في السابع عشر من فبراير/شباط 2021م، تمر الذكرى السنوية الأولى على رحيل الشاعر والناقد السينمائي “بندر عبد الحميد”، الرجل الرصين، الرهيف، الهادىء، الموسوعي الثقافة، المتنوع الفكر والرؤى الجمالية، البدوي الطافح بالكرم، الذي كان بيته في دمشق العاصمة ملاذاً لكل من يقصده من الأصدقاء، وأصدقاء الأصدقاء، والمعارف، وكل من يتشارك معه الهم العام، وذاك الإبداعي والثقافي منه على وجه الخصوص، والذي جعل العديد من المبدعين العرب مطاردين في بلدانهم، فوجد كُثر منهم في بيت “بندر” المكان الحميم الذي منحهم الدفء والطمأنينة، وقد كتب العديد منهم عن ذلك في رثائهم له، مما لا يُمكن حصره، وبهذا السياق كتب الروائي العراقي شاكر الأنباري:
(جسّد لي الشاعر بندر عبد الحميد روح دمشق الثقافية في تلك السنوات التي عشتها هناك، والرجل تاريخ، خبير في تفاصيل الواقع الثقافي لسوريا كلها، وكان بيته الصغير واحة لقاء شبه يومي، غالباً ما نجتمع فيه مساء مع شلة تتغير بتغير الظروف، تراقبنا من الجدران المزخرفة أسماء، وتواقيع، ولوحات ماض بعيد يعود إلى عقد السبعينيات، يلتقي في ذلك البيت، الرسام والشاعر، والمترجم والروائي والسينمائي)*.
من قريته الصغيرة “تل صفوك” في ريف محافظة الحسكة ومن هذه المدينة، إلى دمشق لدراسة أدب اللغة العربية ومن ثم إلى هنغاريا لمواصلة دراسة الصحافة، والعودة لدمشق لتصبح مكان الإقامة الدائم، تشكّلت تجربة بندر الغنية جداً، والمتنوعة، فما بين الشعر والكتابة الصحفية، والنقد السينمائي، والعمل لمدة عشرين عاماً في قطاع النشر، أمضى الرجل ما يُناهز الخمسين عاماً من عمره في كتابة الشعر برؤية جمالية منفتحة، نضجت وتبلورت ليُصبح من أبرز وجوه الشعر بين جيلي السبعينيات والثمانينيات، إذ تنوعت أنماط وأشكال كتابته الشعرية، ما بين الشعر التقليدي الموزون، وشعر التفعيلة، وقصيدة النثر، والتي أصبح أحد أبرز كتّابها، ومتأثراً بأجواء تجربة شعراء الحداثة وما بعد الحداثة أصبح أحد كتاب مجلة “شعر” التي كانت تصدر في بيروت، وبالرغم من ذلك بقيت تجربته متفردة، ويصعُب تصنيفها أو تأطيرها، فهي التي تعبر كل التيارات الفنية وتتأرجح بينها، وتنهل من مناهلها، لتخرج بخصوصية لا يُمكن تجاوزها، فيها من الشغف والانشغال اليومي ما يجعلها تقترب من يوميات الناس، ومفردات حياتهم الاعتيادية، الواقعية، وصولاً إلى أقصى درجات السريالية.

*من قصيدة ( سوزان المجنونة):
في القرى البعيدة يعتقدون أن عنزة تطوف
على البيوت- توزع الغضب والكآبة على
جماهير الأطفال- أما سوزان فإنها تستقبل
الكآبة في مشاهد الاضطهاد والخوف
والكذب- موجة من الكآبة وموجة من الحب
المجنون- هكذا تتألق حياتها وهي تنمو
كشجرة برية لا تخاف العطش-
بقى صوت بندر الشعري فارقاً ونوعياً، ضمن تجارب من عاصرهم من أبناء جيله، ذلك الصوت الذي تجلى أيضاً من خلال الشغف بالسينما وعوالمها الفاتنة، والتي يجمعها مع الشعر سحر الصورة، وما تستدعيه من توهج المُخيلة.
*من قصيدة ( انتظار القطار):
بعد قليل، يصلُ القطار إلى المحطة
إلى رصيف القُبلات، والدموع
دائماً، دائماً
ثمة قطاران يسيران نحو المحطة
قطارُ العشاق
وقطارُ الأسرى
ومن المؤسف دائماً
أن الناس يزدادون وحشية
كلما تطور الفن
في هنغاريا (المجر)، وخلال دراسته للصحافة، تعرّف بندر على السينما وفنونها التي سحرته وأسرته، فأصبح بعد عودته لدمشق أحد أهم نقّادها، والمساهمين الأساسيين في إصدار المجلات والسلاسل السينمائية، فكان من مؤسسي مجلة الحياة السينمائية، المجلة الفصلية التي تصدر عن وزارة الثقافة السورية، وصدر منها أكثر من مئة عدد خلال حياة بندر، كما أصدر سلسلة كتب بحثية في مجال السينما، ضمت أكثر من 300 كتاب تتنازل نجوم السينما في العالم، وبرؤيته النقدية المتميزة ساهم بشكّل فعّال في تطوير العديد من التجارب السينمائية السورية والعربية، وكان ضيف مميز على العديد من مهرجان السينما العربية، وأحد أهم المحاورين في الورش والندوات التي تُنظم ضمنها، وأحد أعضاء لجان تحكيم العديد من المسابقات والمهرجان السينمائية، وعندما أدار فرع دار المدى للنشر في سوريا، نشر العديد من المؤلفات السينمائية.

الصمت والعزلة كموقف ….
بعد الثورة السورية والحرب التي شُنت على الشعب السوري، رحل غالبية أصدقاء بندر عن البلاد، وبقي هو في دمشق مودِعاً الأصدقاء واحداً تلو الآخر، ويكسر عزلته بالتنقل بين شوارع دمشق التي يعشقها، وحاراتها، وأسوقها، وخاصة في حيي الصالحية، والشعلان، القريبان من منزله في شارع العابد، ومقهى الروضة الذي كان يجمعه بغالبية الأصدقاء، ومن عرفوه من كتّاب وصحفيين وسينمائيين، ولم يكتب بندر في الصحافة عن شؤون الثورة والحرب، وهو من تنبأ بها قبل سنوات طويلة:
هنا الشرق
لا الشمس تأتي
ولا الصنم المتحجر ينهض من نومه
يذبحون النساء وبعض الرجال.*
فكان صمته موقفاً، وهو المؤمن بأهمية التغيير الجذري الشامل، واليائس من أجواء الحياة الثقافية العربية، ففي عام 2009م، قال لجريدة الأخبار اللبنانية: (لا حلّ إلّا في التغيير الشامل، وليس في إصلاحات الترقيع)، وأضاف: (الحياة الثقافية العربية ليست متوقّفة… بل تتقهقر إلى الخلف، وبسرعة، ما يثبت أننا منعزلون تماماً، وبإرادتنا، عما يجري من تحوّلات في العالم).* فالصمت أيضاً قد يكون موقفاً، كالكلام تماماً، فنحن نصمت لنقول الكثير أحياناً، وخاصة إذا الكلام الذي يُقال في الحدث الراهن، هو تكرار لما قلناه مرات ومرات، كما فعل بندر من قبل، وبصمته وعزلته الأخيرة اعتبره الجميع أحد أعمدة دمشق، وأبهج قناديلها المُضيئة، وبابٌ ثامن يُضاف إلى أبوابها السبعة، لذلك كان رحيله صدمة وخسارة فادحة للجميع، ففي يوم رحيله، كتبت جريدة الشرق الأوسط:
(رحل بندر عبد الحميد آخذاً بعضاً كثيراً من الذاكرة الثقافية في سوريا، مغلقاً الباب الثامن من أبواب دمشق الذي ولجه شاباً بدوياً غريباً، وغداا أحد معالمها الأجمل.)
- على سبيل الامتنان والعرفان، لا بدّ أن استذكر أن معرفتي ببندر عبد الحميد، كانت قد توطدت بعد تقديمه لكتابي (السينما والإعاقة)، الصادر عن دار العوام عام 2007م، وبدون معرفة مُسبقة بي، قرأ بندر الكتاب باهتمام، وبودٍ بالغ، وبعين الناقد العارف كتب تقديماً مهماً للكتاب، وكان ذلك مصدر فخر كبير بالنسبة لي، فبصمته الدائمة على هذا الكتاب ستبقى أثراً وتذكاراً غالياً، لا يُمكن تقدير مكانته في قلبي، وكان ذلك فاتحة تعارفنا وتواصلنا كلّما تنسى لنا.

ومما جاء في ختام تقديمه للكتاب:
(هذه دعوة نبيلة إلى إنصاف مجموعة بشرية، صامتة، تعيش معنا بمشاعر طيبة، لا تحل مشاكلها الجمعيات الخيرية، إنّما المؤسسات الوطنية، الحضارية التي ترقى بها، وتحقق أحلامها المشروعة، لتكون قوة منتجة، ومبدعة في مجتمع متحضّر).

- مصادر:
*جريدة الشرق الأوسط، 17 فبرير 2020م.
* موقع المدن الإلكتروني، 18 فبراير 2020م.
*جريدة الأخبار اللبنانية، الثلاثاء 20 كانون الثاني 2009م.
* كتاب السينما والإعاقة، خولة حديد، دار العوام، 2007م.
*د.خولة حسن الحديد.
