في مناهج النقد الأدبي

وصلت المقاربات النفسية النص بالمبدع، وأنزّلت الإبداع في حقل اللاوعي، واهتمت المقاربات البنيوية بالجوانب الشكلية في النص، أما المنهج الاجتماعي فقد عمل على أن يصل الخطاب الأدبي بالبنية الاجتماعية والسياق التاريخي، واعتبر أن كل بحث في الفنون والآداب ينبغي أن ينطلق من الحياة الثقافية في علاقتها بالبنى الاجتماعية المولّدة للنص، والحاضرة في نسيجه الفني، بل إن البنيوية التكوينية باعتبارها منهجاً من المناهج الاجتماعية، قد قامت على تصور أساسي يرى أن الخصيصة الجامعة للإبداع الأدبي، تتأتى من أن بنى العالم الأدبي متماثلة مع البنى الذهنية لبعض الفئات الاجتماعية، أو هي في علاقة جلية معها، ولكن إذا كان الأدب نسيجاً إبداعياً، عالماً متخيلاً تتعدد وتحتدم داخله الأحداث أفلا تكون القراءة انصهار مع النص؟ أفلا تكون استنطاقاً للنص وكشفاً لخفي القول فيه ؟.

في استجابة النص الأدبي للقراءات المتعددة

مما لا شك فيه أن القراءة عملية صعبة ورحلة شاقة، لما في الكتابة الإبداعية من عنت وتوتر، وقديماً قال “التوحيدي”: (إن الكلام على الكلام صعب) ، فالقراءة تواصل عسير بين ضفتين من التعبير، هي قول على قول ولفظ يُحيل على لفظ، معاناة ومجازفة لا تخلو من مصاعب، واللفظ ههنا مأتى لصعوبةٍ أساسها عدم القدرة على النفاذ إلى مظان النص، واكتناه مجمل قيّمه الفنية وإشاراته القريبة أو البعيدة بوصفها طاقة لتوليد الدلالات، والقراءة بهذا المعنى تغدو لقاء بالنص، استدعاء له حتى في أشد لحظاته غياباً، مساءلة واختراقاً لدواخله وإنصاتاً لأصواته.

إذا كانت القراءة دخولاً في النص للكشف عن مجاهله، واستقراء قوانينه الداخلية، وسننه اللغوية بحثاً عن العلاقات القائمة بين عناصره، فهي أيضاً خروج منه لوصل العلامة اللغوية بالعلامة الاجتماعية، وتنـزيل الخطاب في إطار مرجعه الثقافي، ولن يكون ذلك الخروج ناجعاً مفيداً، إلا بتتبع إيحاءات النص ورموزه وخفي القول في دواخله، وتسهم القراءة بهذا المعنى في إبراز توجه النص العام وعلاقته بالأشياء والعالم، ثم إن النص كثيراً ما يوجه عملية القراءة وسنن التلقي فيُضيء علاقته بالقارئ، ويوجهه إلى أنساقه التعبيرية ونظمه الجمالية والفكرية، ويعقد بينه وبين المتلقي عقداً خفياً يفتح إمكانات جديدة أمام قراءته.

كما أن المنهج الأقوم هو الذي يُسائل النص في تعدده واختلافه وينظر إليه من مواقع شتى، باعتباره فضاء تجاذب للغات ودلالات متعددة، هذا بالإضافة إلى أن قيم النص وقدرته على الخلود تقترنان بمدى استجابته إلى أكثر من قراءة، وإلى أكثر من تأويل قصد الظفر ب”النص الأقصى”، فتختلف معاني النص باختلاف القراءة، وأزمنتها، ومواقع النظر فيها، ويتضاعف الإشكال المنهجي إذا تعلّق الأمر بنصوص تستجيب إلى أكثر من قراءة، مما يجعل مقاربات مختلفة تحاول أن تخترق هذا العالم المتعدد الإيحاءات، قصد تحليله وفك رموزه، وكما يقول “رولان بارت”: (النص فضاء لأبعاد متعددة، تتزاوج فيها كتابات مختلفة وتتنازع دون أن يكون أي منها أصلياً، فالنص نسيج لأقوال ناتجة عن ألف بؤرة من بؤر الثقافة) .

  • بتصرف، من كتاب ( الحلم والذاكرة في نثر بورخيس) الصادر عن دار الطليعة، دمشق، 2006، خولة حسن الحديد
  • اللوحات الفنية للفنانة العراقية فريال الأعظمي.

4 Comments

  1. Nabil Ibrahim July 29, 2020 at 11:27 am - Reply

    الموضوع جميل, لكن سؤال تبادر الى ذهني لماذا “من النقد الى القراءة “, قد أكون مخطئ, تبدو لي ” من القراءة الى النقد ” هي الأولى.

    • kmarabia July 29, 2020 at 6:59 pm - Reply

      شكرا نبيل، لأنه عالم النقد الأدبي قام على فكرة”النقد” التي تتضمن شيء من التقييم للنص الأدبي، ومع تطور الفكر والفلسفة وتعدد مشارب المعرفة الإنسانية وتداخلها، وظهور نظريات تولي أهمية لدور القارىء”المتلقي”، أصبح النقد الأدبي يبتعد عن مفهوم التقييم ويقترب من مفهوم القراءة، القراءة التي تفكك النص وتصل إلى فهم بناه الأساسية، وتمنحه دلالات متعددة، تتنوع بتنوع القرّاء، ولذلك كان العنوان هو شرح عملية الانتقال من النقد إلى القراءة.

  2. Maya Samaan July 29, 2020 at 9:44 pm - Reply

    شكرا خولة للنص الممتع والمفيد في تقريب القارئ للفهم ومكانته من القراءة ومحور استيعابه للنص المتركز بالدرجة باللغة التي تربطه معه ،فاللغة جسور العقل للدخول الى الأعماق النفسية لكن يبقى السؤال هنا كيف يمكن للقارئ أن يتوصل للرسالة ابمطلوبة من كتابة النص والهدف منه طالما هو مؤطر بأفكاره المؤدلجة في عقله من خلال مفردات لغته ؟
    وهل النصوص مفيدة دوما الى أن تكون حمالة أوجه بعيدا عن تركيز الهدف ؟
    شكرا جزيلا وعاشت هالانامل الجميلة

    • kmarabia July 30, 2020 at 4:43 am - Reply

      شكرا مايا، النص الأدبي يشبه اللوحة الفنية. تختلف قراءته وتتعدد بتعدد الأذواق الفنية والأدبية عند الأشخاص، والفروق الثقافية بينهم، وخصوصيات بيئاتهم ومستوى وعيهم، وغالبية النصوص قابلة لتعدد القراءات، ومن هنا جاءت نظريات التلقي وموت المؤلف، ومنح أهمية للمتلقي، ولا يمكن الوصول لدلالة مشتركة بين الناس لأي نص من النصوص إلا إذا تشابهت ظروفهم وبيئاتهم ومستويات وعيهم. لذلك يبقى النص متعدد المعاني والدلالات بتعدد القرّاء. شكرا لاهتمامك الدائم مايا.

Leave A Comment