أحلام خاطئة
كان صباح تلك الجمعة مشرقاً جداً، وساخناً جداً كما هي العادة، ولا أعلم ما السبب حول أن درجة الحرارة ترتفع في هذا اليوم بالتحديد، وأذكر حين سألت صديقي عن السبب، سخر مني، فقلت له أعتقد أنها حرارة الإيمان.
صحوت مبكراً، وقمت بالأعمال الروتينية الصباحية، وأقصد أنني تثاءبت إلى أن ابتلعت الكون، ودخنت السجائر، ووزعت الكثير من الشتائم، وتأمّلت أصابع أقدامي، أعتقد أن عددهم كان عشرة على حسب ما لا أذكر، وبعدها اتخذت فجأة قرار الخروج والاستمتاع، الاستمتاع! وبهكذا طقس؟!

أعتقد أنني بالحقيقة نوع من الزواحف ولست بشرياً؛ وعلى أي حال وثبت من السرير، وانتظرت قليلاً إلى أن وصلت أرضية الغرفة، فتحت خزانة الملابس وكانت ممتلئة لحد التخمة من كل شيء، لا لشيء، وكنت محتاراً فيما سأرتدي، وبعد سنة من التفكير، أخيراً وكما هي العادة ارتديت الملابس نفسها التي ارتديها دائماً، اخترت قميصاً لم أستطع تحديد لونه إلى الآن، فهو بين اللون الكحليّ والأَسود وليس أحدهما، وسروالاً يميل للون الرصاصي وليس كذلك، وحذاءاً خفيفاً كما أحب بالعادة، يتناسب مع لون القميص، وجورباً أبيض حرصت كثيراً ألا يكون به ثقب واضح، تجهزت تماماً، أتفقد جيوبي، الموبايل، علبة السجائر والمفاتيح، حسناً أيّها الكانغر اللطيف كل شيء مكتمل، نظرةٌ أخيرة للمرآة وأنا أرش عطر (هوجو المقلّد)، أمسكتُ قبّة القميص شددتها بشكل جيد، والآن انتهيت، وحين بادرت بالانصراف، صرخ عليّ الذي كان في المرآة:
-أنت، إلى أين تظن نفسك ستذهب؟
ابتسمت وقلت أنا ذاهبٌ إلى الـ..، تلعثمت.
-أصرّ، وازداد حزماً، إلى أين؟
ذاهب إلى.. خرست دهراً، حسناً، سأذهب لأي مكان ليست مهمة الوجهة، ولم تكن يوماً كذلك.
انفجر ضاحكاً كبالون يحمل غازاً قد اكتشف حديثاً، غازٌ أثقلَ الأوكسجين في الغرفة فاسقطه، ورحت أتوهم الاختناق، أمسكتْ يدايَ رقبتي وبدأتْ تعصرها، يداي ذاتها التي حين كدت أن أسقط أنقذتني، ولكن هذه المرة كانت أكثر قوة، ففي الألم الداخلي كما تعلم ياصديقي، يكون الأمر أشد قسوة، وأكثر ألماً، فكل ألم هنا يصحبه انهيار متناسب مع شدة الألم، فيتضاعف الألم والانهيار بسرعة غريبة، يصبح الإنسان في بعض الأحيان ضخماً كالجبل ولكنه هش، هو مجرد بناء من التراكمات، وحين تسقط أول قطعة من أحجار الدومينو، لن تستطيع التماسك، انهيارات متتالية إلى قاع النهاية.
كانت ضحكاته شامتة صاخبة، جثوت على أقدامي، أحاول أن ألملم الأوكسجين المتساقط وبعض الذكريات، فأنا لازلت ساذجاً ولديّ أحلامٌ تحتاج إلى أن أحققها، وحينها اكتشفت ثقباً بأسفل الجدار، كان قد حفره جاري الفأر، كنت أخطط لإغلاقه، وما أخّرني عن هذا الفعل أنني كنت أريد انتهاز الفرصة التي يتواجد بها بالداخل، فأغلقها عليه؛ حشوت أنفي الكبير بداخل هذا الثقب، ورحت عبره أنظر للعالم الخارجي من مغارتيّ أنفي، حينها انكسرتْ مرآتي وقُطعت يدايَ عن رقبتي، وعادت الحياة لجسدي، ولكني حينها رحلت ولم أعد إلى الآن، فأنا لا أزال عالق بمركز الكوكب، لا جاذبية أخرجتني، ولاسلبية قذفتني، أنا الذي يكره البين بين لدرجة الموت اختناقاً، لا أجد نفسي إلا عالقاً بين البين!

لا أزال هناك أنتظر الدهشة، وهذا هو سري العظيم الذي سأبوح به، هل تعلم ياصديقي أن أهم أحلامي هو أن أندهش! فهل هناك أسخف من هذا الحلم؟ نعم أنا محتاج جداً لهذا الشعور، كنت أعتقد أني سأُدهش إن سَقطتُ بقلب امرأة، وسَقَطَتْ، كنت أعتقد أني سأدهش إن رأيت معجزة، ورأيت، كنت أعتقد وأعتقد، لامست الموت وتجنبني، وانتشوت بالحياة، ودخلت بالاكتئاب، وأحاطني السرور، تقوقعت وتسطحت، سافرت وعدت، وسكنت الأقبية المتعفنة وامتلأت رئتاي بالرطوبة لحد التخمة، وقضمتني الشمس لحد الذوبان، سكنت الأبراج الضخمة وتخيلت السقوط الحُر من أعلاها، وسرت بالشوارع الضيقة المظلمة وتعثرت بالحفر، وامتلأت قدماي بمياه المجاري القذرة، ومشيت بالشوارع المعبدة فحملني البساط السحري نحو الأمل، شربت من أغلب الينابيع، واغتسلت بالماء الطاهر، نمت بين الأفاعي والضباع، تمزقت وتسممت وحييت من جديد، وبتّ على فراش ناعم مع مكيف وشطاف في الحمام؛ وبعد هذا كله إلى الآن لم أدهش، كان بحثي عن الدهشة لايقل قيمة عن بحث “ديكارت” لمعنى الوجود، و”أفلاطون” عن مدينته (اللا فاضلة)، وفي النهاية اكتشفت أن الأمر يشبه لعبة طفل مرميّة، يشبه طفلاً أستيقظ صباحاً على حلم امتلاك اللعبة، يبكي، يشتعل، ثم ينطفئ، يَنسَى ويُنسى، واللعبة لا تزال هناك مرمية على أرصفة الطرقات والأحلام، تنتظر من يحملها لعالم الألوان، والأحلام تنام كذلك عند المتاهات؛ لستُ كسولاً، ولكن أحيانًا هكذا وبكل بساطة أنطفئ… كحلم طفل تائه.
*محمود عبود.
*الأعمال الفنية للفنان العالمي “بيكاسو”.
