الصفحة الأولى من مذكرات ولدي”جورج”، كتبها بعمر الخامسة والخمسون قبل الهجرة السنوية لطير السنونو.


“كل شيء يحدث بسبب ولسبب كما يُقال، فالعبثية لاوجود لها لأنها متقنة أيضاً بعناية، ويُقال أيضًا أن المحاربين القدماء كانوا يتجنّبون مقابلة العرافات ويهرعون هاربين عند رؤيتهن، ليس لعدم إيمانهم بمعرفتهن للمستقبل، ولكنهم إن ذهبوا للمعركة وهم على علم بموتهم فسيموتون قبل موعدهم”
أحياناً نعتقد أننا ذاهبون للجحيم، أو أننا قابعون به، أو “أننا جالسون مع الله ونلعب النرد”، ربما يكون أيٌّ من ذلك، وربما يتغيّر كل شيء بلحظة وبأيّ اتجاه عشوائي، لا لشيء، فقط لكي نعلم أن اليقين المطلق لاوجود له، ولا أسس ثابتة نعتمد عليها، ولكنني أؤكّد لك أننا لن نتعلّم من كل هذا الهراء الذي أصابنا والذي سيصيبنا إلا إن تألمنا بشكل حقيقي، ولستُ بمتشائم ياصديقي، ولكن ربما عليك إعادة النظر بالتاريخ وبحالنا.
اقترب قليلاً ودعنا نتحدّث بهدوء عن أمر مخيف جداً، ألا تعتقد أن العقل البشري يمكن التلاعب به وبكل سهولة؟ خاصةً إذا صممنا ألاعيبنا من نسج المصلحة والعاطفة والدين! فكما تعلم أن هذا الثالوث المقدس للفعل ورد الفعل البشري هو من يمتلك المساحة الأكبر في العقل عند الأغلبية، وهنا يمكننا أن نمارس الألعاب البهلوانية بسهولة مما سيجلب لنا التصفيق، والتصفيق ياصديقي هو أمر جيد، وباعتقادي إن أول من أوجد فعل التصفيق كان يهدف إلى إعطاء المُصفَق له وقتاً كافياً ليستجمع كذبه، فالكذب كما تعلم هو منديل متعدد الاستخدامات ومنها مسح تعرّق الحضور المُغتصَب بعقله وبأشياء أخرى، التصفيق يخلق حيزاً من الوقت لإشباع غرور المُغتصِب مما يزيد من حجم عضلة لسانه على حساب عقله، والوقت الكافي ليثبت به المُغتَصَب وجوده، أعني يثبت أنه لايزال يمتلك القدرة على إخراج صوت ما بدلاً عن لسانه، وهنا المُغتصَب يحاول أن يضيف للحفلة لحنًا شاذاً بهدف التغطية على عدميته، وسنصل بالنهاية إلى رؤيتهم بشكل متلاحم لدرجة الانصهار، ولن تستطع فكّ لغزهم، لأنهم بهذه الحالة فقط هم موجودون، وانفكاكهم يعني تلاشيهم.
فهل هناك أمر أشد تعقيداً من التصفيق ؟!

إذاً دعنا نبصق على الأرض الثابتة، ونكمل سيرنا متقدمين نحو الوهم، ونقرأ في يوميات عائلة سعيدة من سكان الحيّ المتهالك:
الصفحة الثانية والعشرون من مذكرات ولدي غير الشرعي، جالساً تحت نافذة عدم الأمل، يستمع لأهل الحيّ وهم ينادونه “ابن الحرام” وأنا بالسيد المحترم – دام فضلهم.
في عمر الخامسة اصطحبتني أمي لزيارة أقارب لنا – كما تفعل الأمهات عادةً، ولأنني لم أجد عندهم اطفال ألعب معهم شعرت بالملل، وبدأت عيناي تلعب بأرجاء المنزل، فاقتنصت كنزًا ثمينًا أحيا بداخلي ذكريات قديمة، رأيت تحت سرير النوم تمثالاً من النحاس لحصان عربيّ أصيل جدًا، فزحفت نحوه بهدوء وأمسكته قبل أن يهرب، وضعته أمامي وامتطيته بحركة واحدة، فانساب الخيال على صفحات المدينة، وجدت نفسي بلباس الفارس متجولاً في أرجاء الحيّ، أصرخ بالجميع، افسحوا الطريق ابتعدوا، وإلا سحقتكم جميعًا كالحشرات، فأنا هو الفارس المقدام، وأتقدم مسرعًا نحو حبيبتي الصغيرة، التي رأيتها تفلت يد أمها وتركض نحو قطة كبيرة، اختبأت تحت سيارة أجرة من نوع “سابا”، أتقدم نحوها وأطأ القطة وسائق التكسي، وأمدُّ يدي لحبيبتي لكي أحملها أمامي ونهرب كما يتمنى الأطفال عادةً، ولكني صحوت على صراخ أمي وهي تضربني على يدي الممدودة، كما تفعل الأمهات عاددةً، وتقول:” كفاك لعباً يا مختل”، فأنطوي على نفسي وأبكي فأنا طفل يحلم.


بعد عودتنا للمنزل أسمع والدتي تكلم أختي عن أحلامها، فللأمهات أحلامٌ كذلك، وكيف ستحاول إقناع والدي بشراء فرش جديد للمنزل وبعض الستائر، كانت عيناها تتلألأ وتتراقص فرحاً ومكراً، تحمل والدتي ورقةً دونت بها طلباتها، وتتجه لغرفة النوم عند والدي مضيفةً بعض العطر الجنسي، كملح سحري على وجبتها الدسمة، ولكن بعد مرور لحظات أسمع صوت والدي يصرخ بها، كما يفعل الرجال عادةً.
أختي تبكي دائماً بسبب البصل، تقول هذا مبتسمة حين أسألها، وما أقسى البصل والرجال.


في أحد الأيام عاد والدي منهكاً ومتورماً، وانطوى على نفسه بزاوية الغرفة، تسأله والدتي ما الخطب يازينة الرجال؟ فيفتل شاربه أربع مرات متتالية ويقول لها حزناً :

(أثناء عودتي للمنزل صادفت شجاراً في الحيّ، أحدهم ضرب الآخر بسكين وهرب، كما هي العادة بحيينا، فركضت نحوه محاولاً مساعدته على إيقاف النزيف ولكني فشلت، لأن الشرطة حين وصلت ألقت بالقبض عليّ، فكبلوني ورموني بصندوق سيارة من نوع “نيسان”، وبدؤوا بالصراخ على الناس، كما تفعل الشرطة بحيينا عادةً، فهم محتاجون لمن يأتي ويساعدهم بإيقاف النزيف بشكل مؤقت، لأن سيارة الإسعاف تحتاج قرناً لتصل، كما هي العادة في حيينا، وحين مات الرجل، ضرب الضابط كفيه معزياً “قدر الله وماشاء فعل”، ولم يطلقوا سراحي إلا بعد أن أشبعوني ضرباً وصعقاً بالتيار الكهربائي، وتأكّدوا أن جريمتي كانت بمحاولتي تقديم يد العون فقط).
وبعدها بدأت يدا والدي ترتعش، وارتسمت على وجهه ملامح الغضب من كل هذا الظلم، فاقتربت أمي منه بلطف الأمهات محاولة تهدأته، فصرخ بها وضربها كما هي العادة، تذهب أمي المسكينة لزاوية الغرفة وتنطوي على نفسها وتبكي، إن الظلم سيء جدًا أقول لنفسي، فأذهب إليها محاولاً التخفيف عنها، فتنهرني وتضربني كما هي العادة، أذهب للزاوية الأخرى أنطوي على نفسي وأبكي، أخي الصغير يركض نحوي يريد أن يلعب، أصرخ به وأضربه، كما هي العادة، فيتوه بين الزوايا الأربعة وهو يبكي، وقطته تصرخ مياوو ميياووو، فهل أكلت الخراف حلم أختي!؟

*بقلم: محمود عبود.
** اللوحات الفنية من أعمال الفنان العالمي سلفادور دالي.

Leave A Comment