تركتني وشأني.
ترددت كثيراً بالخروج مجدداً، لكن ما من وسيلة لتجنب مواجهة الوطن المتوحش، عليّ الخروج لتأمين أسباب الحياة، حتى الخبز لم يعد موجوداً في البيت، وعليّ الذهاب إلى الفرن.
وقفت بباب بيتنا أتلفت يميناً و يساراً، كإجراء احترازي ، لأفاجأ بأمي تدفعني من ظهري قائلة : اخرج .. !! يموت الشجاع مرة واحدة، أما الجبان فيموت ألف ميتة في اليوم .. اخرج !! قُبحت من بين الشباب !! .. و أغلقتِ الباب خلفي ..
ليس أمامي إلا الانصياع، والمضي قدماً، أقله لشراء الخبز ..
لله درك يا أمي .. كيف تريدينني شجاعاً، وأنت التي كنت في كل مناسبة تهددينني بالشرطة في صغري ؟؟
ألا تذكرين عندما سمعتك ذات يوم تتحادثين وخالتي عن شقيقكما وولديه، الذين قتلا في فرع المخابرات، ماذا قلت لي يومها عندما سألتك : لماذا لم يهب رجال الحي لإنقاذه ؟؟
فأجبتني :”لا أحد يقوى على مواجهة هذه الوحوش .. ”
ألا تذكرين كيف صفعتني بظاهر كفك على فمي، عندما رويت لك نكتة سياسية سمعتها من زميل لي في المدرسة ؟؟ يومها تعرفت على طعم الدم على يدك يا أمي .. !!
ألم تحذرينني من أن الحيطان لها آذان ؟؟ ومن أنني يجب ألا أقول ما يغضب الحكومة حتى بيني و بين نفسي، كي لا يكون مصيري كمصير أبي ؟؟ .. نعم أبي الذي لا أعرفه .. أبي الذي أوهمتني أنه مسافر حتى بلغت الخامسة عشر من عمري، ثم استسلمتِ لإلحاحي بالسؤال فأخبرتني همساً أنه في السجن ..
إذاً من أين لي أن أستمد الشجاعة يا أماه ؟؟ !! كيف تأملين بحصاد الإقدام من زراعة الخوف ؟؟!!
كنت أردد ذلك و أنا أتثّاقل في مشيتي صوب فرن البلدة بفزع شديد، أهتز هلعاً على وقع أصوات الرصاص القادم من بعيد، رغم انني بالكاد أسمعه، فيتراكم في قلبي الحقد على أمي، ثم ليتبدد دفعة واحدة، عندما يلوح في مخيلتي مشهدها وهي تضمني باكية، بعد صفعتها الهائلة تلك وهي تهمس:” لا تزعل يا ابني، أحاول ما استطعت الحفاظ عليك ….ماعاد القلب يحتمل الأسى ” ..
يبدو أن صوت الرصاص يقترب مني، أو أنني أقترب منه !! يا إلهي . مالعمل ؟؟!!
تراجعت بضع خطوات باتجاه المنزل، ثم وقفت حائراً .. لا مفر من التقدم إلى الفرن .. لا بدّ من الحصول على الخبز ..
فكرت بتغيير طريقي، لكنني لستُ متأكدًا من اين يأتيني صوت الرصاص .. تباً للمتظاهرين .. تباً لهذا القدر الذي شاء ان أعبر الدنيا بهذه اللحظات من التاريخ، من بين ملايين السنين من عمر الوجود .. شتمت المتظاهرين بأقذع الشتائم، وتمنيت لو يقتلون جميعاً .. لولاهم لحصلت على حاجتي من الخبز دون هذا الكم من الرعب .. لكن كل ذلك لا يهم الآن، كل ما يهمني هو الحصول على أكبر كمية من الخبز، لأخزنها في البيت، فأتقي الخروج منه إلى حين ..

كان اكتظاظ الناس على باب الفرن، أشد وقعاً علي من صفعة أمي المجلجلة قبل سنوات ، فذلك يعني أنني سأقف لساعات ربما قبل أن أنال حاجتي من الخبز .. حتى أنني تلمظت طعم الدماء، لشدة جزّ أسناني بعضها ببعض ..
بدأت قواي تخور مع اقتراب صوت الرصاص أكثر، فتتراجع حدة شراستي في التدافع مع طالبي الحصول على خبزهم ..
ما هي إلا دقائق حتى وجدت نفسي بين شبان يلوذون بالشوارع الفرعية الموصولة بالشارع الرئيسي، حيث يقع الفرن .. يظهرون منها لبضع ثوانٍ، يهتفون ضد النظام، فيتلقاهم عناصر الأمن بالرصاص من الجهة المقابلة، ونحن المرابطون على باب الفرن في المنتصف بين الطرفين ..
هذا ما كنت أخشاه !! بات قلبي كطائر مذبوح يخفق بعنف للحظات ثم يهمد، إذا ما لعلع الرصاص، أو لعلعت حناجر المتظاهرين بالهتاف ..
هدأت الأمور لبضع دقائق، ورغم أنها لم تكن كافية لالتقاط أنفاسي تماماً، إلا أنها منحتني الوقت للتفكير، فقررت الفرار من المكان دون خبز، و ما أن هممت بالانطلاق حتى ظهر جارنا العجوز وسط الشارع، يحمل مجرفته في يده .. إنه جارنا أبو ياسين الذي لم يتوقف عن الذهاب إلى حقله، حتى في أحلك الظروف الأمنية .. وجدت فيه حماية لي، فقررت السير برفقته إلى البيت، لكن العجوز وقف وسط الشارع في مواجهة الجنود، ورفع مجرفته عاليا، و هتف ملء حنجرته :
“عاشت سوريا يسقط بشار الأسد .. سنعيش وسيسقط الأسد ” ..
كلماته الحماسية نزلت على رأسي كالصاعقة، أما الرصاص العشوائي الذي أطلقه الجنود، فقد شعرت أنه اخترق قلبي المتوقف فزعاً عن الخفقان … اسودت الدنيا بعيني و ما عدت أرى منها إلا العجوز المستهتر بالرصاص، يردد هتافاته مراراً و تكراراً، و أنا أزداد التصاقاً بالحائط حتى أكاد أخترقه … نوبة هلع لم يسبق لي أن شعرت بمثلها طيلة سنوات خوفي العشرين، أودت بي إلى عالم الوحوش، فانقضضت على الرجل العجوز و جرّدته من مجرفته، و هويت بها على رأسه، مرات عديدة حتى سقط مضرجاً بدمائه ..
خرس الرصاص والألسن معاً، وأنا متجمد في مكاني، وأداة الجريمة في يدي .. تحلّق حولي زبائن الفرن بصمت، وعيونهم تنهشني نهشاً، حتى ظننت أنّي مقتول لا محالة ..
لكن الجنود الذين كانوا سبب رعبي قبل قليل، كانوا طوق النجاة الذي أنقذني من غضبة الناس المتوقعة، إذ اقتربوا و فرقوا الناس بإطلاق الرصاص في الهواء .. حرك قائد المجموعة أبا ياسين برجله، وقال بلؤم : لقد نفق هذا النجس .. ثم التفت إلي و سألني: لم قتلته ؟؟!! قلت بصوت مرتجف: كاد يتسبب بمقتلنا جميعاً … فارتسمت على وجه الضابط إمارات الرضى،
وقال مطمئناً: لا تخف أنت الآن في حمايتنا … قلت :لكن أمي وحدها في البيت، وأخشى أن ينتقم أفراد أسرته منها، فأمر مجموعة من رجاله بمرافقتي، بسيارة إلى بيتنا، لاصطحاب أمي منه.
عندما فتحت الباب، ورأت أمي الجنود برفقتي، ارتفع عويلها فزعاً، فقد ظنت أنهم اعتقلوني، فسحبتها من يدها على عجلٍ، واستقلينا السيارة جميعاً مغادرين.
كان الجنود يثنون على “شجاعتي” طيلة الطريق، فأتورم زهواً، فأنا لم يقترن اسمي قبل ذلك يوماً، إلا بصفات الجبن و الخوف، حتى أُطلق علي لقب “القُبرة” ، ذلك الطائر الذي لم يسبق أن رآه أحد، يحط على غصن، أو مكان مرتفع.
أمي التي كانت تستمع إلى الحديث، ممسكة بيدي بفزع، كانت تبدو أنها لا تفهم شيئاً مما تسمع، حتى روى لها أحدهم ماجرى بوضوح، واضطر لتكرار روايته عدة مرات، ليُفهم أمي التي كانت تأبى أن تصدق ما تسمعه …. أما أنا فلم أنتبه في غمرة العزة التي أخذتني- عندما عرض علي أحد العناصر الانضمام لفصيلتهم- إلى أن أمي تحولت إلى جثة لها قلب خافق، و أنف يتنفس.
إجراءات شكلية سريعة جعلت القُبرة ضبعاً .. و الضبع لا يأبه عندما يأكل فرائسه إن كانت ميتة أم أنها ماتزال على قيد الحياة .. إنه الأقل خُلقاً بين الوحوش .. ذلك الضبع الذي صرته، أصبح الدم عنده يساوي الماء .. ثم بعد بضعة أشهر أصبح يساوي الخمر.

أقتل ما شاء قادتي أن أقتل، أعذّب الأسرى ما شاء قادتي لي أن أفعل، و كلّما اتقنت اللعب بالموت ومعه، ازدادت مكانتي لدى قادتي .
ذات صباح هممت بمغادرة سريري، فوجدت نفسي مقيداً فيه، وأمي جالسة على كرسي في ركن غرفتي القصي، وبيدها مسدسي .. ظننت للحظة أنها تمازحني، لكن سرعان ما استبعدت الفكرة .. فأمي منذ أن غادرنا بيتنا، اقتصر حديثها معي على كلمة واحدة، على هيئة سؤال كلما عدت إلى البيت فتقول لي:”عدت ؟؟” .. كأنها كانت تتوقع ألا أعود .. أو تتمنى ذلك ..
فكيف لها أن تمازحني ؟؟!!
ساد الصمت لدقائق قليلة، تمعنت خلالها بوجهها، وانتبهت كم تغيّر، فتساءلت ما إذا كان ذلك التغيير قد حصل فجأة، أم أنه حصل على مراحل في غفلة مني.
سألتها: أمي .. لمَ أنا مقيد هكذا ؟؟!! هلا فككت وثاقي ؟؟ يجب علي المغادرة الآن فلدي عمل يا أمي، لكنها ظلت صامتة، وعيناها شاخصتان إلي كعيني تمثال حجري ..
أمي .. أمي .. ماذا دهاكِ يا أماه ؟؟!! مالذي تنوين فعله ؟؟ هل جننتِ !!!! .. و لا جواب أو أي رد فعل يوحي بأنها حية !!
حاولت التملص من قيدي لكن دون جدوى، فقد أحكمت القيد بطريقة يستحيل معها التخلص منه.
أمي .. هذا أنا وحيدك يا أمي .. أنا ابنك المدلل فكيف تفعلين هذا بي ؟؟!! .. قلت لها مهدداً : سيفتقدني الرفاق إذا لم أجب على اتصالاتهم التي لم تتوقف، و سيأتون لتفقدي .. عندها سيسحقون عظامك عقاباً لك على فعلتك هذه .. أنت تعيقين عمل الضبع الذي هم بحاجة إليه ..
ردي علي .. قولي شيئًا!! .. و لا جواب .. فدبّ الرعب في قلبي عندما رأيت موتي بوجهها .. قلت لها مستعطفاً : أتنوين قتلي يا أمي ؟؟!! .. لماذا !!! هل من أم في الدنيا تقتل ابنها ؟؟!!! .. هل تسمعينني ؟؟ ..
نطقت أخيراً .. قالت لي بصوت آلي : سأقتلك .. و سأخبر القضاة أنها جريمة شرف.
على الرغم من أن ما قالته كان مرعباً، إلا أنه منحني بعض أمل بالنجاة من جنونها، فقد تأخر الوقت كثيراً، وفرغت بطارية هاتفي الذي لم يتوقف عن الرنين، ولا بدّ أن يأتِ الرفاق لمعرفة سبب تأخري.
ما هو إلا وقت قصير حتى قرع الباب، فقلت لها: هيا يا أمي .. فكي وثاقي قبل فوات الأوان .. لن أتمكن من حمايتك فيما لو اكتشفوا فعلتك .. أطلقيني و سأدّعي المرض .. لكن عبثاً .. لا جواب .. عندها اشتد الطرق على الباب، وعلا صوت الرفاق منادياً فصرخت : أنا مُكبّل في السرير .. اكسروا الباب .. اكسروه وأنقذوني !
بدأ الرفاق بمحاولة كسر الباب، فقامت أمي من مكانها، وتقدمت نحوي ببطء موجهة السلاح إلى رأسي، فعلمت أنني مقتول، ثم وضعت فوهة المسدس في فمها وأطلقت النار، فتناثرت دماؤها في المكان، في تلك اللحظة تمكّن الرجال من كسر الباب، وهرعوا إلى الداخل فوجدوني على الحال الذي كنت فيه، فحرروني، وأسئلتهم تنهال علي مستفسرين عما جرى .. نظرت إلى جثة أمي فلم يثر منظرها أية مشاعر في قلبي، باستثناء الشعور بنصر جديد على الموت، ركلتها بقدمي، وانطلقت مع الرفاق إلى مهمة جديدة .
*بقلم: زياد “زيدون” الجندي.
*الأعمال الفنية للفنان الإسباني فرانثيسكو دي غويا (1746م – 1828م).
