يستند النقد النفسي للأدب إلى تقنيات النقد النفسي التي انبثقت بشكل أساسي من مدرسة التحليل النفسي، وتطورت في اتجاهات متعددة بدءاً من “فرويد” وصولاً إلى “لاكان”، و”باشلار” وغيرهم، ويُمكن هنا الإيجاز في وقفة سريعة عند هذه التقنيات.
التحليل النفسي للنص الأدبي
يطرح التحليل النفسي للأدب على النص الأدبي سؤالين أساسيين، يتعلق أحدهما بحيثيته، والآخر بوظيفته.
بالنسبة لحيثية العمل، فقد قيل – دون حق في بعض الأحيان – إن النص ليس إلا حُجة للتحليل النفسي، وما هو مؤكّد أن (ما قبل النص) هو الذي يحيل إلى نصٍ ثانٍ، النص حينئذ يُقرن بحلم أو بأسطورة، أو بلعبة، والقول بأن العمل الأدبي حلم أو أسطورة أو لعبة ليس أكثر من مجرد استعارة استراتيجية خالصة، ممكن أن نرفضها، وإذا اعتمدناها نحصل على نتائج قد تثير حفيظة النقاد والأدباء، ولكن النقد النفسي استفاد من آلية تلك الاقترانات، ليوضح أن وراء بعض الاستعارات الملحة وبعض التكرارات، أو العبارات الغريبة، ووراء بعض البنى الدرامية أو الشاعرية، وبعض خصوصيات الكتابة، بنية دالة أساسية، من الممكن الكشف عنها استناداً إلى عدد من المبادئ التي تتوفر في النص الأدبي.
لابدّ من الإشارة إلى أن النقد النفسي الذي هو في البداية تحليل نصي، عندما يتجاوز مستوى اللغة ليقترب من مستوى الدوافع والصراعات، فهو ليس تحليلاً نفسياً، وليس لدى النقد النفسي هذا الطموح الذي ظن بعض تلامذة “فرويد” المتهورين أن باستطاعتهم تحمل تبعاته، وللناقد النفسي شخصية مخرج مسرحي، ولكن ذلك لا يميزه عن أي ناقد آخر، وإن لكل نقد مواضعاته وإن كانت ضمنية، ومواضعات النقاد النفسيين تتمثل ببساطة في مسايرة اللاوعي على طريقة كل من (فرويد، ويونغ، وميلاني كلاين وآخرين..)، دون أن يصل الأمر بأصحابها إلى حد اعتبار أنفسهم محللين نفسيين، وهم يمارسون وظائفهم ومع غياب الشخص (المُحلَل أو المُتَابع).

- (لكل نص أدبي لاوعيه)* الناقد الفرنسي جان بيلمان نويل.
علينا أن نتخيل حسب الرؤية اللاكانية الساخرة (نسبة إلى جاك لاكان) تحليلاً نفسياً عبر المراسلة، والتفسير التحليلي عندما يعمل في إطاره المناسب كما يقول “لاكان” لا يهدف إلى فرض دلالة معينة، ويلتقي مع “فرويد” أيضاً في هذه الوجهة، وبذلك تهدف القراءات النفسية للأدب إلى إنشاء مجموع “دال” يأخذ بالحسبان رؤية العالم اللاواعية التي يشهد بها عمل المؤلف، وقوام التفسير ضمن هذا الهدف يكمن في التقطيعات، والانفصامات الملاحظة في خطاب الموضوع ، أكثر مما تكمن في أن نفرض على هذا الأخير دلالات حتى لو كانت وراء حجاب، ويصبح التحليل النفسي في هذه الحالة أداة ثقافية تحدث قطعاً للمعنى، واختزالاً عقلانياً، ولها قيمتها في عيون النقد الأدبي، شأنها شأن علم الإناسة (الانتروبولوجيا) والبنيوية والفلسفة وعلم الجمال، يلتقي “فرويد” و”لاكان” عند هذا الموضوع، ليقولا إن الفنان يتأكّد بواسطة عمله، أنه يعرف بدون التحليل النفسي ما يعلمه التحليل النفسي ويعرف ما وراء ذلك، وبهذا الصدد يقول “فرويد”: (الشعراء والروائيون حلفاء كرام لنا، ومن الواجب تقدير شهادتهم حق قدرها، لأنهم يعرفون فيما بين السماء والأرض، بأشياء كثيرة لا تجرؤ حكمتنا المدرسية على أن تحلم بها بعد، وهم في معرفة النفس البشرية، معلمونا وأساتذتنا نحن معشر العامة، لأنهم ينهلون من موارد لم تفلح بعد في تسهيل ورودها على العلم).
ماذا يُقدم التحليل النفسي لقراءة النص الأدبي؟
من المهم التوضيح إن الارتكاز إلى مقولات التحليل النفسي في النقد الأدبي، لا يخضع للنظرة العامة (السائدة) التي تتعامل مع النص الأدبي كإسقاط لشخصية المؤلف، ويعتمد إلى فك رموزه على اعتبار ما تتضمنه من عقد نفسية، وملامح شخصية لصاحبه، ومن خلال ذلك يمكن فهم طبيعة الإنتاج الفني كما يظن البعض، على أن “فرويد” نفسه يقرُّ بصراحة تامة، أننا لن نستطيع الإطلاع على طبيعة الإنتاج الفني من خلال التحليل النفسي، وإنَّما ممكن إنجاز أبحاث لا تزيد على أن تكون نوراً يسطع في أماكن تركها بقية العلماء مظلمة، ومن هنا ممكن الاستفادة من التقنيات التحليلية في نظرتها للأحلام، والرموز، والأساطير، وكونها تنبع من مكان واحد هو (اللاشعور) الذي كان وما زال أوسع ميدان لعلم النفس، وهو الأساس الذي تقوم عليه مدارس التحليل النفسي على اختلاف مشاربها، ومضامينها.

يُمكن للنقد الأدبي وفق منهج التحليل النفسي أن يبحث مثلاً في الأساطير والرموز التي يتضمنها النص الأدبي، كما في الأحلام والذاكرة في محاولة لفك رموز مضامينها، كما قمت شخصياً بدراسة هاتين الموضوعتين في كتاب ( الحلم والذاكرة في نثر بورخيس)، تُشكل تلك التقنيات (النفسية) هداية بالنسبة للناقد، فالمعرفة عن الأحلام وآليات التذكر في النصوص موضع القراءة – على سبيل المثال – تُقدم معطى أولي لجهة جمع المعلومات، وتصنيفها في إطار محدد بغرض تحليلها، ودراسة بنيتها وموضعها الوظيفي الجمالي في النص، فقد يستخدمها الكاتب كتقنيات فنية تلعب دوراً مهماً أساسياً، أو ثانوياً في صياغة النص الأدبي، ولتخدم المعنى والدلالة حيناً، في حين تخدم الأسلوب الفني حيناً آخر، وعلى هذه الشاكلة يُمكن استخدام كل تقنيات ومفردات التحليل النفسي في قراءة النص الأدبي.
- بتصرف، من كتاب ( الحلم والذاكرة في نثر بورخيس)، الصادر عن دار الطليعة، دمشق، 2006م، خولة حسن الحديد.
