الأديب السوري: راهيم حساوي

طقس العزاء، وطقس الأفراح، والمقاهي والمطاعم تصلح لتكون عروضاً مسرحيّة لأيّ شخص يودّ الفُرجة، فالنصّ يكاد يكون معلوماً لدى الجميع، وكذلك الميزانسين وتوزّع الإضاءة ونبرات الصوت، والخروج عن النصّ ما هو إلّا اجتهاد لشخصيّة لديها ما تقوله بناء على النصّ المعتاد.

ففي حالات العزاء، يتّخذ أهل الميّت مكانهم بوجوه ثابتة استعداداً للنص الذي سيكون بينهم وبين القادمين لأداء واجب العزاء، وتذهب المَشاهد بفصلها الواحد نحو حالة ثابتة تميل لآخر نهايات درجات التراجيديا، التي تأتي هادئة على ضوء مشهد محذوف يتمّ تداوله على لسان القادمين، أو بين القادمين وأهل الميّت رغم عدم أهمّيّة الأسباب التي أودت بحياة الميّت، لكنّه حوار لابدّ منه كي يعلم به المُشاهد لهذا الحدث، وربّما نسمع الأنين والتنهّد بين عبارة وثانية كي تمتزج الحالة بعناصرها الدراميّة كافّة، ومن النادر أنْ نجد ما يُصعّد الحدث بهذه المَشاهد الرتيبة.

وفي المطعم يتحرّك عمّال المطعم حركة مدروسة على يد المعلّم الذي يقوم بدور المخرج، بينما الزبائن على طاولاتهم، وكأنّ دوائر الضوء تسقط عليهم من الأعلى على يد مدير الإضاءة، ولا يمكن أنْ تبقى الحوارات ضمن كلّ طاولة وثانية دون حبكة ما، أو مؤشّر لشيء ما بين طاولتين على الأقلّ، وقد تمّ استخدام هذه الأمور في الدراما التلفزيونيّة في بعض الأحيان لإيجاد مبرّر لحدث ما يتمّ داخل المطعم بين طاولتين، وهذا الأمر يُفقد المشهد المسرحيّ قيمته بهذا الشكل، فلا يُمكن أنْ تستثمر هذه الحالة بهذا الشكل، فقيمتها تأتي من الأساس الذي هي عليه.

حتّى الحديث الذي يتمّ في الباص بين شخصين، ما هو إلّا تجسيد لحالة مسرحيّة، وربّما يقول قائل: (إنّ كلّ ما يحدث من حولنا هو تجسّد لحالة مسرحيّة)، في الحقيقة لا يمكن ذلك، و ذلك أنّ الأمثلة التي مرّت معنا تأخذ شكلها من الأمكنة التي تكاد تكون خشبة مسرح، ويكاد يكون الكلام نصّاً قبل النطق به بين الأشخاص، أمّا الأحاديث التي تأخذ شكلها الشخصيّ، فهي أحاديث شخصيّة وخارج نطاق حديثنا هذا.

أمّا البروفة التي تسبق هذا الشكل المسرحيّ في مثل هذه الأمكنة المذكورة، فهي تحدث في كلّ مرّة وتتكرّر كثيراً، فتصبح مزيجاً ما بين البروفة والعرض، ومزيجاً ما بين حرفيّة النصّ وحركة الموجودين في مثل هذا الفضاء الباطني للأمكنة، وبين ما يُسمّى الارتجال والخروج عن النصّ المتراكم داخل كلّ شخص؛ ومن هنا تأتي فكرة كره هذا المكان، أو حبّ ذاك المكان من مقاهٍ أو مطاعم تحت ما يُسمّى طريقة التعامل مع الزبون، أو بسبب الزبائن الذين يتواجدون، وهذا يتعلّق بإحساس داخل كلّ فرد منّا، وتعلّق هذا الإحساس بذاك الأمر الممسرح هنا وهناك.

*راهيم حساوي، 2015.

Leave A Comment