يتناول هذا الكتاب مسيرة المجمع الثقافي في أبوظبي، من خلال ذاكرة الكاتبة، وشهادتها الشخصية على مرحلة زمنية معينة شهدتها بنفسها، وساهمت خلالها في صناعة العديد من أحداثها وفعاليتها.

مع مكان كالمجمع الثقافي، تُصبح عملية الاستعادة مليئة بالشغف، الشغف المأخوذ بسر الأمكنة، وإماطة اللثام عنها، كما تنحو هذه الاستعادة نحو النبش والبحث، وتقديم روح المكان، بعيداً عن الجمود المؤسسي والخطاب الرسمي، وإظهار الجانب الأهم والدافع الحقيقي للبحث في جوانب المعرفة، معرفة العالم، الآخر المُختلف، بكل التعدد و التنوع المعروف، وبمختلف الاتجاهات الفكرية والثقافية والاجتماعية، العميق منها والبسيط، المعرفة التي ساهمت في خلق وعي آخر… وعي فارق، فكل هذا تجسّد في المجمع الثقافي، الذي تجاوز بجدارة كل الأمكنة النمطية المعروفة ثقافياً، ولم ينفر منها المتلقي أو الجمهور يوماً، على عادة ما يحصل في غالبية المؤسسات العربية.

في مرحلة زمنية ما، كان المجمع الثقافي مفتاح مدينة أبوظبي بالنسبة للعديد من المقيمين، والعابرين، كما لأهل المكان المتجذرين فيه، والجميع أحب هذا المكان ومنحه ودّه وألفته، وكل مكان تمنحه ودّك ومحبتك التي يستحقها، لن يبخل عليك بالمثل.

شكّل هذا المكان بؤرة ثقافية واجتماعية غنية، ثرية جداً بأبعادها المتنوعة روحياً ونفسياً، واجتماعياً، فما من نشاط مهم شهدته المدينة، وحتى على مستوى عموم إمارة أبوظبي، إلا وقد انطلق من هذا المكان، ومن ثم توسّع وتنوع وتعددت آفاقه، فكان المجمع بمثابة الأرض الخصبة التي هيأت البذور الصالحة من مختلف الأنواع والأصناف، لتُزرع لاحقاً في أماكن شتى على امتداد إمارة أبوظبي، وعموم إمارات الدولة، فتكبر لتصبح أشجاراً باسقة، طرحت لاحقاً أفضل الثمار التي بقيت وفية لبذورها الأم، وهذا لا ينطبق فقط على المشاريع الثقافية من فنية وفكرية وتراثية وغيرها، بل ينسحب حتى على التجارب الفردية، الشخصية، فمن النادر أن عبر أحدهم هذا المكان ولم يترك بصمته في حياته وتجربته الخاصة كفرد، كما كان الأساس الذي انطلقت منه تجارب العديد من الشخصيات والوجوه المُبدعة من أبناء دولة الإمارات، والحاضن للعديد من التجارب الإبداعية العربية والعالمية، فما من مكان على امتداد الوطن العربي منح المبدعين تقدير ومكانة، كما فعل المجمع الثقافي.

لا تدّعي هذه الكتابة التوثيق ولا الأرشفة، فهي لا توثق أو تؤرشف سوى الذاكرة الشخصية، وإن الأمثلة المطروحة لبعض الفعاليات والأنشطة، في فترة زمنية معينة، ليست سوى عينات عشوائية أو مقصودة لاعتبارات الأهمية حسب الرؤية الشخصية للكاتبة، لتدل على ما يتم الإشارة إليه، وهي ليست إلا جزء بسيط مما يُمكن سرده وتوثيقه وأرشفته بدقة، وحتى وصف المكان يعتمد على تلك الذاكرة بشكل كامل، ونظراً لتنوع وتعدد أنشطة المجمع، وتنوع وتعدد أنماط تأثيره البالغ في مجتمع مدينة أبوظبي ويوميات سكانها.

تم تقسيم هذا الكتاب إلى ثلاثة أبواب رئيسية، يتناول الأول منها فضاء المكان، ويتضمن ما يستوجب من وصف لمبنى المجمع ومرافقه، ومؤسساته وإدارته، ومقتنياته، لأن هذا الفضاء كان أحد أهم عوامل الجذب لما يحتويه من جماليات رائعة، في حين يتناول الباب الثاني الفضاء الثقافي للمجمع بأبعاد المحلية والعربية والعالمية، وكيف ساهمت نشاطته وفعالياته في وضع إمارة أبوظبي على خارطة الثقافة العربية والعالمية، وبأكثر من اتجاه وأسلوب تضافرت جميعا لتحقيق هذا الهدف، فيما يتضمن الباب الثالث الفضاء الاجتماعي للمجمع في تداخله مع الفضاء الثقافي وتشابكاته ببساطتها وتعقيدها، فيتناول أثر المجمع في وجدان الناس، ويتحدث عن تجربة العاملين فيه من المبدعين الذين تركوا بصمات مهمة في الساحة الثقافية المحلية والعربية، الراحلون منهم والأحياء، والذين شكّلوا معاً فضاءاً اجتماعياً مميزاً في المدينة، وإلى هؤلاء جميعاً من أصدقاء وزملاء، وكل الذين عبروا هذا المكان وترك أثر ما في وجدانهم وذاكرتهم، تُهدي الكاتبة هذا العمل.

Leave A Comment