بوحٌ في حضرة الأرق
بالتفافٍ حول نفسي يمنةً ويسرةً، رحت أتوغل بين حنايا غطاء نومي تارة، وفراشي تارة أخرى، أحايل أرقاً يتسلل كي يكون بديلاَ لاشرعياً عن نوم هانئ، استودعته ذاتي منذ زمن قليل بثقة وطواعية، كي يمضِ بي نحو عالم من السحر والحلم.
دونما جدوى أحايل هذا المتطفل بالالتفاف حول نفسي من جديد، ها أنا أتنصل مرغمة من رحلتي المنقوصة، بعد أن تمكن هذا القادم من إيقاظ حواسي ووعيي لأسبابه المجهولة.
استسلمت باستقرار داخل فراشي، وبدأت أتنبه لما يحيط بي من أشياء، لم أكترث بها من قبل.
تك..تك..تك إنه عقرب ثواني ساعة الحائط، ذاك المخلوق من ضعف مادي وآخر زمني، يتابع بدأب ومثابرة دورة لاتنتهي، غير عابئ بما تستقدمه ثوانيه من أرق، وما يختلسه من زمن يشكل أعمارنا.
لاشك بأن قليلاَ من الإصغاء لهذا المثابر الدؤوب، ضمن هذا البحر من السكون، كفيلاً باستبعاد أشد حالات النوم تسلطاً.
انتقلت تلقائياً نحو مكوّن قديم جديد من مكونات الغرفة، إنها مروحة السقف، القابعة الآن خارج زمانها في اللا وعيّ، بعد أن أرسلت أضلاعها الثلاث ببلاهة وغباء، ومضت نحو ثباتها الشتوي، لا يغزو نومها أرق، ولا تأبه بما يحيط بها من أشياء، ضقت ذرعا بهذا الحضور اللا شرعي لتلك المروحة ضمن هذا الفصل الشتوي، الذي سيمتد حتى أوائل صيف قادم، معه ستستعيد تلك الغافلة شرعيتها من جديد، منافسة عقارب جارتها الساعة.

في مديح الأرق
اتجهت يُمنةً نحو نافذتين تنسدل نحوهما بدلع وانسجام ستائرمن الموسلين، تساءلت : هل باستطاعة تلك الستائر الشفيفة حجب خيوط فجر قادم؟ لو تمكنت من استبعاد هذا الأرق الذي لم يزل رغبة مستعصية.
ضوء أليف يراوغ ستائرنافذتي اليُمنى بخجل وتردد، إنه ضوء القمر، الذي أترقبه بشوق منذ مولده إلى أن يغادر سمائي هلالاً كما أتى، وليُصبح هذا اللقاء أكثر مباشرة، أبديتُ بعضاً من استطالات كسلى، لتنحية ماتيسر من تلك الستائر، التي تشكل عائقاً ما بيني وهذا القمر.
أطل القمر هلالاً مبتسماً، يستعد للمغادرة مع أواخر هذا الشهر القمري، من شعور مماثل بالأرق والوحدة ربما، بعد أن خلد جميع عشاقه في نوم عميق، جاهلاً أن هناك من يشاركه ذات المشاعر خلف تلك الستائر، ربما سيحمل هذا اللقاء، مايؤنس وحشة كلٍ منّا.
تلاشى مع هذا الحضورالبهي ماساورني من أرق، ورحت أستقبل أنفاساً جديدة ملؤها النشوة والرضا، مطلقة العنان لما تختزنه روحي بعفوية وارتياح، فاللقاء جدّ خاص، ويستوفي شروطه كاملة، بعيداً عن أية أعين متطفلة، وألسنة نمّامة تسكن الآن أفواهاً فاغرة، يستغرق أصحابها في نوم عميق.
بدأت تطفو نحو مخيلتي ذاكرة ارتبطت أحداثها مع هذا القمر، يزاحم كلٌ منها الآخر، لاحتلال المشهد الأول في هذا اللقاء.
هل للقمر ذاكرة يتمكن معها من معرفة عشاقه عند كلِ حضور ورحيل؟

هل تذكرني أيها القمر؟
وهل تذكر عهدنا القديم معاً، عندما كنت تطل نحونا من سماء ذاك البيت الدمشقي المفعم بالجمال والحب والألفة، حيث كنت تلقي في أرجائه، ما أثقل كاهلك من ضياء بعد عناء سفرك وانتظارنا الطويلين، وتروي ظمأك من بركة مرمرية تتوسط فناءه، فيتحول بحضورك ذاك المكان الأموي الأندلسي لملتقى أحبة من أهل وجيران، غافلٌ عن فتاة تترقب بصمت وفرح ذاك الزفاف القدسي وتراتيله، فينتابها مالا تدركه بعد من بواكير عاطفة طفلة، تنأى بها بعيداً نحو سطح ذاك البيت كي تبوح لك بما يخالج قلبها وروحها، في لقاء كنت فيه قمرها وحدها، والمؤتمن الأضمن على أسرارها.
(وقعدت الحلوة تغزل بمغزالها، وتراجع حساب العتيق ببالها).
أدركت مع ما أبداه القمر من ابتسامات أنه مُتذكّر لم ينسَ.
عن قمر محمود درويش
يشارك القمر عشاقه أفراحهم وأحزانهم أيضاً، فهو من شاركني مصابي الأليم بافتقاد شاعري الأسير “محمود درويش”، حين أصابه خسوف حجب معه الضياء عن عالم بات خالياً من قمرين، لكن لشاعري رأيٌ مغاير في وصف القمر، فقد كان يراه غبيّاً وبارداً، وبرتقالي حزين، وفضولي في كثير من الأحيان.
انتابتني الحيّرة بين قمر روحي وعقلي “محمود درويش”، وهذا القمر الذي أضاء ظلمة ووحشة ليالييّ.
كيف لم يدرك “محمود درويش” رغم نبوءته وبصيرته جمال ومعنى القمر؟! إذاً من كان يضيئ ظلمة ليله ودرب قلمه؟ ولماذا لم يقف محايداً، كي ينأى بعشاقه عن حيرة المفاضلة ما بين قمرين لهما ذات صفات العلو والسمو، وهذا الحشد الهائل من العشاق ؟!
أم هو التنافس البديهيّ بين متكافئين، ولعل شاعري قد ارتأى أنه أكثر تفوقاً عبر ما تبناه من فكر وتفوق حسيّ، كان الأقدر على ترجمته إلى لغة سامية عمّت أرجاء الأرض، وإن ظهوره للملأ كان مباغتاً، و فاتناً، ومدهشاً، لا يخضع لقوانين كونية و زمنية أومكانية، إنه من كان دائماً حرّ..وحرّ..وحرّ…..

أما هذا القمر فإن ظهوره رتيباً يذعن لقيود زمنية ومكانية، يتجرد معها من أية إرادة، عدا ما يستمده بلا جهد من أمه الشمس.
بنظراتِ خجولة عدت أتامل القمر، لما ساورني من شعور بذنبٍ اقترفته، ربما لما انتقصته من مقام هذا البهي بتلك المفاضلة المفترضة تلك..
لا بدّ من إيجاد قاسم مشترك مجازي مابين شاعري والقمر، فربما كان القمر رفيق درب الشاعر عند الرحيل الأول إلى لبنان، أو ربما ولسوء حظه كان رفيق ما أعقب ذاك الرحيل من انتكاسات، من بيروت حتى أوسلو، وما رافق ذاك الترحال من مآسٍ، حياتية وسياسية لقضيته الدامية “فلسطين”.
لم أجد غير المجاز سبيلاً للخروج من تلك المفاضلة لأقول لشاعري :أيُّها الاستثنائي في كل شيء، يامن امتلكت من اسمك كل صفاته، لم أستطع إنكار المقام المحمود لكل منكما، وأنا من بتُّ حائرة بمناظرة غير مسبوقة ما بينكما، إن ما يمكنني قوله الآن: أنك لو علمت ما أصاب هذا القمر من خسوف عند رحيلك، لاعتذرت عما أبديته في حقه من وصف، رغم أنك لا تعتذرعما فعلت، أم أنك ستبقى خائفاً من القمر؟ وأنت القائل:
خبّئيني. أتى القمر
ليت مرآتنا حجر
ألف سرّ سري
وصدرك عار
و عيون على الشجر
لا تغطّي كواكبا
ترشح الملح و الخدر
خبّئيني.. من القمر
وجه أمسي مسافر
ويدانا على سفر
منزلي كان خندقا
لا أراجيح للقمر..
خبّئيني.. بوحدتي
و خذي المجد.. و السهر
و دعي لي مخدتي
أنت عندي
أم القمر؟
*بقلم: بيلسان الأسود

شكراً بيلسان علي هذا البوح الرقيق .والرومانسي
شكرا لمرورك الجميل سيدة نوران..
جميلة اطلالتك من جميع النوافذ