*الأرقام التائهة

عام جديدٌ آخر على أملٍ بذلك، وأتمنى بدايةً أن أُعذر لبقائي حيّاً إلى هذا الوقت، وأنّي لم أكن ضيفاً ثقيلاً على الأعوام التي مضت، فلا ذنب لي بكل الأحوال، فأنا لديّ الكثير من الأمنيات كما غالبية البشر، وأمنيتي هذه السنة هي عدم إعادة تدوير للأعوام السابقة التالفة، لأن هذا الأمر صدقاً ليس بجيّد، وسأشكركم مبتسماً هذه المرة إن تحققت تلك الأمنية المهترئة منذ زمن.

الفشل المتكرر بالأمور ذاتها، أمر لا يطاق ويشعرني بالملل، ولأني لا أحب الروتين فقد قررتُ في هذا العام الجديد، أن أحاول الفشل بشيءٍ جديد، وأكسر نمطية الفشل المتكرر بالأمور ذاتها، فأنا محتاج للتجديد الجدّيّ، صراحةً ياصديقي أحتاج لفشل لطيف، أو لسقوط من علوٍ مرتفع.

فمن أكثر الأمور التي كنت أخافها، هي أن تهديني فتاة وردة طبيعية، وأنا لا أمتلك مزهرية، وإحضارها ليس من ضمن خططي، وأخاف حينها أن أتحول إلى “مزهرية”، وأكمل عمري وأنا على هيئةٍ واحدة.

وأعلم تماماً بأن الورود كما القلوب تذبل باستمرار، وأعلم كذلك أن القلب يمكن أن تُنفخ فيه الروح من جديد؛ فقد حاولتُ مرةً أن أحيي زهرة، وزحفت مسرعاً أحتضنها بحب بين أضلاعي المكسرة، وجلست بزاوية الغرفة الضيقة ورحت أنفخ بين كفيّ، محاولاً إحياء فتاتي، ولكن أسقطتُ ماتبقى من أوراقها؛ وأذكر أنه في أحد أيام مراهقتي الناقصة، أهدتني فتاة وردة وهي في طريقها للمدرسة، وبدَوري أهديتها لفتاة مرّت من الجهة المقابلة للطريق، وهرعت هارباً من نفسي، فأنا أعلم مسبقاً أن هذه الأرواح مؤقتة، ولا قدرة لها على تحمل الرياح، وأنا لا طاقة لي على عبء الاهتمام بها ومن ثم فقدانها، ولا قدرة لي على تحمل طعنات الذاكرة بقصبة وردة يابسة، اختبأتْ بين صفحات العمر.

فهل تعتقد أني حزين!؟

إذاً هيا ياصديقي لنذهب ونبدأ العد إلى العشرة من جديد، فلعلنا نكتشف الماورائيات، واحد، اثنان…عشرة، أعتقد أن أغلبنا يذكر أو يلاحظ فرحة الأطفال عند الوصول إلى الرقم عشرة، وأقلنا يلاحظ أنه قد تخطى تسعة أرقام، وقد قذفها من لسانه من دون تذوّق، وقد حُرم من لذتها، ومن الاستمتاع بها، ولعلنا لم نأبه بوجودها أصلاً،

وأعتقد كذلك إن أغلبنا سأل نفسه هذا السؤال: لماذا نحن شعوب حزينة منذ الأزل؟

أو السؤال الآخر الذي يبادرني: لماذا يتصنّع الناس أحياناً الحزن، أو يشعرون به فعلاً، حتى وإن كانت حياتهم سعيدة بكل المقاييس الأساسية!

برأيي، وهو غير مهم بكل حال، أنه من أحد أهم الأسباب كما أحب أن أطلق عليه هو: (العد للعشرة الطفولي)

فنحن لم نتعلم كيف نستمتع بالحياة بأرقامها الكاملة، كان هدفنا وشغلنا الشاغل الوصول للنهاية أو للحلم، ونبقي على فرحنا مقيّد هناك عند الرقم الأخير، عند السنة الأخيرة من الدراسة، عند يوم الزفاف، عند اكتمال القمر، عند الانتصار، عند إقفال الدائرة والنهاية، والكثير من الأمثلة غيرها.

أعود لأقضم أظافر أصابعي وأتساءل ببلاهة، إذاً من وضع هذا الرقم الأخير؟.

من وصل لحلمه ومن لم يصل، أغلبهم عاشوا حياتهم بالحزن الوهمي، والفرق أن من وصل عاش بعض الفرح المؤقت، قبل أن يكتشف أن حلمه لم يُرسم بيده، بل حُدد مع وبـ الرقم الأخير، وكانت بداية ونهاية الفرحة، وسيبحث عن حلم آخر، وربما لم يكن حلمه من الأساس، أو سوف يمضي حياته وذريته من بعده لا يمتلكون فرحاً إلا الماضي.

إذاً، ماذا لو كانت فرحتك يا صديقي مع كل خطوة جديدة، بدل أن تفتح طريقاً واحداً لنفسك وتشيد بنهايته سدّاً وقبراً لفرحتك تحت اسم الحلم، وأن تكون سعادتنا بكل ما نعيشه حتى وإن كان فيه من العناء والتعب ما فيه، وأن تكون مع كل السقطات والهفوات وكل الفشل!

بكل حال لاشيء مهم، فالقبح أو الجمال كله سواء إن كان ضمن المألوف، هنا تماماً تُسرق الدهشة والحقيقة والأحلام ياصديقي أو ياصديقتي ولافرق كذلك، الأفكار والوجوه والأفعال المتكررة بذاتك وبحياتك أو حتى بتاريخك، ستكون مملة وإن كانت “ملائكية” الطبع، إن كنت تبتسم فقط أو تبكي فقط بشكل دائم، ستكون قبيح حينها بالحالتين بنظري، وأنت بكل حال لاتعرف شيئاً عن وجهك إلا مانقلته لك المرايا وكاميرات التصوير وألسنة الناس، ولاتعرف عن عقلك إلا ما ألِفته من محيطك، وتشكّل لديك الإنطباع المثالي بما أنت عليه، وستكون السبب بالصداع المستمر في رأسي بملائكيتك، وسترميني بالجمرات باستمرار أنت وباقي الملائكة، حين تسمعون اعترافي بأني الوحيد بينكم الشيطان سيء الصنع، وستوجهون حينها ألسنة النار نحوي، وتذهبون بعدها للنوم مطمئنين. ولكن قبل هذا الهراء كله، ألا يتوجب علينا التوقف عن التفكير بالورود والنوم والأحلام، ونفكر قليلاً بالكلاب الضالة! فلعلّها ليست ضالة حقاً، ولكن ربما كل مافي الأمر أنها لم تكن ضمن حدود الهِداية أوالأحلام، التي رسمناها لها بمخيلاتنا ومعارفنا البسيطة عنها.

*النص والأعمال الفنية ل”محمود عبود”.

2 Comments

  1. مايا سمعان January 5, 2023 at 10:03 pm - Reply

    النص عميق ومعبر وفيه تحليق الى اللاماورائيات لإعادة العثور على النفس من جديد لعل قبضة الجمر تعطي مغزى الوجود والغاية من الحضور ذاته …
    الوصول في عبور الطريق وليس نهايته إلا أن الحزن للأسف أصبح هوية العربي في كل الدروب المسلوكة ولا يتوج حتى النجاح إلا فيه للأسف لكن سيبقى الفرح هو رمزية الحياة والاستمرارية …
    شكرا لك وللرسومات المعبرة أيضا

  2. Mahmoud aboud January 6, 2023 at 3:10 pm - Reply

    صحيح. فقد حاولت الفلسفة جاهدة ايجاد معنى الوجود، ولكن لم يكن الوجود أصلاً لاثبات الوجود، ويختلف تعريفه ورؤيتنا له كذلك، البعض غائب ولكنه موجود أكثر ممن نراه يومياً.
    هذه التساؤلات تعطنا دافعاً للتفكير تجعلنا نصل لأفكار لم نكن خططنا لها بالخطوة الأولى، وهذا تماماً يمثل الدرب في الحياة كاملة، نبدأ ومن ثم نكتشف، ولانقيد رحلتنا بوجهة واحدة جامدة، الطرق تأكل الجماليات فهي تمثل 1-10فقط، أما الدروب فهي تفاصيل كل رقم بجزئياته على حدى.

    شكراً مايا لقراءتك الجميلة المحفزة🌹

Leave A Comment