اليومَ حضرتُ كشاهدٍ على عقد بيع الحقل الزراعي الذي يملكُه جارنا صالح، الرجل الذي يدعوه الناس كافة بلقبه المألوف والمعروف؛ “صويلح”.
كان المشتري تركي الزعرور، هو الآخر معروفاً في محلتنا وجوارنا. وكان مشهوراً بأنه أحد أكبر أثرياء المنطقة وملَّاكيها، وأكثرهم جشعاً وبخلاً، واستغلالاً للظروف التي تدفع بعض الفلاحين لبيع أرضهم. على أية حال، كل هذا لم يزد على أن يكون محض إشاعات ونمائم بريئة لا هدف لها، مما يتداوله الناس عادة عن تركي الزعرور، ولستُ واثقاً من دقة هذه الشائعات وحقيقتها.
ظهراً، وبحسب موعد مسبق، جاءني دلال الأراضي جمعة الضايع، المعروف بلقبه الشائع بين الناس: أبو حميد، وطلب أن أرافقه حتى كوخ صويلح المصنوع من أعواد الزلّ والقصب، والمُشاد فوق الأرض في حقله، وقد بناه ليتظلل أفياءه الباردة في الجو القائظ، ويتذرأ به من سموم الحر في الصيف؛ وذلك لكي أكون شاهداً على عقد البيع الذي سوف يُكْتَب ويوقع بين صويلح البائع، وتركي الزعرور، الذي عقد العزيمة أخيراً على أن يشتري أرض صويلح.
كان الدلال جمعة الضائع يغتاظ كثيراً من لقب “دلال أراضٍ”. فكان يردُّ في شيء من العصبية والحساسية المرهفة تجاه هذا اللقب، بأنه ليس دلال أراضٍ، إنما هو تاجر مضارب في سوق العقار. مع أن أحداً ما، لم يستوعب أية تجارة، ولا أية مضاربة ضاربها الدلال أبو حميد، في حياته كلها، أو في أي يوم مضى.
ومع أن الجميع يعلمون علم اليقين، بأن هذه المساومة بين صويلح وتركي، ظلت قائمة منذ سنوات خلت، حتى وَقَرَ في أنفس الناس جميعاً بأن تركي لم يكن بالجدية الكافية، ولا القناعة التامة بأنه سوف يشتري الأرض في نهاية الأمر. ولكن ها هو أخيراً يشتري، وها هو صويلح أخيراً يقنع بأن يبيع. وقد حضر تركي الزعرور اليوم برفقة رجلين من أصدقائه، لكي يمضي عقد البيع بشروطه المتفق عليها.
كان الدلال جمعة الضايع، قد ضرب موعداً لأربعة شهود سواي. وبرر ذلك بأن خمسة شهود قليل على هكذا عقد. حيث أنه ـ ومن باب الحيطة الملزمة والتحسب الواجب ـ حتى لو مات شاهدان أو ثلاثة منا، بعد عمر طويل، وفي مقبلات الأيام، فإنه يبقى مع هذا شاهدان على العقد، على قيد الحياة، فيما لو حدث أمرٌ سيء لا سمح الله، أو نكولٌ من أحد طرفي عقد البيع: صويلح، أو تركي الزعرور. وهو أمر يتوقع دلال العقارات أن يقع في أية لحظة، مثلما يتوقعه أيضاً سائر الناس.
والملفت للنظر أكثر، أن كل أهل منطقة تل السمك، باتوا مطلعين على العروض التمهيدية المتعلقة ببيع هذه الأرض وشرائها، والسعر المدفوع تقلباً بين ارتفاع وانخفاض، بدءاً من التلميحات التي يسمونها في المنطقة بـ “رمي الكلام”، أو “فقط تسميع قول، لا أكثر” وانتهاءً بالمعارك الكلامية والسجالية التي وقعت كثيراً بين صويلح وتركي الزعرور.
كذلك بات الجميع على معرفة تامة بشروط تركي الكثيرة؛ والتي سمع الناس كثيراً منها، وأشاعوا شروطاً أخرى ملفقة من عندهم، زُعم بأنها كانت تقف حائلاً في إتمام ذلك البيع، الذي أصبح بمرور الأيام أمراً مستبعداً، وغير محتمل الحدوث.
المهم في الأمر أن سائر الناس في تل السمك، قد باتوا ملمين بأدق التفاصيل حول السعر المدفوع ثمناً لحقل صويلح، والشروط التي كانت تنتهي دوماً إلى رفض مبرم قاطع من قبل الفلاح صويلح، وإصرار من قبل طالب البيع تركي على تلك الشروط.
وخلاصة المسألة، فإن الدلال جمعة الضايع أبو حميد، الذي كان يجري ذهاباً وإياباً بين طرفي العلاقة، لفترة ربت على السنتين، استطاع أخيراً أن يذلل أكبر الصعوبات التي منعت صويلح من بيع حقله لتركي.
كان صويلح قد ظل يصر لسنوات خلت على طلبه في أن ثمن الأرض، لن ينقص عن خمسين ألفاً. وأنه في حلٍ من أن يدفع للدلال أبو حميد، ليرة واحدة زيادة، لما يدعونه (كمسيون البيع) فيما لو حصل ووافق الطرفان على البيع، لذلك لجأ أبو حميد الدلال أخيراً، لأن يتوافق مع تركي ـ بعد مفاوضات طويلة ـ على دفع عمولة خاصة برانية، مقابل أن يُخَفّض صويلح من السعر الذي يشترطه للحقل، إلى حدود الخمسة والأربعين ألفاً. وهذا ما حصل فعلاً، بعد لأي وجهد شاق بذله الوسيط العقاري أبو حميد. فوافق الطرفان على إتمام عقد البيع أخيراً، وتقابلنا جميعاً في ذلك اليوم في كوخ صويلح المصنوع من القصب، وتظللنا أفياءه الباردة التي تقي حر الظهيرة الحارق في ذلك الصيف. ثم قدم صويلح لنا، نحن ضيوف كوخه، الشاي والماء المبرد، وبعد حديث مجاملات استطال قليلاً، أخرج الدَّلال أبو حميد دفتر العقود من حقيبة يدوية كان يتأبطُها، وأفرد منه ورقة بيضاء سميكة، وكبيرة الحجم. وتوجه بالسؤال للجميع:
ــ هل نبدأ كتابة العقد على بركة الله؟
ظل صويلح معتصماً بصمته. بينما نبس تركي الزعرور أخيراً يقول:
ــ نبدأ.. توكل على الله، وباشر شغلك الذي تعرفه.
فبسمل أبو حميد وحوقل، وعدَّل من جلسته المتراخية، بحيث اتخذ وضعاً في وسط المجلس يشي بالوقار وكثير من الجد. ثم شرع بالقول بصوت حرص على أن يكون مسموعاً لجميع الحضور، وهو يخط بالقلم في أعلى الورقة الكبيرة:
[ بسم الله ونستعينه
وعلى بركة الله كتبنا، نحن الحاضرين جميعاً
عقد بيع “شقفة أرظ“
الطرف الأول البائع: صالح بن حمود
الطرف الثاني المشتري: تركي الزعرور
بعد التوكل على الله عز وجل قررنا، نحن الطرفين، البائع والمشتري، وبمساعي السيد جمعة الضايع، الوسيط العقاري الضامن، والمعروف في المنطقة كلها باسم أبو حميد، أن نمليَ هذا العقد بشروطه المتفق عليها، وأن نختمه بتواقيع وبصمات من حضر من الشهود العدول، كما هو مبين أدناه.
وبناءً عليه فقد تقرر أن الطرف الأول صالح، قد باع للطرف الثاني تركي كامل “شقفة الأرظ” الزراعية التي يملكها. وقبض ثمنها كاملاً غير منقوص، وهو مبلغ خمسة وأربعين ألف ليرة. وذلك وفق شروط البيع المدرجة والمفَصّلة كما يلي:
حدود “شقفة الأرظ” المباعة، موضوع هذا العقد:
يحدُّ “شقفة الأرظ” من الجهة الشمالية كوم الفخار، الذي يفصلها عن “شقفة أرظ” لمجاور يدعى أبو فرعون. وهو كوم كبير من الحجر والفخار، معروف في المنطقة كلها من قبل الأهالي، وكان قد رَجَدَهُ أحد أبناء المنطقة قبل إحدى عشرة سنة، وهو المتوفي المرحوم المدعو أبو شعبان، وذلك لغاية تسكير الغار الذي كان يسكنه حنش أسود سام اللدغة. وهو معروف لدى الأهالي جميعاً باسم غار الحنش. ويُعتبر غار الحنش وكوم الحجر الذي سكَّر المرحوم أبو شعبان فتحته، واقعاً كله في “شقفة أرظ” أبو فرعون. وفتحته حد طبيعي فاصل بين “شقفة أرظ” صويلح وجاره أبو فرعون. وبناءً عليه فقد تقرر..]

صاح صويلح فزعاً معترضاً على مدونة العقد التي كان يخطها أبو حميد:
ــ مهلاً مهلاً.. مكانك، لا تتحرك.. ولا تكتب حرفاً زيادة.. رجاءً أبو حميد.. لا تكمل الكتابة.. هناك غلط في السالفة..
جمدت كف أبو حميد التي كانت تكتب، ورفع رأسه قليلاً، مثبتاً نظراته المتسائلة بضراعة وجزع، مغبة الفشل وخشية انهيار الصفقة.
فأردف صويلح يشرح قائلاً:
ــ كوم الفخار وغار الحنش كلها تقع ضمن حدود أرضي. وليست في ملكية أبو فرعون.
اعترض تركي الزعرور على كلامه بنبرة لا تخلو من تحدٍ، ولكن بهدوء مخيف:
ــ كوم الفخار ليس في أرضك يا صويلح.
ــ بلى.. في أرضي، وملكيتي..
ــ قلتُ ليس في أرضك.. وفي العموم، فكل حيِّز المساحة التي يشغلها غار الحنش وكوم الحجر هذا، لا تتعدى الثلاث خطوات بالفشخة المتوسطة..
أجاب صويلح، بغضب محاولاً ما أمكن أن يخفي استفزازه من ملاحظة تركي الأخيرة:
ــ كوم الفخار أربع خطوات، بالفشخة الكبيرة، وشبران تامان. ثم ما أدراك أنت بأن الكوم كله لا يتعدى ثلاث خطوات؟ هل سبق أن قسته حضرتك؟
ــ أجل.. خلال سنتين ونصف مضت على البازار، بيني وبينك، حاولت تقدير مساحته بخطواتي أكثر من تسع مرات.
فانبرى الدلال أبو حميد، معترضاً على تلك الشحناء التي غشيت حديث الرجلين:
ــ الأمر لا يستحق كل هذا الخلاف.. نستطيع أن نسجل في العقد، بأن حد أرضك الشمالية، تقع ابتداءً من منتصف كوم الفخار، وذهاباً حتى مقلب البحص.
سكت الطرفان، البائع والشاري، علامة الإقرار والموافقة على هذا الحل المبتكر والمنصف. فتابع الدلال أبو حميد كتابة في ورقة العقد:
[ وبناءً عليه فقد تقرر بأن كوم الفخار وغار الحنش يقع نصفه في “شقفة أرظ” صالح، ونصفه الثاني في “شقفة أرظ” أبو فرعون. وقد رضي الطرفان بذلك..]
فأردف صويلح، محذراً ومعترضاً:
ــ يجب أن تشير دونما لبس، بأن الطرف الأول، الذي هو أنا، غير مسؤول عن أي ظهور للحنش الأسود السام في المستقبل، ولا أتحمل مسؤوليةً ولا وزراً ولا ضرراً لو أنه ظهر فجأة لا سمح الله..
قال تركي:
ــ هذا أكيد.. وما علاقتك أنت فيما لو ظهر الحنش مرة ثانية؟
فأعقب صويلح قائلاً:
ــ وجود أي حنش في أي “شقفة أرظ”، لا يعدُّ عوراً ولا عيباً يعيب “الأرظ”.
فأضاف أبو حميد القول، في شبه إشفاق ساخر من سذاجة صويلح:
ــ الحنش تم طمرُهُ بالحجر منذ إحدى عشرة سنة، فهل تظنه ما يزال حياً حتى اليوم؟
قال صويلح:
ــ وإن يكن.. قد يظهر بعضُ أفاعٍ او أحناش متوالدة من سلالته.. أنا لا علاقة لي بالأمر.
فصادق تركي الزعرور على قوله:
ــ هذا أكيد.. لو ظهر الحنش أو أحدٌ من سلالته فهذا قضاء وقدر، وليس بقدرة أحد منعُ أمر الله.
ــ ولكن ألا يجب تثبيت هذه المسألة في العقد، من باب الاحتياط لا أكثر؟
قال تركي:
ــ أنا موافق.. لا أرى مانعاً..
فانكبَّ أبو حميد على ورقة العقد، وأضاف يخط كتابة:
[ وبناءً عليه فقد تقرر خلو مسؤولية الطرف الأول صالح من كل أذية قد تظهر يوماً ما من جهة الحنش، أو صغاره من أحناشٍ أو أفاعٍ صغيرة، في يومٍ ما..]
ثم رفع بصره، مسائلاً ومتلفتاً نحوهما في وقت واحد:
ــ فيما يخص الحد الشمالي انتهاءً بمقلب البحص، هل من معترض على أنه يقع كاملاً في “شقفة أرظ” صالح، ولا علاقة لـ”أبو فرعون” به؟
قال صالح:
ــ هذا بديهي.. لا يوجد اثنان في هذا العالم يختلفان حول مقلب البحص.
وأيد تركي قائلاً:
ــ وأنا لا يوجد لدي أي اعتراض.
رجع الدلال أبو حميد ينكبُّ على ورقة العقد، واستأنف يخط بقلمه:
[ وبناءً عليه فقد تقرر بأن مقلب البحص يقع كاملاً في “شقفة أرظ” صالح، وهكذا أقرَّ الطرفان البائع والمشتري بالقبول بالحد الشمالي المجاور لـ”شقفة أرظ” أبو فرعون.
كما يحدُّ “شقفة الأرظ” من الجهة الغربية، ابتداءً من مقلب البحص حتى طعس السعلوة أم دارم. وبناءً عليه أيضاً، فقد تقرر بأن الطرف الأول البائع صالح، ليس مسؤولاً أية مسؤولية، ولا يتحمل عاقبة، في حال ظهور السعلوة أم دارم، فيما لو حدث أن ظهرت يوماً ما..]
اعترض صويلح، مستدركاً على الدلال القول:
ــ أضف القول: ولا حتى إن ظهر يوماً، أحد أبنائها أو بناتها من الجن.. ثم إن أم دارم جنية مؤمنة وليست سعلوة.
فتساءل تركي:
ــ وما الفرق..؟ نفس الشيء..
ــ بل هنالك فرق كبير.. السعلوة تمط جسمها حتى تطاول عنان السماء. ولا يوجد سَعَالٍ مؤمنين بالله مثلنا.. بينما الجنية لا تقدر على ذلك.. وأم دارم من الجن المؤمن.
تدخل تركي قائلاً:
ــ تقدر أن تمط جسمها حتى يصل عنان السماء..
ــ لا تقدر.. وأراهنك على ذلك..
ــ لا أراهن.. أصلاً الرهان حرام شرعاً..
أضاف صويلح:
ــ وجود جنية في أي “أرظ”، لا يعد عوراً ولا عيباً يعيب “الأرظ”. وعدا عن أن الجنية أم دارم لم تظهر لنا منذ أكثر من سبع سنوات، فقد كانت من أخوتنا الجن المؤمنين بالله واليوم الآخر، ولم تؤذِ أحداً منا يوماً ما.. سجّلْ ذلك في العقد..

فاستأنف الدلال يخط بقلمه في صحيفة العقد:
[ وبناءً عليه فقد تقرر بأن الطرف الثاني المشتري، رضي، بعد معاينة “شقفة الأرظ” موضوع هذا العقد، بجوار الجنية أم دارم، التي تسكن خلف الطعس المعروف من الجهة الغربية، ولا يُحَمِّل الطرف الأول صالح أية مسؤولية أو تبعة في حال ظهور الجنية، يوماً ما، هي أو أحد أبنائها أو بناتها من الجن.
كما يحدُّ “شقفة الأرظ” من الجهة القبلية، ابتداءً من زاوية الطعس، وانتهاءً بالزاوية القبلية الشرقية، المعروفة بأرض النزازة، والتي تحوي في طرفها بئر المياه الجوفية السطحية الخاصة بـ”شقفة الأرظ”، حتى تلامس زاويتها تنور أم اسماعين المتهدم..]
صاح صويلح:
ــ مهلاً.. مهلاً.. أفسدت عقد البيع كله.. البئر ارتوازية وليست سطحية.
اعترض تركي قائلاً:
ــ البئر سطحية، وتحتاج إلى نزح مائها وتبحيره بين كل فترة وأخرى..
ــ ارتوازية قلت.!
ــ بل هي سطحية.. هذه معروفة لا تحتاج إلى ذكاء شديد..
ــ تراهن؟
ــ لا أراهن.. الرهان حرام شرعاً.. ثم لا تنسَ أيضاً بأن “الشقفة المنززة من الأرظ”، في زاويتها القبلية الشرقية، تعدل ثلاثة دوانم من النزازة تقريباً.
ــ دونم وربع.
ــ دونمين ونصف.. وأزيد من ذلك أيضاً.
ــ قلت دونم وربع.. أنا حسبتها عشرات المرات.. وقستها بالمتر والذراع وخطوة الرجلين.. تراهن على أنها لا تزيد عن دونم وربع؟
ــ لا أراهن.. الرهان حرام شرعاً.
ضجر أبو حميد من مجادلات تركي وصويلح، فانشأ يقول، وهو ينفض القلم بيده عدة نفضات، لكي يدفع بالحبر من مؤخرته إلى المقدمة:
ــ يا جماعة.. هذه نقاصة عقل من كليكما، ولا توأخذاني على هذا الرأي وهذا الحكم.. فالأرض تشرب من ساقية الدولة التي تمر في جهتها الشرقية، والواردة من ساقية نهر الشريعة. وبالتالي فلامعنى لجدالكما حول نوع البئر وكمية مياهه..
تجاهل صويلح ملاحظة الدلال أبو حميد، وانبرى يقول فيما يشبه أن يكون افتخاراً:
ــ هل تعلم يا تركي بأن تنور أم اسماعين المتهدم ،عمره أقدم من عمر هذه الأرض بزمن.. بل لعله بُنِيَ قبل أن تلدني أمي..
قال الدلال أبو حميد:
ــ قبل أن تلدك أمك أنت؟ تنور أم اسماعين المتهدم..؟ بل قل قبل أن تلدَ جدتُك أباك.. بل وحتى أقدم من ذلك..
تجاهل تركي الحديث الأخير، وهتف يقول:
ــ ذكرتنا بالدولة وساقية الدولة.. من جهتي أصرُّ على أنني أستلم “شقفة الأرظ”، بريئة الذمة من كل دين أو رهن، هذا أولاً.. أما ثانياً، فأنا أستلم “شقفة الأرظ” بريئة الذمة تجاه أي مصرف من مصارف وبنوك الدولة.. هذان الشرطان يجب ذكرهما صراحةً في العقد. وما عداهما لست بمهتمٍ أو عابئ بأي شيء يتعلق بالدولة.. فلتُضَرّطها الدولة معي بعد أن تصبح الأرض في ملكيتي..

فرجع أبو حميد إلى تتمة كتابة شروط العقد مرة ثانية، وخط بقلمه:
[ وبناءً عليه فقد تقرر بأن الطرف الثاني المشتري، قد اشترط على الطرف الأول البائع، من جهة إبراء ذمة الأرض تجاه الدولة وحقوقها، بالشرطين التاليين: أن تكون الأرض أولاً غير مرهونة ولا مديونة لأيٍ كان من خليقة الله. وأن تكون بريئة الذمة ولو بليرة واحدة تجاه كل مصارف الدولة. وقد صرَّح بعظمة لسانه، أنه غير مهتم بكل ما يتعلق بالدولة، ولتضرطها الدولة معه في أية مشكلة تتعلق بـ”شقفة الأرظ” قد تظهر في المستقبل، وفيما عدا هذين الشرطين، فهو يتحمل كل مسؤولية تجاه الدولة.
كما يحدُّ “شقفة الأرظ” من جهتها الشرقية، ساقية الدولة الواردة من نهر الشريعة. والتي تلتفُّ لتلامس كوم الحجر المرجود فوق غار الحنش. وبذلك تم تحديد الأرض، وعليه تم تسليمها واستلامها، بشروط البيع المنصوص عليها في هذا العقد، وبتوافق من كلا الطرفين: البائع والمشتري. وقد شهد الشهود الخمسة على ذلك، وشهدتُ أنا، جمعة الغريب، كاتب هذا العقد ومحررَه، والله خير الشاهدين، بالتاريخ المذكور أدنى الصفحة. ونختمه بقراءة الفاتحة الشريفة على نية البركة والتيسير، وبقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}.]
معبد الحسون، كليرمون فيران ـ Clermont-Ferrand ـ 8/ 2/ 2021
كاتب سوري من مدينة الرقة، مقيم في فرنسا، له عدد من المؤلفات، منها: ( الرقة والثورة – شهادة شخصية)، وثلاث روايات هي (الحرب، قبل حلول الظلام، حين نُفِخً في الصور)، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات البحثية والمقالات.
*الأعمال الفنية، للفنان الهولندي “جوزيف أوجست نيب”.
