من مذكرات ولدي المتوفي بحادث حب فظيع – التاريخ من مساء كل يوم.
كل ما أحتاج إليه هو ليلة واحدة هادئة، ليلة واحدة أعيد بها ترتيب عقلي، أحتاجها
ليلة كاملة بكل ظلامها، من غير القمر ولا النجوم ولا حتى السماء، أريدها ليلة
حقيقية حافية كعقلي، وسأعيد ترتيبهم من جديد بما يناسبني.
هناك أشياء غريبة تحدث ليلاً كما تعلم ياصديقي، هناك شعور مريع وطمأنينةٌ ساذجة، ولا أريدها ليلة مُضاءة، أريدها تشبهني فأكسر بها الصور، وأمتدّ بها خارجاً من نفسي ملامساً الفضاء، أريدها شبيهة بي مهجورة كمدينة تحت الأرض لم يكتشفها أحد بعد، فأتمدّد بها كحيوان طفيلي، كحيوان ليلي، أريدها أن تدهشني بكل ما أوتيت من تفاصيل، وأنا لستُ حزيناً ياصديقي، ولكني مستعد أن أضحي بنفسي مقابل تلك الليلة، وأعتقد أنك تفهمني، فنحن الحيوانات الليلية نفهم بعضنا بعض على عكس باقي حيوان الحيّ، نحن نعلم الرابط المشترك فيما بيننا ولاداعي للكلام، نحن الحيوانات الليلية لا نجيد شيئاً أكثر من الصمت، نفينا أنفسنا بأنفسنا عن هذا العالم العاهر، فلاشيء قابل للإصلاح، والنهار لايصلح لفعل شيء حقيقي سوى بث الإعلانات الإباحية، وإيجاد الحلول الكاذبة للمشاكل الزوجية، وتحديد النسل على أرصفة الطرقات المتسخة، وبعدها قذف البصاق المتبادل أثناء الحوار الحضاري كما هي العادة لدينا، أريدها ليلة أجدّد بها نفسي كي لا أختنق، أقرأ بها الكتب، وأضع قدماً على قدم وأدخن السجائر الرديئة وأطفئها بعين ماركس وأبصق بوجه أفلاطون، أريدها ليلة هادئة كئيبة أحدّث بها جميع الآلهة وأصارحهم بهذا الفشل الفظيع، أريد ليلة لا تشبه ليالي العاشقين، كي أُقتل بها بعيداً عن الجميع فلا يعلم أحد بذلك، ولا أسبب الإحراج لأحد بإظهار المشاعر الحزينة، أريدها ليلة هادئة مظلمة باردة، كي أدفن بها من دون وصية ولا ببغاء ينبح على قبري، يلقّنني ماعليّ قوله، فأنا إن لم أكن بالمزاج الجيد لن أتكلم عن الفتيات الجميلات، ولا أريد أن يدفن معي أي شيء، إلا ساعة يد ميكانيكية تعمل على النبض.

لقد كانت علاقتي بها مختلفة عن سواها، كانت نامية بكل شيء وبشكل مستمر، كنا متشابهين ومختلفين جداً، كنا نكره صوت الريح والكذب، نحب الموسيقى والكلاب، وكانت تحب الديناصورات فتقول لي إنها حيوانات أليفة والتاريخ كاذب، وتراهن على ذلك، ولو أنها عاشت بزمانهم لجلبت واحداً للمنزل ووضعت له عقداً برقبته وسمّته “نسيم”، وكنت أكره الديناصورات، فهي حيوانات غير مكتملة والتاريخ كاذب، وأراهن على ذلك، فربما كان للديناصورات أذنان كبيرتان كالتي عند الفيلة، وما أدرانا؟ وكانت تقول ربما كان لها عيون متلألئة ومُلونة، وكنتُ أقول ربما كان لها ذيل كالخنزير، وما أدرانا؟ كنا متشابهين كثيراً ومختلفين والتاريخ كاذب.
في أحد أيام الخميس كنا جالسين معاً نتابع إحدى القنوات والتي كانت تبث حلقة عن تسامح الأديان وتشابهها، وكان الحضور من القساوسة والشيوخ، وكانوا يبتسمون للكاميرا في كل دقيقة، قالوا إن الرب واحد في جميع الديانات ولجميع البشر والتاريخ كاذب، والشيخ يشرب العصير ويبتسم للكاميرا، وقالوا أننا نعيش بحالة من الإيخاء والمودّة والتاريخ كاذب، والقس يشرب العصير ويبتسم للكاميرا، وقالوا أننا نعيش بحالة إلفة ومحبة والتاريخ كاذب، فتبادلنا النظرات بمحبة، ولأنها محتالة أضافت للنص قبلة، وفي نهاية الندوة تصافح الجميع بكل ودٍّ والجميع يبتسم للكاميرا والتاريخ كاذب.

في الصباح قررنا أن نذهب للمحكمة ونستخرج ورقة لزواجنا، تضمن لنا موافقة المجتمع، ففي حيينا ياصديقي كما تعلم لايكفي موافقة الشاب والفتاة، بل يحتاجون موافقة الأهل بالمنزل، وموافقة أهل الحيّ كله، والأكوان الموازية غير المُكتشفة أيضاً.
خرجنا في صباح اليوم التالي، أمسك بيدها مبتسمين، نمشي قليلاً ونركض كثيراً كما يحدث في الأفلام القديمة كما تعلم والتاريخ كاذب، وصلنا للمحكمة ومَثلنا أمام القاضي، قلنا سوياً وبصوت واحد: سيدي القاضي، إننا بريؤون ولكن التاريخ كاذب.
أخذ منا البطاقات الشخصية، وبدأ يقلبها بين يديه الكبيرتين، أتصدقني إن قلت لك إن يديه كانتا أكبر من المحكمة؟ أؤكد لك أنهما كانتا أكبر منها وبكثير أيضاً، قال: أنت محمد؟ قلت: نعم، قال: أنتِ ميريام؟ قالت: نعم، قال: إن المجتمع لايوافق على هذا الزواج، فحاولنا أن نشرح له الأمر، وأن التاريخ كاذب، وأنه بيوم الأمس تماماً كان هناك اجتماع مقدّس، بثَّ على القناة الثانية المشفرة عند ساعة الزوال، وكان الجميع يشرب العصير ويمدّون رقابهم كالسلحفاة نحو الكاميرا ويبتسمون، فجفّ جسده كمومياء وقال هذا الزواج غير جائز بالمُطلق، ولا يوافق عليه معشر المهرجين، قالت ميريام: ألسنا بالعمر المناسب؟ قال: نعم، قلت: ألسنا في المكان المناسب؟ قال: نعم، قالت لي: ألم أقل لك إن الديناصورات حيوانات أليفة جداً، وقبل أن تتمكن من إقناعي كما هي العادة، عدت ومددت رقبتي ككلب ثمل، وسألتُ القاضي أليس الرب واحد؟ اكتفى بهزّ رأسه أربع مرات، قلت لها ألم أقل لك إنه من الممكن أن يكون له أذنان كبيرتان؟

مسكتُ قلبي بيدي وأمسكت قلبها وانتزعناهما سوية و وضعناهما في درج المحكمة المنسيّ، وخرجنا من الباب الخلفي نعوي كالذئاب والتاريخ ..، جلسنا في الحديقة المتسخة جداً، على يميننا المسجد وعلى يسارنا الكنيسة، والمحكمة لا تزال خلفنا، نظرت للسماء وقلت: لون الليل يبعث للبهجة.
قالت : سمعت أن فصول السنة متفقة فيما بينها، وما الاختلاف الذي نراه إلا من أصل الخطة.
قلت : لذلك لن يتساقط المطر، إلا إن اهتزّت السماء.
قالت : لانمتلك إلا القيود، أنخسرها؟!

لقد مر وقت طويل وأنا ماكثٌ في غرفتي المظلمة، ولاحظت أن حاسّة السمع أصبحت قوية جداً عندي، بتُّ أسمع حديث جميع أهل الحيّ، أينما كانوا ومهما كانت توجهاتهم وأفكارهم، تعلمت أن أنصت كثيراً وأفكر بما يتحدّثون، وكنت أكبر يوماً بعد يوم، وكلما طال استماعي تضاعفت الزيادات بشكل ملحوظ، وكنت كلما قرأت سطراً كلما ازددت علماً بجهلي، وإنّي أكبر بسرعة ياصديقي كنبتة طفيلية، وهذا النمو يخيفني، لقد امتلأت جدران غرفتي المظلمة بامتدادي، وأنا متكوّر على نفسي أقضم أصابعي، وحين لم يعد عندي أصابع، وحين لم يعد عندي مساحة برأسي الكبير الذي يشبه رأس حمار الوحش، انفجرت بداخلها وبها، فتطايرت الأفكار ياصديقي، والحجارة أصابت الجميع، أصبت جميع الأفكار المعلبة، وجميع السكان الزاحفين على بطونهم.

لن تفهمني ياصديقي ولا أدعوك لذلك، ولكن سأقول لك لو أنك كنت مكاني وتشاهد هذه المسرحية بعروضها المبتذلة، وفصولها اليابسة ما كنت لتلومني، لو كنت ياصديقي قد وجدت نفسك داخل الظلام وتيقنت من ذلك، لكنت عذرتني على شوقي الطفولي لأشعة الشمس، لن تفهمني ياصديقي، ولست بمزاج مساعد يجعلني أدعوك لطاولتي وأحاول شرح الأمر.
هناك، وفي الليلة الواحدة أذهب بعيداً عدّة مرات، وأتمنى ألا أعود، ولكن الصباحات النمطية مظلمة كعادتها، تسحبني من قدمي وترمي بي من جديد بدائرة الخيارات المسلوبة، ولا شيء مهم.
*بقلم: محمود عبود
*الأعمال الفني للفنان العالمي / الفرنسي “كلود مونيه”، رائد المدرسة الانطباعية في الفن التشكيلي.
