*أثر ذيل الكلب

في الساعات الأولى من صباح القرن العشرين، خرجت أتمشى بالحي، (هو ميتٌ لا محالة، ولكن عليّ مرغماً الانصياع لتلك المسميات)، خرجت أتمشى، وكان الطقس مشمساً معتدلاً مع نسمة خفيفة باردة، الأشجار تهتز بسعادة، والطيور! طبعاً لاتزقزق في حينا ياصديقي، وكذلك الياسمين قد سُلب عَبقه من قِبل السماسرة والشعراء، فبات شاحباً مستهلكاً؛ رحت أمشي كذكر الإوز مزهواً باللاشيء، أرمي السلام هنا، والحرب هناك، أقذف الحصى بقدمي، وأقفز كمخبولٍ يحاول التقاط الشمس؛ أتصدق إن قلت لك أنني حين كنت طفلاً هرماً، خططت لعملية خطف كبيرة!؟

كنتُ أريد أن أخطف الشمس، فقد خرجت ليلاً وأنا متيقن أنها نائمة، فأمي كانت تقول لي عند المغيب، اذهب للنوم فإن الشمس قد نامت، والأمهات لا يكذبن كما تعلمون، خرجت ليلاً وكان معي كيسٌ من النايلون لأضعها به، ولكن جاري كان ككلب الحراسة لا ينام، يحصي عدد المارة والرمال والنجوم والصراصير، فنادى علي بصوت مرتفع، أنت، أيها النملة تعال إلى هنا، إلى أين أنت ذاهب بهذا الليل؟ وقرص أذني بشدة كدبور ثائر.

وضعت اصبعي على فمي ششش.. ذاهب لأخطف الشمس فهي الآن نائمة، وإن تكلّمت بصوت مرتفع ستجعلها تصحو، وحينها ستفشل خطتي، بل سيختل الكون أيها المختل.

فانفجر ابن العاهرة ضاحكاً كبرميل وقود.

قال لي وهو لايزال يقهقه: إن الأطفال يحلمون بأمور جنونية، واقترب مني أكثر وأمسك أذني بشدة، وقال لي: تعال أيها النملة، أخبرني لماذا تريد أن تخطف الشمس؟

سحبته من يده ليطأطئ، كي أصل إلى مدخل رأسه، وهمست بأذنه: أن هناك امرأة ما، في مكان ما، في زمن ما، أمضت حياتها محبوسة بالمنزل، وحين خرجت بجنازة زوجها، ماتت (بضربة شمس)، وأنا رأيت الشمس بأم عيني وهي تبرحها ضرباً لدرجة الموت، ومن حينها وأنا أخطط لكي أخطف الشمس ثأراً لتلك المرأة، وأهل الحي حمقى كما تعلم، قالوا أنها ماتت حزناً على فراق زوجها!

فهل يموت الأسير حزناً على موت سجانه!؟

فقال لي: ولم لاتقنع سكان الحي بأن الشمس مفيدة للنساء؟

ششش أنت كهلٌ مغفل، إن خطف الشمس أسهل بكثير، من اقناع الكلب الحارس، بأن يغيّر رأيه. فهل تفهمني الآن؟

ضحك، ضحك بشدة، ونزلت يده على رقبتي بقوة ألف طن، ووضع قدمه على مؤخرتي ودفعني…

 اذهب وعد إلى وكرك أيها الأخرق، كيف تريد أن تضع الشمس بكيسٍ من النايلون! سيذوب وتفلت منك، وستقتلك كما فعلت مع تلك المرأة، وأمسك بطنه ابن العاهرة مقهقهاً من جديد.

إن جاري لاينام أبداً ككلب الحراسة، إنه يُخصي الأحلام.

أمدُّ يدي بسرعة محاولاً أن أمسك طائر السنونو الذي مر بقربي، وأتابع مسيري وأنا أنظر مبتسماً للشمس فلازلتُ أحمل ذاك الحلم في نعشه، لعله يشبه قصة الحمار والجزرة، أو حتى يشبهني وطائر السنونو.

في تجوالي الدائم في الأرجاء، لاحظتُ في حيينا كيف أن الحيوانات عندما تنجب جرائها تكون نسخة عن بعضها، فكلبة جارتنا التي تقطن ببداية الحي، تزوجت من كلب جارنا الذي يقطن بنهايته، وعاشوا حياة جميلة مليئة بالنباح اليومي وهز الذيول، وكانت كلاب الشوارع الفقيرة تحسدهم على حياتهم الرغيدة والسعيدة، وأنجبوا لنا سبعة جراء جديدة، وازداد عدد سكان الأرض، وكانوا يشقّون الشارع طولياً ذهاباً وإياباً، وبعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبحوا “يشقون” العالم كله، فالكلب الأب ينبح، والكلبة الأم تنبح، وطبعاً الكلاب الأطفال كذلك ينبحون، لم يمتهن واحد منهم مهنة مختلفة عن النباح، الكلب الأب كان يبحث عن زوجة تنبح مثله، واتفقوا أن يجعلوا كل الأطفال تنبح مثلهم، فالنباح يشعرهم بوجودهم وبالسعادة، كما صرّح مرةً للصحيفة المحلية، وأضاف: إن هزّ الذيل فعلٌ وطنيّ بامتياز، فهو يحرك الهواء ويحدث تغييرات جذرية، وطالب بأن يتم تغيير مسمّى أثر الفراشة إلى أثر ذيل الكلب، وأنا حقيقةً أيدت طرحه حينها.

ومن بين أطفالهم كان واحداً منهم فقط ينبح بشكل جيد، وماتبقى كانوا يخلطون بين المواء والعواء والنباح، ولكنّهم رغم ذلك كانوا ينبحون علينا، كما علمهم أبويهم بكل حال، والبلدية على علاقة مع الأبوين لذلك ضمنوا لهم الوظيفة الدائمة، وجارنا كان مذيعاً تلفزيونياً مشهوراً -لن أذكر اسمه فلا أريد أن أمضي ماتبقى من عمري، وأنا أحك مؤخرتي بحائط الزنزانة- وقال لوالدي أنه يبحث عن مذيعة كذلك ليتزوجها، ولم يكن هدفه الزواج والاستقرار، بل كان هدفه استملاك وزارة الإعلام، بعد أن ينجبوا سبع أطفال وكلب، فيطعمونهم بسرعة، ليكبروا بسرعة، ويصبحوا مذيعين بسرعة، وكل واحد منهم يسيطر على إذاعة ما.

وسمعت مرة جارتنا المدرّسة قالت أنها تبحث عن زوج مدرّس، لتنجب كذلك لنا الكثير من المدرسين، والهدف كان السيطرة على وزارة التعليم وغزوها بالقراد والطفيليات، وجارنا الآخر كان عاطل عن العمل والفهم، وكان يبحث عن زوجة عاطلة عن الفهم مثله، ليسيطروا على الحي، وينشروا بلطجيتهم بالأزقة والحارات.

في حيينا ياصديقي لا نمتلك إلا بعض النسخ الأساسية، والتي منها يتم الاستنساخ، وكأننا حيوانات ناطقة، الزواحف مثلاً تريد أن تنجب زواحف، والمفترسات مفترسين، والكلاب كلاب، الطبيب يأتي طفله وهو يحمل شهادة من نقابة الأطباء ليُكمل تجارة أبيه، مقدّم البرامج يأتي ابنه وهو يحمل الميكروفون، فيكمل والده ماتبقى من حياته بالإطراء على نسخته السيئة، وهذا كله ساعد على جعلنا صورة واحدة متكررة، فهل توافقني ياصديقي بأن الببغاوات البشرية كائنات جميلة وغبية؟

قال لي أحدهم مرّة: إن الكلب إن هزّ ذيله فهذا دليل على أنه أحبك، وحينها صدّقته وتحولت لببغاء، ويوماً ما، قابلتُ كلباً أنيقاً في حيينا، هزَّ ذيله ثلاث مرّات وبعدها عضّني، حينها استفرغت رأس صديقي وابتلعت لساني.

*محمود عبود.

*الأعمال الفنية، للفنان السوري محمد طليمات.

Leave A Comment