حوار داخلي
لا تكلم الأموات ياصديقي فهم لايعيرونك أي اهتمام، إنهم مشغولون بنهش لحوم بعضهم بعضاً، لن تصدقني إن قلت لك إني رأيت يوماً أحدهم يمسك بقدمه ويأكلها، نعم ستقول لي إن الذئاب عندما تُحشر تأكل نفسها وتشرب دمائها إن شعرت بالجوع أو العطش، أنت لن تفهمني أبداً فنحن متعطشين لكل ذلك من غير أن نحشر، وأنت تعتقد أن الأموات طيبون، كلا ياصديقي، إنهم شرسون للغاية فهم يحسدونك على حياتك البائسة هذه، ولن يفوتوا أي فرصة لسحبك إلى عالمهم، لتعاني مثلهم وتصبح شقياً، هذا أسلوبهم إنهم حقراء، وإنّي أعرفهم جيداً فقد مكثت معهم طويلاً، فابتعد عنهم قبل أن يتمكنوا منك، حينها لن تجدني معك، أقصد لن تجدني بقربك فأنت بأي حال لاتتكلم كثيراً، ولكن يكفي أنني أشعل لك الشموع عندما ينقطع التيار الكهربائي لكي تكمل إحصائياتك، فأنت لاتريد أن تبذل أدنى مجهود لأجلي، ولاتريد أن تدفع حتى ثمن الشموع، فأنا متكفل بكل شيء تقريباً وبكل الأعمال هنا، وهذا كاف لجعلك تفكر ألف مرة بكلامي، وأن تأخذه على محمل الجد، فيمكنني أن أسبب لك الضرر إن شئت، ولكنني طيب القلب كما تعلم، ومرتبي لايكفينا إلا لمنتصف الشهر، إن لم يكن أقل، فأنت لاتبالي ياصديقي العزيز، وقل لي لماذا لم تصلح ساعة الحائط تلك؟ لن تصلحها أعلم ذلك فأنت من ذلك النوع الأخرق الذي لا يهتم بالوقت، هل ستمضي حياتك البائسة جالساً على هذه الطاولة المهترئة تحصي الموتى؟ سبع وعشرون ميتاً إلى الآن! أتعتقد أنه بإمكانك إحصاء عدد الأموات في هذا الحي العفن؟! سبع وعشرون! أهذا ما أحصيته بعد كل هذه المدة التي مكثناها سوياً؟! أتعتقد أن السماء ستمطر عليك برزقها وأنت لاتصلي لها؟! أعتقد أن الأموات أفضل منك بأمور كثيرة، فهم يتواصلون فيما بينهم، وليسوا مهملين لعلاقاتهم، حياتهم أفضل منك، وأنت فاشل بكل شيء، ولايمكننا الاعتماد عليك؛ سأخرج الآن وأبحث عن شيء أحشو به معدتي، وأتمنى أن تكون قد جمعت نفسك ورحلت عند عودتي، فلم أعد أطيق هذا الهدوء الكئيب، فالهدوء التام الذي أعيشه معك، يسبب عواصف بداخلي ويقتلني.
يَصفَعُ الباب خدّ الحقيقة، ويُكشفُ عن الميت الثامن والعشرين.

يمشي في شارعٍ إنارته خافتة، يحاول جمع الملامح المبعثرة للعابرين، هدفه إيجاد وجه مألوف، ولعل هذا يشعره ببعض الدفء بعد ذلك، وعاد ليحدث نفسه: إن علاقاتي قليلة باردة، ولا أبحث وليس لديّ أي نية للبحث عن الضجيج الكاذب، أحب هذا الهدوء وأحب أكثر الحقيقة بكل شيء، مكتفئ بالنادرين جداً ممن هم حولي، ومكتفئ أكثر بذاتي، ولا أنكر أن هذا جعلني أفقدُ كثيراً من لباقتي بالتعامل مع الجميع، وأصبحت تحديداً لا أجيد التملّق، وبكل الأحوال لا أهمية لهذا ولستُ آسفاً مطلقاً أعزائي؛ أحمل أملاً بعمر الكَون، وأجيد التّخفي والإبتعاد، وأحتفظ بمشاعري لنفسي، ولكن أكثر ما يغيظني هو الزمن، فهو عبارة عن لعبة غامضة، ولكنه يأبى الاعتراف أو الانكشاف لنا، ونحن مضطرين لخوض اللعبة، والسير منفردين لكشف أسرارها.
يُقال إن الاقتراب من الشمس انتحار فعليّ، وأتساءل هل من الممكن ألا تعرفني؟!
إذاً ماذا يميزنا عن الشيطان؟ أيعقل التقارب والتشابه وصل لهذا الحد؟
ولكننا بكل الأحوال لا نزال في النعيم، لأنني أذكر آخر شيطان قابلته كان يحاول البكاء، علمتُ أنّه قرر أن يتوب ويجنح للسلم، ولكنه عندما ذهب ليتوضأ تبخرت المياه، طبعاً فهو مخلوق من نار، وعلينا اللعنة جميعاً، وما أثار فضولي حينها أنه تفاجأ لرؤيتي وفر هارباً! وهنا كان علي أن أبصق على الأرض لأحدد موقعي، وأعلم مسبقاً أنه في بعض الأحيان لن نتمكن من العودة إلى ما كنا عليه؛ وإن الطيور كثيراً ماتقع بالفخاخ، لأمر بسيط لو عَلِمته لنجت، فهي دائماً تُظهر طباعها أمامنا، ونحن جُلّ اهتمامنا المراقبة والتلصص، فنحن شعوب حزينة تتقن سرقة النظر، والأحلام، والموت المبكّر؛ أما الملائكة تلك، فرغم قوتها وأجنحتها العملاقة وقدراتها الخارقة، وطيبتها ونُقيّها كما يقال عنها، فقد تركتني ورحلت ولم تعد تدخل منزلي، فقط لأنها تكره الصور! هذا ما أخبرني به جاري الحزين، حين دخل منزلي مواسياً لي بعد تعرضي للسرقة، فكان جلّ اهتمامه أن الصور حرام، وشَغل فمه مايقارب قرناً من زمن الماعز، وهو يحاول شرح نظريته بأن الملائكة والشياطين لايجتمعان بمكان واحد، فسألته بسذاجتي: هل هما ساكنان؟! فضرب كفيه وحوقل، وبعدها قرأ تميمة على ما لا أعتقد، وبصقها بوجهي، وأنا أؤكّد لكم لو أن جنية الحقل تسكنني لهرعت هاربةً من رائحة عقله، وبدوري رحت أتمتم وأنا مبتسمٌ بوجهه البائس، إن صورة حبيبتي بالمنزل ليست كباقي الصور أيها الأحمق، بالإضافة إلى أن حبيبتي ليست بساكن، ولو سكن العالم بمجمله، حتى وإن سَكنتْ، فيبقى لها قاعدتها الخاصة، وهي مهمة للغاية بالنسبة لي، وبينما كان يحاول غرز أفكاره عنوةً في مؤخرتي، كنت أتساءل لماذا لم يسرق اللص الكتب؟ ولماذا لم يسرق كذلك مجموعة الصوت وهي من نوعية جيدة، أيعقل أنني حين اشتريتها وقعت بفخ الاحتيال؟ ألم يروا كيف أن حبيبتي ملائكية الوجه؟ فكيف اجتمعت الشياطين مع الملائكة هنا!

صحيح إنها في نهاية الأمر رحلت أيضاً، ولكنها لم ترحل بسبب وجود صورتها بالمنزل، هي فقط قررت أن ترحل ببساطة، بعد أن صدر الحكم من أهلها، وهذا كل مافي الأمر.
وإنني أحسد الشيطان، لأنه عندما قرر أن يبكِ، جفّت الدموع بمقلتيه ولم يراها أحد، وأعتقد أنه يشبهني بحالة أو بأخرى، فهو أيضاً حتى لو أراد أن يظهر مشاعره وعاطفته، فلن يتمكن من ذلك، فقد حُكم عليه باللعنة بكل حال.
البشر مضحكون لحد الاستفراغ، ولا أعلم لماذا يسمّون المنبه بالمنبه! لم ينبهني يوماً، لاحين سُرق منزلي، ولا حين سُرق قلبي.
مضحكون جداً نحن، فكلّ واحد منا لديه كمٌّ هائل من النصائح، والتوجيهات، والإرشادات، وكذلك اللكمات أيضاً إن تطلب الأمر.
فهل يعلم أحدكم ماهو الوهم؟
*محمود عبود.
*الأعمال الفنية للفنان العالمي بابلو بيكاسو.
