
يقول “ابن خلدون”: ( إن أحد مؤشرات سقوط الحضارات، كان تدني الحس الغنائي الموسيقي في المجتمعات). فإلى أي حدّ، يتمثل واقعنا العربي المعاصر مقولة فيلسوف الأمة ابن خلدون..؟
العرب والموسيقى
عرف العرب الموسيقى واهتموا بها كغيرهم من الشعوب، ويعود هذا الاهتمام بالموسيقى إلى العصر الجاهلي قبل الإسلام، ومن ثم إلى صدر الإسلام، فالعصرين الأموي والعباسي.
تأثرت الموسيقى العربية بموسيقى الحضارات المجاورة، كالفرس والإغريق، وبدورها أثرت بتلك الحضارات، بل تجاوزتها إلى البلاد غير المتاخمة للبلاد العربية كأوربا، والهند، مما أثمر تلاقحاً إبداعياً لأنماط وأشكال عديدة من الموسيقا، ساهمت في إثراء هذا الفن، وتوجهه ومساراته نحو بوابات المستقبل، عبر ما ورد نحوه من إبداعات أصيلة وراسخة، اتخذت شكلاً تنويرياً فلسفياً، عمل على تثبيتها علمياً ونظرياً، كبار المبدعين والمفكرين، ممن دونوا ألحانهم بالحروف (الألفبائية)، أمثال : أبو الفرج الأصفهاني، ابن سينا، الفارابي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي يعود إليه الفضل في تأليف كتب (الإيقاع، النغم، اختراع الرموز الموسيقية)، إضافة إلى فضله في اختراع “العروض”، وتحديد الأوزان الشعرية العربية، وبحورها، وموسيقاها.

الشعر والموسيقى
إن الموسيقى لغة وكلام، لكن أحرفها تختلف عن أحرف الكلام المعتاد وأصواته، ويكمن جوهرها بين الفرق مابين الاثنين، الكلام والموسيقى.
ذهب بعض الدارسين إلى أن القدرة الصوتية اللغوية هي أصل الموسيقى، وادّعى بعضٌ آخر، بأن الموسيقى أصل اللغة، لأن الموسيقى هي لغة يفهمها الجميع، وهنا تكمن قوة الترابط مابين اللغة وبين الموسيقى.
أما الفرق مابين الكلام وبين الموسيقى، فتختصره كلمات الشاعر الذي قال:
( إن الكلام لفي الفؤاد وإنّما جعل اللسان على الفؤاد دليلا )
الموسيقى والشعر عند العرب بقيا زمنا طويلاً توأمين، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، عبر توليفة رائعة، جعلت من الموسيقى روحاً، ومن الكلمات جسداً، مشكّلة أحد أهم ركائز التراث الشرقي العربي، وأهم عناصر هويته، كما لعب القرآن الكريم دوراً هاماً في ترسيخ وتعميق تلك العلاقة الفريدة، مابين الكلمة والموسيقى، لما تحمله كلماته من موسيقى صوتية وإيقاعات، تنبعث من تآلف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل، هذا ما أدّى إلى ارتقاء الحس الداخلي، والإدراك الموسيقي، لدى لمتلقي العربي، فغدا أكثر قدرة على التفريق، مابين إيقاع موسيقي، وآخر، لأن ما يحمله كلام القرآن من موسيقى صوتية، تحمل المرء على الانتباه والإصغاء.

التراث الموسيقي العربي
يُشكّل التراث بشكل عام، والموسيقى بشكل خاص، في جسد الفن العربي والموسيقى العربية، دور الهيكل العظمي من الجسم، الذي عليه يجب أن تقوم التراكيب، والمؤلفات الموسيقية الجديدة.
لذا ظلّ الغناء العربي لزمنٍ طويل متمسكاً بأصالته وتراثه الموسيقي الشرقي، من خلال كوكبة من المبدعين، الذين قدموا أعمالهم الفنية بتقنية فائقة، أجادوا من خلالها انتقاء الكلمات أولاً، ومن ثم اختيار أكثر الألحان مناسبة لتلك الكلمات، والحنجرة الماهرة الندية، التي يُستكمل معها العمل الفني هدفه، فيغدو قادراً على تحفيز قدرات المتلقي الحسية والذهنية، والتحليق بها نحو فضاءات شاسعة من التأمل، والتفكر، والنشوة.
يقول “محمد أمين العالم”: (إن الموسيقى هي خلاصة الخلاصة، المركزة، المجردة، العميقة للفكر والذوق والوجدان، والخبرة القومية، والإنسانية، فإذا تسطحت أو تشتّت، أو ابّتذلت، تسطّحت، وتشتّت، وابتذلت أفكارنا وأذواقنا، ووجداننا وخبرتنا)، لأن قضية الموسيقى في رأيه قضية كبيرة، وأساسية في مجال التنوير، والتنمية الثقافية والنهضوية.

الموسيقى العربية المعاصرة
شهدت الموسيقى العربية في العقود الأخيرة من تاريخنا المعاصر، غياباً واضحاً، لأنماط الموسيقى العربية الأصيلة، التي حل مكانها أنماط رخيصة، ومجانية ومبتذلة، بعد أن أصبح الغناء العربي تقليدا أعمى للغناء الغربي، ولم يعد للكلمة في الموسيقى العربية أهمية، كما في الموسيقى الغربية تماماً، فأصبح المستمع العادي لا يأبه بالكلمات، وإنما بالصوت الرخيم، واللحن الجميل، حتى وإن كانت الكلمات سخيفة خالية من المعنى.
يرى بعض الموسيقيين العرب، الذين بهرتهم حضارة التكنولوجيا المادية، أن أقصر الطرق وأوضحها لكتابة موسيقى معاصرة ترضي الآخر(هو الغربي على الدوام)، هو الانسلاخ عن الهوية، والانحياز المطلق إلى ثقافات وهويات مغايرة، بتبعية واستلاب، عبر تغييب المنجز الإبداعي العربي الذي تشكّل منذ آلاف السنين، وذلك بتحرير الموسيقى القديمة من إطار الموروث الأصيل، المتمثل بالطرب الحسي، والسلطنة، هذا ما أدى بدوره إلى انحصار ذائقة المستمع، الذي لم يجد بديلاً مقنعاً لإغناء المشهد الغنائي والموسيقي.
هنا يبرز السؤال الأهم: هل أفضى هذا التوجه بالفعل إلى التنوير الحقيقي للغتنا الموسيقية.. ؟

إن ما غدا معلوماً وواضحاً، أن هذا التوجه أدّى إلى مزيد من التبعية والاغتراب، وهذا ما يؤكّده انتشار تيارات الاستهلال التجاري، الذي يلف المشهد الموسيقي المعاصر، مما يدل أن أثر ذلك الانفتاح كان سلبياً، أدّى إلى تلاشي وذوبان المنظومات المقامية، والإيقاعية الأصيلة، وغياب الروح الإبداعية والارتجالية، التي تميزت فيها الموسيقى العربية، مما أثّر على المناخ العام لصناعة الموسيقى العربية بشكل كامل، إثر دخول أدوات ووسائط متعددة، تسببت في قلب الموسيقى العربية المعاصرة، وتسفيه جميع القضايا، الجوهرية والملحة للإنسان العربي، مع حلول ذاك النمط الغنائي الهابط، الذي أفرزته ( العولمة الأميركية)، وغابت معه جميع أطياف الموسيقى الجميلة في القرن الماضي، التي رسم خطوطها نخبة من المؤسسين، الذين ساهموا في بناء مدارس موسيقية هامة، لعبت فيها الأدوات والعلوم الغربية دوراً مؤثراً وفاعلاً، سعياً للتطوير والارتقاء، دون الذوبان في موسيقى الآخر، كالسيد درويش، والسنباطي، والرحابنة، وغيرهم من الذين عملوا على كتابة موسيقية عربية حداثية الطابع، تعددت فيها المشاهد والألوان، وعملت على إثراء الحياة الموسيقية العربية، ووضعها في مسارها الإبداعي الصحيح والمشرق.

إن ما يشهده الواقع الموسيقي العربي في الآونة الأخيرة، من سقطات فنية، أدّت إلى خلل جسيم أدّى بدوره إلى تدني الذوق والذائقة، وعرقلة عملية الارتقاء الحقيقي للحياة الموسيقية العربية.
باستثناء بعض الومضات الإبداعية، التي تغرد خارج السرب العام، والتي سرعان ما تخبو وتذوب، تبعاً لسيطرة الحس الاستهلاكي المسيطر على وسائل الإعلام والفضائيات، التي تنأى عن النهج الإبداعي الأصيل، ربما بسبب سطوة التاجر، الذي يلعب دوراً خطيراً على مستقبل الفن العربي، ما لم تتحرك الجهات الثقافية المعنية، في جميع أقطار الوطن العربي، لحماية وإنقاذ الفن، والعودة به إلى مساره الصحيح، بعيداً عن روح التقليد والتبعية، كي لا تُغتال البهجة في صدورنا، والفرحة على شفاهنا، وألا ندفع إلى نسيان إنسانيتنا وفقدان ابتسامتنا.
هنا يبرز دور التراث، كنقطة بداية مسؤولة، ثقافياً وقومياً، وإعادة توظيفه بصفته ممكن التجديد، عبر موسيقى تتكلم عن الجذور والأصول، موسيقى يتمكن معها المبدع العربي، كتابة التاريخ والحاضر ويُبشر بالمستقبل عبر قطع موسيقية، كون الموسيقى اللغة الوحيدة التي لا تعترف بالحدود.
بقلم: بيلسان الأسود/ كاتبة سورية
*ما ورد في المقال يُعبر عن رأي الكاتبة، ولا يعبر عن رأي المدونة.
.

مقالة رائعة تركز على مراحل تطور الموسيقى وما واجهته من انعطافات وارتقاء بالذائقة الجمعية او الاساءة اليها.
إن كان الأدب مرآة للواقع فالموسيقا أيضا هي مرآة الشعوب والمجتمعات وثقافتها..
شكرا لمرورك أستاذ محمد ابراهيم.
مقال رائع…..
وتوجيه وتنبيه عسى نتدارك الأنحدار
الفني بالعالم العربي.
شكراً جزيلاً
مانمتلكه من تراث موسيقي رائع يستحق الوقوف لتدارك مزيدا من الانحدار..
تحياتي وكل التقدير أستاذ حسام الدين مصطفى
موضوع مهم جدا،
الموسيقا مرآة للعقل والروح واي تشوه باحداهما يؤثر على الاخر.. وما الرتم السريع حاليا والكلمات الهابطة الا محاولة للهروب من واقع مرير.. كالنكت التي تطلق للتنفيس.
ومتيقن ان سياسة القطيع تنطبق على الموسيقا..
تماما أستاذ مهدي تكرار النشاذ وتحويله إلى مادة دائمة في حياتنا يحوله باللاشعور لشيء مألوف..لذا علينا تدارك الوقوع في الفخ..
تحياتي لك
الإرتباط الوثيق بين اللغة و الموسيقى و هنا أقصد اللغة عامة دون حصرها في العربية هي دلالة تؤكد حقيقة أن الموسيقى لغة العالم هذا المفهوم الموجود منذ زمن لكن لا يوجد من يبصره سوى المهتمين و المختصين و لم توجد محاولة واضحة لتكريسها في المجتمع.
و أن مستوى موسيقى الشعوب تعبر بشكل جلي على حالها فالمثال جدا واضح و نعيشه في الواقع العربي
مقالة شيقة و غنية .
لكل لغة موسيقاها الخاصة.. ولكل لغة أيضا عددا من اللهجات الملحنة عفويا بمايتخللها من موسيقى وايقاع يتناسب ومخارج الحروف تبعا للبيئة الحاضنة وما تمتلكه من فولكلور وارث لغوي خاص بها وهو مايدعى باللهجة الخاصة..
أسعدني مرورك أستاذ سومر هابيل..
تحياتي