مفهوم التمثل الاجتماعي

يُعرف قاموس علم النفس ل“نوربارد تسيلاني” التمثُل الاجتماعي على أنه (فكرة تُمثل فعلاً يصبح حاضراً في الذهن، فالتمثُل ليس مجرد تمثيل للواقع، وإنّما بناءً لنشاطاتنا الذهنية)1.

فالنشاطات الفكرية هي التي تُمكّن الإنسان من إعادة صياغة الواقع، عبر إعادة تشكيل المعلومات المتوفرة من خلال القيم والقوانين، والمبادئ الفردية والجماعية، فتصبح بذلك التمثلات الاجتماعية شكلاً من أشكال المعرفة التي يتداولها أفراد مجتمع معين، وتخلق حساً مُشتركاً فيما بينهم.

يرى “جون كلود ابريك” إن كل حقيقة هي موضوع تمثُل الفرد، أي أنها أصبحت جزءاً من عملية تمثُل الفرد التي تصيغ رؤيته الخاصة، هذا التمثُل يتم بناؤه ضمن سياق معرفي هو جزء من منظومة القيم الفردية والجماعية لمجتمع ما، ويساعد ذلك في صياغة تاريخ الأفرد و الجماعات، وتحديد السياقات الاجتماعية التي يتموضع فيها2.

التمثُلات الاجتماعية كأنماط معرفية

تُعتبر التمثُلات الاجتماعية شكلاً من أشكال المعرفة، كما أنها تُشكل نظاماً من التفسيرات، التي تساهم في بناء حقيقة مشتركة بالنسبة لوحدة اجتماعية (مجموعات دينية، مؤسسات اجتماعية ..وغيرها)، كما تُعبر التمثُلات عن العلاقات التي يقيمها الأفراد والجماعات فيما بينهم، ومع المجتمع المحلي والمجتمعات الأخرى، في إطار التلاقح الثقافي و المنظومات القيمية المشتركة، وعمليتا التأثير والتأثر.

التمثُلات هي بنى فكرية وأنظمة تفسيرية شخصية، ونمط معرفي يختلف عن المفهوم العلمي، تُنتج أنساق من المفاهيم المتجاوبة مع أنساق القيم وأنماط سلوكية معينة، ترتبط بسمات وموضوعات يُحدد معالمها الوسط الاجتماعي، فالتمثُل دائما يرتبط بموضوع ما، ويقدم له تفسيرا معيناً بحسب المعلومات، والتأثيرات الاجتماعية حول هذا الموضوع ، وأيضا بحسب طريقة بناء وعمل الأفراد لتمثُلهم، وهذا يرجع إلى درجة تعلمهم وقدرتهم على التقد، ومدى مسايرتهم لقيمهم وأنساقهم الاجتماعية التي يتواجدون فيها، مما يجعل التمثُل في أساسه نسقاً من القيم والمفاهيم والسلوكيات حسب لعالم النفسي الاجتماعي الفرنسي سيرج موسكوفيسي


ما مدى موضوعية التمثُلات الاجتماعية كمعرفة موثوقة ؟

هل يُمكن الركون إلى المعرفة الناجمة عن التمثل؟

لا يُمكن الوثوق بكل أنماط المعرفة التي تقدمها التمثُلات الاجتماعية، ففيها تجتمع مختلف أنماط المعرفة الواقعية، وتلك المُتخيلة والوهمية، والأسطورية والخرافية أيضاً، فاعتبار التمثُلات كنموذجاً تفسيرياً لا يعني أنه يعطي التفسير الصحيح، فبالرغم من أهمية عملية “التمثُل” في مختلف مراحل النمو الإنساني، والوظائف الحيوية لتي تؤديها، فإنها تختلف عن “المفهوم”، وإن كانت عملية الانتقال من التفكير الحسي إلى التفكير المجرد المفاهيمي، وعملية تكوين المفاهيم تحتاج لعملية التمثُل، وتمر عبرها حسب “جان بياجيه”، إلا أن الانتقال بين التمثُل والمفهوم يشبه الانتقال من المعرفة التلقائية إلى المعرفة العلمية، إذ يحمل التمثُل عناصر ذاتية تؤثّر على طبيعته، فلكل فرد تمثُل خاص به، أما المفهوم فهو ثابت نسبيا، وهو معرفة علمية مشتركة بين عدد من الأفراد المتخصصين في مجال معيّن.

في التمثُل لا يتعامل الفرد في مواجهة المشكلات كما هي عليه في الواقع وبموضوعية، وإنّما يقوم بتمثُلها من خلال التصور الموجود لديه كنسق اجتماعي، وقد يحمل هذا التصوّر ما يسمح بحلّ المشكل واتخاذ القرار، ولأن التمثُلات فردية أحياناً، أوجمعية، غير موضوعية، فهي لا تكون دائما صحيحة، فبعضها مشوّه وغير منطقي، مما قد يؤدي إلى الفشل في إيجاد حلول عقلانية للمشكلات، لذا يجب العمل على تصحيح التمثُلات الخاطئة لدى الأفراد والجماعات، وتغيير أنماط التفكير، وبالتالي تغيير أشكال التمثُلات الاجتماعية التي باتت تقف حجر عثرة في طريق تطور المجتمع.3

وبهذا السياق سيتم تناول أبرز التمثلات الاجتماعية والفردية التي ظهرت خلال انتشار “وباء كورونا”، وأسباب ظهور هذه التمثلات، وأهمية تعميم المعرفة العلمية في مواجهتها وتصحيحها، في موضوع لاحق.

:المصادر

1–Norbert Sillany : dictionnaire usuel de psychologie ; paris 1980 p 315

2-Jean Claude Abric : Pratiques sociales et réprésentation ; puf 2ème ed paris 1997 p 17

3- Jean Costermans: Les activités cognitives : raisonnement, décision et résolution de problèmes, 2éme édition, DeBoeck université, Bruxelles, , 2001, « p99

4-Serge Moscovici: Psychoanalysis: Its Image and Its Public, Polity, 1st Edition-“En-translation”, 2008.

الترجمة من المصادر الفرنسية ل: عبد الله ولد عبدي

Leave A Comment