إن الأحداث العظيمة تحتاج لشعر يخلدها، وأنا لا أجيده ولا أعرف شيئاً عن القافية، فالشعراء يقولون: ( إن أصعب القوافي هي الواو الساكنة)، وأنا أجد قوافينا كلها ساكنة بين “الواو” وال “لو”، ولا أعلم أين الخلل؟ فأنا لا أجيد الشعر يا صديقي.
قبل أن تجمع رجالك وسلاحك لتحارب في سبيل الوطن، عليك أن تجد شاعراً، وتجعل في ظهره الغابة الموحشة ومن أمامه البحر والقمر، واطلب منه أن يكتب لك شعراً حماسياً عن الوطن والجنة والذئاب المفترسة، وبعدها عليك أن تجد رجلاً لا يستحي، تعطيه القصيدة بعد أن دفعت ثمن الشاعر بها، وتوسل إليه أن يطلق العنان للسانه البذيء بقراءة تلك القصيدة على أهل الحي، وحاول أن تجمع سبع أوثمان أو مئة من الحسناوات العاهرات، ولتكن أثوابهن خفيفة فلا تجهد النسيم العليل ولاخيال الرجال، وأحضر شاحنة حديثة محملة بالبراميل الممتلئة بالنبيذ الجبلي الأحمر، واسكب واحداً بالشارع وأعلن بعدها عن بدء الفصل الأول من المسرحية.
وحاول – وهو ليس بالأمر الصعب – أن تستأجر عشر كهنة وحمار، ليتلوا الصلوات بأشكالها على الحضور، والحسناوات باركهن الله، واجعل الحمار يدور على الفرسان وعلى ظهره الراية الكبرى، ولتبدأ بعدها الطبول بالصراخ والكهنة يرتشفون النبيذ مع الحسناوات، ويناقشون أمور الحرب والاقتصاد والجنس، والأبله مستمر بصراخه يُلقي بقصيدته المسروقة على أهل الحي المظلم، والرجال الشجعان يبدؤون بنحر رقاب بعضهم، ملتفين جميعهم حول الوطن على شكل دوائر متداخلة، وقلوب كتلك التي رسمت بالمراحيض.

وستجد ياسيدي طفلاً وحيداً جالساً على باب الفصل، عليك ألا تنهره فهو لايفكر بإزعاجكم، ستجده خلفكم مباشرة يلعق النبيذ من الشوارع كالكلاب، ويمسح بيده على مؤخرة العاهرات، وباليد الأخرى الدماء التي لطّخت وجه الله، متباركاً بالوطن، زِد إيقاع الطبول في الفصل السابع والعشرون عند الساعة المكتملة من القمر، ولا تنظر خلفك ياسيدي لأنك لن تجد إلا الكهنة يحتسون نخب الانتصار من أثداء العاهرات، والطفل وحيداً يمسح دمعة أمه النائمة براحتيه الخشنتين، والمدينة قد أصبحت موحشة وكئيبة، كأرملة في يومها الأول على سريرها الفارغ، تقلّبها الرياح بين أرصفة الخوف، فتنتفض منها رعشة داخلية تحرك الغبار على ذكريات من الماضي، ومن حافة السماء، تنظر إليك الوجوه التي غُرست بعنف على صفحاتها العميقة مؤنبة تخلفك، وأنت لا تزال تحفر الأرض بيأس باحثاً عن نور حقيقي.
وفي نهاية المهزلة، ستبدأ المدينة بالعويل والصراخ، كأم اُغتصبت طفلتها أمامها على يد والدها.
بقلم: محمود عبود/ كاتب سوري
*اللوحات من أعمال الفنان الفرنسي مارك شاغال
