صباح خميس مشمس، كان مشمسًا أكثر من اللازم، والمعرفة المبكرة كما تعلم ياصديقي هي القاتل الخفيّ وليعذرني جمع الأطباء، كنت أتمشى على شاطئ البحر حين التقيت بطفل رضيع مرميّ بين القمامة، وقلت لعلَّ الأمواج هي من حملته إلى شواطئنا القذرة جدًا، رحت إليه قافزًا كالكنغر وانحنيت على رأسه وصرخت بأذنه:
هااي أيها الطفل اللعين ماذا تفعل هنا؟
أجِبني ياتعيس الحظ من رمى بك إلى حينا الكئيب؟!
ورحت أنخز بطنه بإصبع قدمي الكبير، أتصدق إن قلت لك أن إصبع قدمي كان أكبر من رأسه كاملًا! وكررت نخزه مئة مرة ولكنه لم يجب، ثم بدأت أشد له أذناه وأنفه، وأجعل من وجهه يشبه وجه الفقمة، أنت أيها الفقمة الليعنة استيقظ ودعنا نتكلّم قليلًا، وحين لم أجد استجابة منه بصقت بوجهه ورحلت أقفز كإبرة تخيط جرح الشاطئ.

جلست قليلًا أتأمل البحر عند صخرة قضمت الماء نصفها الأجمل، وأتساءل عن هذا العالم الخفيّ المخيف، وماذا سأجد بأعماقه، وأفزعتني فكرة أن أجد لديهم طبيب جشع كالذي بحيينا، لأني أعتقد كما تعلم ياصديقي بأن طبيب حيينا يعود لسلالةٍ من مصاصي الدماء، فكلما مررتَ بجانبه وقذفته بالسلام، يركض نحوك ويمسك برأسك ويهزّه خمسين مرة، ويصرخ يا إلهي إنك تحتضر وستموت بعد أسبوع كأقصى حد، هذا إن رحمك الرب، ويسحبك من قدمك اليمنى كدابة إلى مسلخه، وينخز أسنانه بمؤخرتك وأقصد هنا بجيبك، ويمص دمائك الملونة إلى النهاية، وبعد أن يفرغك من نقودك يعود ويسحبك من قدمك اليسرى، ويرمي بك على حافة الطريق بالجهة المقابلة، ويطالبك بدفع ضمانات قبل دخولك مسلخه بالمرة القادمة، وأنت تعلم أن الرب لو كان سيرحمك لكان سحب لسانك قبل أن تقذفه بالسلام، ولكنه لن يفعل، و ستستمع لكلام زوجتك اللطيفة وتصدقها، وهي غبية بكل حال كما تعلم ياصديقي بما يكفي، لأنها ستكرر كببغاء أمام أهل الحيّ أن هذا الطبيب قد أخرج من رأسك فخذ حمار، وثلاث أصابع من معدتك الخاوية تعود لدجاجة، وأن الأطباء جميعهم ملائكة رحمة، وأنت هو الثعلب الماكر سارق دجاج الحيّ، وأهل الحيّ كما تعلم أغبياء بما يكفي كذلك، لأنهم سيقذفون الطبيب بالسلام مجددًا كلما مروا بجانبه، وأنت لن تجرؤ على الكلام كي لاتغرّم بدفع فواتير عشاء الثعلب.

فجأة أرعبني صوت قريب ألصقني بالصخرة وقذفني للواقع الساخن، فتسللت خلفها بهدوء كفأر حقل، ومددت رأسي قليلًا ورأيت رجلًا وامرأة، وكانا بعمر واحد، لقد كانا أصغر بكثير من الطفل الذي رأيته مرميًا منذ قليل، كانا يحملان شيئًا فيما بينهما ويمشيان سعيدين على الشاطئ، وبعد أن جلسا بدءا بتقبيله وملاعبته، ورحت أحك رأسي ككلب غزته قبيلة من القراد، وظننت بدايةً أن الشمس الحارقة فعلت مافعلت بي وجعلتي أهذي، ومسحت عيناي سبعين مرة برأس الطفل، أقصد بأصابع أقدامي الكبيرة، وعاودت النظر إليهم، ولكن لم يختلف المشهد، رجل وامرأة يمسكان بكيس قمامة ويلاعبانه ويقبلانه، فقررت أن أقترب منهم لأتأكد إن كنت أحلم أو أن ما أراه حقيقة، ورحت أقفز إليهم
هااي عمتما باللاوقت أيها الجميلان.
*عمت باللاشيء أيها الكنغر
ماهذا الذي تحملانه بين أيديكم؟
نظرا ببعضهم وانقلبا ضاحكين وقالوا: هل لديك ضعف رؤية؟ أم أن حرارة الشمس أثرت على رأسك أيها الصغير المدلل؟
*أعتقد أنني أعاني من الحالتين معًا، ولكن ماهذا ؟
إنه طفلنا أيها الغبي !
*هل أنتما زوجان ؟
نعم.

*حسناً سأعرفكما على نفسي: أنا الطفل كنغر، وعمري اثنا عشر عامًا، وأقطن في الحي السابع من تجمع القمامة.
أهلاً بك. أنا الطفل الزوج وعمري سبعة عشر عاماً، وهذه الطفلة الزوجة وعمرها أربعة عشرة عاماً، وهذا طفلنا التعيس وعمره مئة عام.
*أوه جميل. لقد رأيت طفلاً مرميًا هناك ككلب قذر، عند بداية الشاطئ المتسخ فهل تعرفان صاحبه؟
لا. ولكننا مررنا من هناك منذ قليل، ورمينا بكيس قمامة ولم نرَ شيئًا، لعلّ حرارة الجو أثرت بعقلك، وأنصحك أن تذهب لطبيب الحي.

فهرعت هاربًا أقفز نحو البحر إلى أن وصلت للحافة، وبقفزة واحدة بدأت أهوي نحو القاع محاولاً اكتشاف خفاياه، سقطت لأربع سنوات متواصلة مختبئًا من مصاص الدماء الذي يقطن بحيينا متخفياً بلباس أبيض، وليذهب ذاك الطفل كغيره للجحيم.
*بقلم: محمود عبود
*اللوحات الفنية من أعمال الفنان العالمي: سيلفادور دالي.
