مازالت زهرة الياسمين تواصل رحلتها الأبدية، مُشَكِّلة الشاهد الحيّ والأجمل، على جميع من حلّوا ورحلوا، تاركين أوابدهم موطناً تصدرت فيه تلك الزهرة الخالدة، حدائق وعروش الملوك، وأزقة وشرفات البسطاء، مواكبة بما امتلكته من سرعة في النمو، والإزهار، والتساقط ، ثم الإزهار من جديد، ديناميكية الكون عبر ولوج الليل في النهار، والنهار بالليل.
الياسمين في وجدان العرب وشعرهم
لم يحظ زهر باهتمام العرب كما حظي الياسمين، فالياسمينة زهرة عربية بالدرجة الأولى، و شرق أوسطية بشكل خاص، يكمن سرها في ذاتها وصفاتها التي تميزت بها عن غيرها من الزهور، إذ لا يوجد نبتة مزهرة ذات رائحة جميلة، تُزهر يومياً قدراً كبيراً من الزهور الصغيرة الحجم، وعظيمة الأثر سوى الياسمين.

احتل الياسمين مساحة بارزة في الشعر العربي، والأندلسي على وجه الخصوص، عندما جاور شعراء الأندلس الحدائق الغنّاء، التي أثارت في نفوسهم مشاعر الحنين إلى الشرق وطنهم الأم، فقاموا بتقليد شعراء المشرق في محاكاة الطبيعة وأجادوا، بل تفوقوا بذاك النوع من الشعر، نظراً لما اغتنت به طبيعة الأندلس من جمال قال فيه ” ابن خفاجة الأندلسي” :
يا أهل أندلس لله درّكمو ماء وظلّ وأنهار وأشجار
وصف شعراء الأندلس الريّاض، والبساتين، والأزهار، وفي مقدمتها الياسمين، الذي كان من الأزهار المحببة لدى الأندلسيين، ك( المعتمد بن عباد)، الذي عبر عن جمال زهرة الياسمين وعطرها في قوله :
وياسمينٌ حسنُ المنظر يفوق في المرآى وفي المخبر
كأنّه من فوق أغصانه دراهم في مطرف أخضر..

أما الشاعر (المعّتضد بالله بن محمد بن عباد)، فشبه زهرة الياسمين بكواكب بيضاء في السماء، والشعيرات الحمراء التي تتسرح في صفحتها بخدّ حسناء عندما قال:
إنما ياسميننا الغضّ كواكب في السماء تبيضّ
والطرق الحمر في جوانبه كخدّ حسناء مسه عضّ
يُمكن تصنيف زهرة الياسمين ذات اللون الأبيض على وجه الخصوص بزهرة المجتمعات الإنسانية، مواكبة مسيرة تلك المجتمعات بود وإلفة، تؤنس فيها وحشة الغريب، وتبعث بشذاها الأمل في حنايا النفوس.
يُشبه “ابن المعتز”، زهرة الياسمين بحلّية نفيسة، صنعتها يدّ ماهرة:
الياسمين في ذرا الأغصان منتظما كقطع العقيان
فقد لاح زهر الياسمين منوّرا كأقراط درّ قمّعت بعقيق

أما الشاعر (صفوان بن إدريس)، فقد منح زهرة الياسمين مشاعر إنسانية، عندما وصف تشابك أغصانها مع أغصان شجيرة الآس، بحالة عشق إنساني:
بدت زهور الياسمين فقبلت عني عذار الآسة الملساء
الياسمين في الشعر العربي المعاصر
- نزار قباني وتلازم دمشق والياسمين
كان الياسمين حاضراً في الشعرالعربي المعاصر، وفي شعر الرومنسيين، وكذلك في شعر الغزليين، وعلى رأسهم نزار قباني، الذي شغل الياسمين مساحة كبيرة من شعره، فكان أحد أهم رموزه الشعرية، والتي عبر من خلالها عما خالجه من عواطف:
شكرا لطوق الياسمين.
وضحكت لي..
وظننت أنك تعرفين معنى سوارالياسمين.
يأتي به رجل إليك، . ظننت أنك تدركين.

كما ارتبط اسم دمشق بياسمينها ارتباطاً وثيقاً، أصبحت معه زهرةالياسمين، رمزاً طبيعاً لدمشق عبر العصور، بما حققته من انتشار داخل بيوتها وحدائقها المنزلية، مهيِئة مناخاً شعرياً استلهم من خلاله نزار قباني أحلى الكلمات والأشعار، مؤكّداً أن للياسمين حقوقاً شرعية في تلك البيوت، إذ يقول:
للياسمين حقوق في منازلنا وقطة البيت تغفو حيث ترتاح..
أنا الدمشقي لو شرحتم جسدي لسال منه عناقيد وياسمين وتفاح

ولم تغب دمشق عن بال وقلب الشاعر “قباني”، حتى وهو في أقاصي العالم، وبهذا الصدد يقول: ( لا أستطيع أن أكتب عن دمشق، دون أن يعرّش الياسمين على أصابعي، إن لغتي مشتقة من مفردات الياسمين).
لقد عبّر “قباني” عن شوقه لدمشق وانتمائه الدائم لها في قصيدة ” ترصيع بالذهب على سيف دمشقي”، يقول فيها:
(هل دمشق كما يقولون حين في قلب الليل فكر الياسمين )

- محمود درويش ودلالات عدة للياسمين
في الشعر الحداثي المعاصر، كان للياسمين إضافة إلى دلالته الجمالية، دلالات أخرى كما في شعر “محمود درويش”، فقد تناول في شعره المفهوم السائد لزهرة الياسمين، والتي عبّر من خلالها عن الحب والشوق، في قوله :
دعيني…
أذُبِ الآن بجسم الكستنا والياسمين
أنت -يا سيدتي- فاكهتي الأولى
وناما…

أضاف “درويش” إلى قاموس زهرة الياسمين احتمالات جديدة، كان فيها الياسمين الوطن والدم، والحرية، وبوابة من بوابات فلسطين، التي يرتبط اسمها بالياسمين حتى في موسيقاها، وبعض أحرفها( ياسمين ـ فلسطين)، فيشبه الفدائيين الذين يتساقطون كل يوم ، بأزهار الياسمين، التي تتساقط كأنّها قناديل بيضاء، وتعود لتتجدد وبكميات كبيرة، ويخاطب “درويش” أحمد العربي فيقول :
لاوقت للمنفى وأغنيتي..
سيجرفنا زحام الموت فاذهب في الزحام
لتصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين
كما استخدم “درويش” رمز الياسمين دعوة للحرية في قوله:
ونفتح باب الحديقة كي يخرج الياسمين إلى الطرقات نهاراً جميلا
نحب الحياة إذا ماستطعنا إليها سبيلا

ويقول “درويش” في قصيدته “طوق الحمامة الدمشقي”:
في دمشق تداعبني الياسمينة
لاتبتعد
وامش في أثري
فتغار الحديقة:
لاتقترب من دم الليل في قمري.
يليق بهذا الحضور البهي البريء لأزهار الياسمين، رحلة اجتازتها منذ آلاف السنيين، بنقاء، وشفافية، وحيادية، كانت معها هذه الزهور بما امتلكته من بياض، رسالة سلام على مرّ العصور.
*بقلم: بيلسان الأسود.

جميل جداً هذا السرد البسيط الناعم كرهرةً الياسمين عن حضور هذه الزهرة البهيه في وجدان هذه الامه وكيف تمثل في الأدب كما هو في ذاكرتنا نحن وحاضرنا. كان لامي رحمة الله عايها يومياً في أمسيات الصيف طوَّق ياسمين في عنقها تضم أزرار الورده بالإبرة والخيط. لتزين عنقها. وغي البوم التالي توزعها في خزائن الملابس والبياضات. حتي تصفر وتجف . وتعيد الكرة طوال موسم الياسمين . شكراً بيلسان
شكرا لمرورك الياسمين سيدة نوران..الياسمين شكل جزءا مهم في تكويننا النفسي باللاشعور نفتقده إن غاب عن أي مكان ندخله، ويغدو مبتورا رغم كل مافيه من نباتات وءزهار ان غاب اللياسمين..
رحم الله الوالدة وجميع الأمهات كن ذواقات