من مذكرات ولدي الذي يبحث عن شرفه الضائع.
عندما أُصبت بالتهاب البواسير علم الجميع بالأمر، وراحوا يسألونني ماحال مؤخرتك ؟
وعندما أصبت بالاكتئاب نعتوني بالممل، فأكلت لساني وقلت أي عالم أحمق سيستوعبنا دفعة واحدة!
إنّ المجتمع اليابس جرّد المرأة من كل السبل للوصول إلى المراتب باستحقاق، وعوّضها عن ذلك برتبة “الشرف”، هبة منه على رضوخها وتقبلها للمهام التي حُدّدت لها، وفي ظل كل التراكمات الاستبدادية التي مرّت عليها عبر الزمن، وكل الاستلاب الممنهج لكيانها، نجد فئة كبيرة منهن أصبحن من أشد المدافعات عن هذا الرضوخ بوجه من يطالب بحقوقهن وإنسانيتهن، وقبل التعجّل بالحكم على مثل هذه الحالة، علينا أن نعلم بأنها هنا تدافع عن آخر قلاعها التي تُشعرها بثقل وجودها وثقل ظلّها، وهي غير مستعدة للمقامرة بحرب لا تعرف عقباها، والتي من الممكن جداً بنظرها أن لا تبقي لها أي أثرٍ أو ثقل.

وليست المرأة فقط هي ضحية هذا المجتمع، ولكن أيضاً الكثير من الذين رفضوا الرضوخ له ولقوانينه، فالحل الإجرامي هو الحل الأسرع في هذه المجتمعات، يُرهقون أنفسهم إلى الحد الأقصى، وهم يبحثون ويفكرون بالكلام المنمّق لتبرير إجرامهم، تحت مسميّات الوطن والأرض، الشرف والعرض، الدّين والشرع، ينتهكون كل شيء، كل شيء فقط لأنهم لن يقبلوا إلا بنمطية تفكير واحدة تكون على قياسهم، ولكنّهم لايتعبون أنفسهم ولو لمجرّد محاولة للتفكير بحلول أخرى، أو بفهم الآخر وأسبابه، أو بفهم عام، البعض يؤيد الإجرام إن كان يصب بمصلحته، وينكره ويشمئز منه ويستغربه إن كان لايتعارض مع مصالحه، شيزوفرينيا حتى بالإجرام، فبعد اليوم لا تستغرب ياصديقي إن رأيت من يصفق للمجرم ويبصق على الضحية، فمن حق جميع المجتمعات الدفاع عن تخلفها وعبوديتها، بكل ما أوتيت من جهل وبطش.

لقد درسنا في حيينا إن الرجل هو المسؤول عن المرأة، وهو صاحب الكلمة والرأي، فللرجل عضوٌ زائد وظاهر بين أقدامه، وهذا مايعطيه كل الرخص والميزات، والمرأة بنصف عقل بأفضل حالاتها، وأعتقد أنه يتوجب علي التوضيح هنا، فإن تكلّمنا من المنطلق نفسه لتحديد العقل، فعقل الذكر بالحقيقية هو كعقل الأنثى، وبالتالي هو نصف عقل، ولكن وجود عضوه الذكري جعل من عقله كاملاً، ونستنتج هنا أن العقل بالعضو الذكري يُعادل ماهو موجود برأس الذكر ذاته، وبعملية حسابية بسيطة نجمع بها فيما بين أقدام هذا الذكر وما في رأسه، سنجده يمتلك عقلاً كاملاً، ولكن هذا العضو الكبير- وأقصد العقل تماماً- واجهته مشكلة في الماضي، مشكلةٌ مصيريةٌ كما أخبرنا أستاذ التاريخ الكاذب، كان الذكر يبحث عن صندوق آمن يضع به شرفه، فكما تعلم ياصديقي أنه بالماضي كان قطاع الطرق كُثر، وكانوا يغزون وينهبون ويقتلون بشكل يومي، فاجتمع الذكور المفكرون جميعهم، وقرّروا أن يجدوا مكاناً آمناً لشرفهم، فقرّروا بدايةً أن يضعوا الشرف بالسلاح، وأن السلاح هو أكثر مكان آمن ولايفقده المرء إلا إذا قُتل، وهذا أمر مُرضٍ بالنسبة لهم ومُشرّف، وانتهى الإجتماع على هذا الاتفاق: إن فقدت شرفي لن أكون إلا ميت، وبعد أيام هاجمهم قطاع الطرق واستباحوا شرفهم ولكن أبقوهم على قيد الحياة، فلم يجد قطاع الطرق سبباً لقتلهم، لأنهم سلموا سلاحهم بإرادتهم ولم يدافعوا عن أنفسهم وشرفهم.

وفي الليلة ذاتها عاد مجمع الذكور المفكرين مسرعين، لعقد اجتماع سريّ من جديد، لإيجاد حل لهذه القضية الشائكة، فقرّروا أن يجدوا مكاناً لشرفهم أكثر أمناً من السلاح، ودامت المشاورات ألف عام، واستقر بهم الحال أن اختاروا الأرض، وصرخوا بصوت جهوري كصوت الرجال، إن الأرض شرفنا ونموت دونها، وحين خرجوا من الخيمة وجدوا الكلاب تبول على شرفهم، فحك كبيرهم رأسه وأسقط منه ست قملات وطفلة، وقال: (أمهلوني ألف سنة أخرى، لأفكر بمكان آمن، ولا نكون مضطرين أن نموت بحالة استلب فيها شرفنا)، وخرج بعد عصر يومٍ مظلمٍ من خيمته، وصاح بالقوم: (لامكان أفضل من المرأة لنحفظ به شرفنا، وسيكون لديها بمأمن، وبكل حال إن تم انتهاك شرفنا سنجد من نعلّق عليه ذلنا وخيباتنا وجبننا، ولن يكلفنا الأمر إلا قتلها فنغسل عارنا، وأقول لكم لن تجدوا إلا المرأة تصلح لهذا).

وافق الجميع وهزوا رؤوسهم كالبريص ألف مرة، وجمعوا نساء الحي وقالوا لهن: من الآن لن تكون أفعالكن من محض حريتكن أو إرادتكن، فقد قررنا أن نجعل شرفنا عندكن وبين أقدامكن تحديداً، وإن هذا لأمر عظيم.
*قالت الطفلة: يا كبيرنا العظيم لماذا لاتضعوا شرفكم برؤوسكم، وتكفونا من شروركم ؟
فأجابها بكل ما أوتي من حكمة: نخاف أن تبول عليه الكلاب مرة أخرى.
*اتفوو…
ومن يومها أصبحت هذه الفئة مؤلّفة من قسمين، القسم الأول وهو الذكر الذي لايمتلك شرف، والقسم الثاني هي الأنثى التي تحمل شرف الرجل، وتاه الشرف بين الأقدام.

انتهى الفصل الدراسي الأول، وتساقطت الأحلام من جديد، وغفوت تحت شجرة الزيتون اليابسة ينخرني الجهل.
في المجتمع اليابس ياصديقي يتم اتباع سياسة الترقيع، يحضرون النباتات والأعشاب الاصطناعية لتزيين المقابر، والناس في هذا المجتمع يعلمون أن هذه الحلول لا تتعدى كونها حلول صالحة لصور “السيلفي”، والكتابات الفارغة والمزيد من الأمل بالوهم، ورغم ذلك فهم ينتظرونها كي تنمُ ويستظلوا بفيئها ويأكلون من ثمارها، متكئين على قبور الأجداد ساخرين من الحضارات الأخرى، وإلى أن يتحقق حلمهم هذا، فهم مجبرون على العيش ضمن تخيلاتهم الضيقة من دون أي تذمر، وعندما نطالب المجتمع اليابس بالتخلّي عن الخرافات، فإنّنا نطالبه حقيقةً بالتخلي عن كل مايمتلكه، ونخلع عنه كل وهم يستر به جهله، كمقاتل هُزم على كل الجبهات وبكل الجولات وعُطب بكل شيء، إلا لسانه وذكريات من كلام قائده عن النصر، إنه غير مستعد للصدمة، ولايمتلك التأهيل لاستيعاب الحقيقة أو سماع صوت الحاضر، لقد تأقلم واستكان مع الصوت القادم إليه من بعيد، مجتمع ليس لديه إلا تلك الخرافات التي تعزيه بنفسه وبنقصه، خرافات مليئة بالوعود الوردية، خرافات تشعره بالتميّز والعلو عن غيره، تنسيه واقعه الخلفي الدوني، وتعطيه الدرجات العليا المتقدمة، مجتمع كهذا أعتقد أنه من الغباء مطالبته بشيء لإنقاذ نفسه، فطلبٌ كهذا أشبه بدعوة إلى الانتحار.
*بقلم: محمود عبود
*الأعمال الفنية للفنانة العراقية رؤيا رؤوف
