
يستطيع الموسيقيون خلق الحوار عبر الفن، وبذلك جعلوا من الموسيقى لغة عالمية واحدة لا تعترف بالحدود.
يجب معرفة كيفية العمل على إحياء الموسيقى التراثية، كي لا تذوب وسط الإيقاعات الغربية الغريبة عنها، موسيقى تتكلم عن الجذور والأصول، لدرجة يتمكن معها المبدع كتابة التاريخ عبر قطع موسيقية.
الموسيقى اللغوية والموسيقى الصوتية
اتفق المتخصصون على أن كل لغة من لغات العالم، لا تخلو من موسيقى لغوية تختلف درجة زخامتها من لغة إلى أخرى، لكن الموسيقى الصوتية ليست هي الموسيقى التي تعتمد على الإيقاع والنغم، التي تصدر من الآلات الموسيقية، بأنواعها الثلاث الرئيسية : الآلات الوترية، والآلات الإيقاعية، والآلات الهوائية.
إن الموسيقى اللغوية مدارها هو طريقة بناء الكلمة، وتركيب الجملة، وكيفية نطق الحروف تبعاً لكل لغة، بينما تقوم الموسيقى الصوتية على التوافق الصوتي الخالص بين الألحان، وهذا مالا نجده في اللغة بصورة عامة، لعدم توفر التوافق بين أحرفها ومخارجها، وقد يؤدي هذا إلى تنافر.
يزداد زخم الموسيقى اللغوية في الشعر، وهذا سر من أسرار استحسان النفس له، شأنه شأن اللغة العربية عامة، حيث ذهب كثير من الباحثين إلى أن اللغة العربية تمتاز من بين لغات العالم بخصوبة موسيقاها اللغوية، وطغيان الموسيقى إلى درجة أن أحد الباحثين قال :

(إن كل كلام عربي يمكن أن يحول إلى رموز موسيقية، تتشابه وتختلف و تتكرر وتتناظر، حتى يتألف من مجموعها قطعة موسيقية)، وهذا لا ينفي تلك الصفة عن باقي اللغات، التي استلهم منها بعض الفنانين ألحانهم الموسيقية كالموسيقار الروسي “موسورسكي”، بحسب رأي ” فؤاد زكريا”.
إن الموسيقى لغة وكلام، لكن أحرفها تختلف عن أحرف الكلام المعتاد وأصواته، ويكمن جوهرها بين الفرق مابين الاثنين، الكلام.. والموسيقى، فالموسيقى توافق صوتي خالص، وهي تستمد قيمتها من نفسها وليس من أمر خارج عنها، فهي غاية تراد لذاتها، لا وسيلة إلى أمر آخر.
أما الكلام، فهو مجموعة من رموز صوتية، لا تراد لذاتها، وإنما لأمر خارج عنها، وهو المدلول الذي وضع الرمز الصوتي ليدل عليه في عرف التخاطب.
الكلام وسيلة للوصول إلى فهم المعنى، عن طريق الذهن الذي يختزن لكل كلمة معنى، وإن اجتماع معانِ عدة كلمات، قد يشكل جمالاً تشعر به النفس، واستبدال كلمة بأخرى، أو عبارة مكان سواها، يقوي أو يضعف جمالها.
أما الشعور بجمال الموسيقى، فإنه يصل إلى النفس مباشرة عن طريق السمع، لأن الكلمات الموسيقية لا تدل كل بمفردها على معنى خاص بها، لكن العبارة الموسيقية بكاملها، قد تحمل قوة معنوية تؤثر في النفس مباشرة، دون أن يحلل الذهن معنى كل مقطع منها.

الموسيقى القرآنية
يرى كثير من الباحثين، أن الموسيقى القرآنية، يصعب شرحها، لما تمتاز به من عمق وسحر، لا يعرف مصدره تحديداً، وإن كان من الممكن الحديث عنه، وفي هذا
كما يقول الدكتور”مصطفى محمود” : (إنك لتشعر بشيء غير بشري تماماً، في هذه الألفاظ الهائلة الجليلة، المنحوتة من صخر صوان، كل حرف فيها جبل شامخ، لا يمكن تغيير حرفا، أو استبدال كلمة بأخرى، بحيث تتمكن من الحفاظ على الإيقاع ، والنغم، والحركة، والثقل، والدلالة).
وضع الموسيقيون مقاييس لمعرفة مدى جمال اللحن، وفي هذا يقول “ميخائييل الله ودي”: (إن القطعة الموسيقية مغناة، فإن صرف لحنها الذهن عن التأمل بمعاني الكلام فهي جميلة، لأن ذلك يفيد أن النفس قد هامت بها، ووجدت في اللحن ما يشغلها عن معاني الكلام، فلم يبقَ للذهن مجال كي يمثل دوره في تحليل المعاني، وإيصالها إلى النفس، التي انشغلت مباشرة بجمال اللحن، أما إذا كانت القطعة الموسيقية صامتة أو مغناة بلغة لا يفهمها السامع، فإن حركت في النفس شعورا ما، أو رسمت فيها صورة واضحة مما تقدم ذكره، فهي قطعة جميلة، ومن شروطها أن تخلق شعورا من الغبطة، والفرح، أو الحزن والاستكانة، والعطف، أو الحماس، أو غيرها من الأحاسيس المتعددة، ومن خصائص موسيقى كهذه أن تحمل المرء على الانتباه والإصغاء، وتشغله حتى لا يرد على سائل إذ يتخيل نفسه مرفرفة فوق البحار، أو منطلقة نحو مجاهيل الأرض، كالعصافير المزقزقة).

من هذا القبيل فإن ما ادعاه بعض الباحثين أن القرآن يتضمن أفكاراً موسيقية حرة، وسياق كلامه يدل على أنه يريد الموسيقى الصوتية، ولايقصد الموسيقى اللغوية، بدليل أنهم قد شبهوا الموسيقى القرآنية بما يصدر عن الأغصان عندما تداعبها الرياح، وأنهم قد دعوا الفنانين إلى دراسة الموسيقى من جرس القرآن الكريم، فالقرآن نزل ليكون منهج حياة للبشرية جمعاء.
إذا كان للموسيقى هذا الدور الرئيسي المؤثر على الدماغ والإبداع، فماذا ننتظر من أجيالنا الصاعدة من إبداعات، ضمن ما تتلقاه أسماعها من موسيقى وفنون منحدرة وهابطة.
بقلم: بيلسان الأسود / كاتبة سورية
*ما ورد في المقال يُعبر عن رأي الكاتبة، ولا يعبر عن رأي المدونة.

موضوع رائع جداً شكراً لكِ سيدتي .
أتمنى لهذه المنصة وكاتبيها ومشرفيها مستقبل ريادي وقائد فكري وتنويري لهذه الأمة العربية والإسلامية.
وتطرح الحلول لتطوير وتنوير البرامج لتدريب جيل يقودنا نحو الأفضل.
تستحق الثناء والتمييز
شكرا لمرورك أستاذ حسام الدين..وأشاركك الأمنيات لإدارة هذه المنصة الثقافية الرائدة بالتوفيق.
سلم قلمك
استوقفتني العبارة الأخيرة، وللأسف فإن ما يدخل أدمغة الأجيال من كلام وأفكار بالإضافة إلى الموسيقا كله هابط وكله بحاجة إلى فرمتة.
بالنسبة إلى موسيقا القرآن الكريم فإن مصطفى صادق الرافعي في كتابه تاريخ آداب العرب حلل الآية (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر) موسيقياً، وكم تمنيت أن يأتي أحد ويحلل سورة بكاملها، أو يذكر أمثلة تطبيقية غير هذه الآية…
شكرا لمداخلتك القيمة سيدة بنان..حقا نحتاج إلى وقفة جدية ومسؤولة وعلى ارفع المستويات في تكوين ذائقة هذا الجيل الصاعد والمظلوم ..وبحاجة لفتح بحث يتعلق بموسيقى القرآن الجميلة..سنحاول العمل على هذا الجانب مستقبلا..
أشكرك ثانية..أسعدني مرورك الجميل والعميق