
*إجهاض في عين العدم
ليس لديّ ما أخسره! أتذكر ياصديقي؟! قد قلت هذا منذ ألفي عام على ما لا أذكر، حين هممت على رمي نفسي بقلب الحب، بقلب امرأةٍ تتمايل راقصةً على حبال الوقت، وليس لديها أي إجراءات أمان، طفلة تتقن فن اللعب، فتاة تجيد حياكة الخيال والكذب، وتتفنن بغزل الأعصاب على هيئةِ لعبةٍ مشوهة، على شكل كائن خرافي، على شكل “الكراكن”، فهذا سيجعلها تقتله بكل هدوء، وببرود تبتسم وهي تمسح يديها بدقة من الدماء والذكريات، لقد خلّصتُ البشرية من وحش، فهل أنتم لي شاكرين؟
تقولها وهي تضع المنديل المخضب بالدم على شرفة منزلها، لتعرضعها على جميع الزوار، وتخبرهم أن هذه دماؤها التي نزفتها وهي تحاول النجاة.
ليس لديّ ما أخسره، قلتها وأنا أخطو نحو الهاوية، كنت أعتقد أنني أمتلك كل ما أحتاجه، وكنت أعتقد كذلك أني لا أمتلك شيئاً لأخسره، وظننت أن خيوط عقلي وتجاربي كافية لكي لا تجعلني أسقط بحفرٍ ليس عليها دليل.
عشية يوم ممطر، كان يمشي وهو يضع يديه خلف ظهره، خطواته متوسطة الحجم، واثق وهادئ، روحه تتطاير فرحاً رغم أنها مرهقة وممتلئة بالجراح والندب، رأسه مرفوعة، ويتفحص كل ماحوله بعناية، رغم أن عيناه مثبتة باتجاه واحد، باتجاه الأمام، ولا وجود للخيارات الكاملة، كان غالباً يعدُّ خطواته أثناء مسيره، وكما هو طبعه السيء، كان يفكر كثيراً بكل شيء، فيتوه عن العد ويبدأ من جديد، ألف وخمس وخمسون خطوة، ألف ورجل وامرأة، ألف وسبعٌ من المئات ولبوة، سبعٌ سقطَ فريسة حمامة، ألف طعنة وهزيمة، تسعة آلاف حلم ومقصلة، وخطوة أخرى جديدة، وهكذا تنعكس دورة الحياة، فهل تصدق هذا الهراء؟
كان يمشي ويمشي…. هذه المرة لديه هدف واضح متجه نحوه، وقف أمام الحفرة المظلمة التي سمع منها ذاك الصوت الذي يناديه، نظر للأسفل ورأى قطة لطيفة، مدّ يده إليها، كانت تمتلك نصلة صدئة وصورة ووجه، أمسكتْ يده بكل لطف، كانت تنزف بشدة، وهو شجاع بغباء، أحكم قبضته على يدها وحاول انتشالها، فصرخت، إنّها مكبلة بالداخل، وهناك أيدٍ كثيرة تلتحفها وحبلٌ حول رقبتها، غرّه فكره المتقد، والرجال الأذكياء، كما تعلمين يا صديقتي لن يقعوا بفخ النساء الحسناوات، ولكنهم يقعون بسهولة بفخ “القُدرة” أمسك وجهه ونظر إليه، وبثقته المعهودة قال له بصوت رتيب، نعم يمكنك أن تنقذ العالم، يمكنني أن أضرب بيدي على حجر فأجعله ينبض، فلديّ مفاتيح الخزائن، رتبت يده على كتف ذاته، وبدأ هنا تماماً يحرك مفاتيحه بيده فتصدر رنيناً متناغماً، وراحت الوديعة تغني معه “ياعاقد الحاجبين”…. وبدأ بالغرق، والمفاتيح لاتفعل شيئاً إلا إصدار الصوت، ولكن هذه المرة على غير عادته يعود الصدى مختلفاً، يكتمل اللحن، تكمل دندنتها، ترتفع أنفاسه والأدرينالين اخترق السماء، وخزة خفيفة كادت أن تجعله يصحو، قبلة لطيفة منها فيعود للنوم، يغرق أكثر ويكتمل اللحن من جديد، تدندن على لحن جنونه فيغيّب أكثر؛ صوته الذي ابتلعه يصرخ من الداخل، انجو بنفسك يامغفل، توقف أيها التائه، تسمع الجنية الصوت، فتردده على مسمعه وتقدم نصلتها للرجل العجوز، خذها وزد من جراحي، استمع لصوت عقلك فهو حقيقي، اقتلني فأنا وحش على هيئة حمامة، هيا أيها الفارس، ولكن غروره يمنعه فيسحب النصلة ويغمدها بعين الحقيقة فتخترق لسان صوته فيقتل عقله، فتدندن له على حبال صوته المغتالة، ويرتعش جنوناً فهو يمتلك حباً بحجم الكون، ويبدأ بالرقص على موسيقا موته، يملأ كأس الويسكي فيفيض قلبه، وهي تملأ كأس الرم فتزيد فتكاً، وهو يحب الفتاة الشقية، فتكتشف هذا السر، وتهمهم وهي تعصر قلبه محاولة الخروج معه، ولكنها تعود للأسفل وتعود للبكاء، تنظر إليه بعينين تتلألأ، عيناها تخبره أنه لاتزال الأيادي تمنعها والحبل يزداد شدة حول عنقها، فيرتجل خطوة أخرى نحوها، تلفحه نسمات باردة جافة، يمسك بيدها طالباً الدفء، فيحرقه لهيب دمائه التي تنزف، لايكترث فهي مجرد نصلة عاشرة في ظهره، يكلم نفسه: لقد أُدميت إذاً ولامجال للتراجع، تخبره أن عليه التحلي بالصبر، فهي لاتريد إلا أن تصنع دَرجاً من النصال على جسده لكي تتمكن من الصعود، لتزهو الحياة من جديد، يأخذ نفساً ويغمض عينيه فيمسك كتابه ويبدأ بقراءة “السقطة” لألبير كامو.

منذ زمن ماتت نفسي، وفي الصباح قلّبت الوجوه والصحف المحلية بحثاً عن النعوة، وأعلم أني لن أجدها، فقد كانت الصحف كلها تتكلم عن بشر يبحثون عن العمل، الوطن، السفر والزواج، ووجه “ديوجين” لايزال يبحث عن “الإنسان”، وصحيفة حيّنا لم تنشر خبراً منذ أشهر، فكما علمت أن رئيس تحريرها قد مات بعد أن عضّه كلب جارتنا العجوز، أو العجوز ذاتها، ربما.
منذ زمن وإلى الآن متّ آلاف المرات، ولم تُنشر نعوتي على أي صحيفة، فكنت أخرج متسللاً في الظهيرة، لأدفنها بالقرب من مكب النفايات، وماكان شيء يزعجني في هذا كلّه، إلا تلك الرائحة الكريهة، فالنفايات منتشرة بكثرة على رؤوس البشر، والجدران متقاربة وكأنها تتقيء بعضها، والسماء ملتصقة بالأرض وكأنها رأس بقرة تشمُّ عجلها، لتتأكد هل تذرف عليه الدموع أم لا، وأطفال حيّنا الأشقياء سرقوا “برميل” ديوجين، فاشترى قصراً يطلُّ على البحر، وبدأ ينشر مقالات تتكلّم عن حقوق الإنسان والقمل.
ماتت نفسي كثيراً، ولم يعلم أحدٌ بموتها، ولكني ولدت أكثر بكثير، ورحت أسأل نفسي هل تحولت لشجرة!
خرج من شروده بعد أن قرصته نسمة باردة، فرأى النمل مستمر بشق طريقه الطويلة، ابتسم وراح يفكر بشكل جيّد، إلى أن توصل للحل، اتجه مباشرة للهاوية وقفز دفعة واحدة، إلى أن اصطدم القاع به، قفز إلى مابعد فتاته تماماً، وصعق مما شاهده، ثعابين، شياطين، نصال صدئة، أشباح وأشباه بشر، مسوخ، ديكة بلا رؤوس، ذئاب بوجه عصفور الحسون، لوحات رسمت بالدم تماماً.
يقول: أخيراً هذا هو الجحيم إذاً، كان عالماً موازياً لم يعلمه من قبل، بل لم يتوقع وجوده؛ يدها تتحرك بلطف تتحسس وجهه، أصابعها تدغدغ جبهته متجهة إلى خديه، وتكمل النمال طريقها نحو المحرقة، فالحرب مشتعلة في أوكرانيا، وحقول القمح جَدُبت كعقله تماماً، تضع إصبعها على فمه تمنعه من الأنين أو اللوم والشكوى، وبدأت تُعرفه على العالم الجديد، أرأيت هاقد وصلنا سوياً إلى المكان المطلوب، تخبره بهذا وهي تشرب نخباً ما بلون الدم، علم أنه لم يسقط أبداً بل كان هو “السقطة” تماماً، ولم يجد حلاً إلا أن يبدأ حربه ويستعيد عقله، فلا وجود للخيارات الكاملة، جعل فتاته خلفه تحتمي به، اتجه نحو الوحوش وبدأ بطردهم، أدماهم وأدموه، التهم الثعابين، فلديه قدرات رهيبة، ولكن كان يشعر بين الحين والآخر بلدغة بظهره، يشعر بطعنة برقبته، وأحياناً يتمزق عصب في فخذ قدمه، يلتفت للخلف، فلا يجد إلا فتاته بعيون تتلألأ وداعة، وتخبره أنها تشعر بالدوار ولم تعد تستطع التمييز، أو يسمع صراخها وحين يعود لها تكون تنزف دماً وحزناً ومكراً، فتلومه لأنه لم يستطع حمايتها، كان نظره مثبت للأمام ولكنه يجيد رؤية أبسط التفاصيل من كل الاتجاهات حوله، كانت بعد طعنه ترسم على جسدها ندباً بذات النصلة، فتختلط دماء الضحايا والكلام، ويبقى هو المدان الوحيد، فتعلق مشنقته وعليها كل مبرراتها وحماقاتها، كانت لطيفة وباردة، ولاتشبه حتى نفسها.
انتهى أخيراً من إعادة ترتيب المحيط كله، وانتهت من سلخه تماماً ومن تمزيق أعصابه، نظر لنفسه بالمرآة فاذا بشخص لايعرفه، شخص قد تشوه كثيراً بالحزن والألم والخوف، ولكنه لايزال مبتسماً.

هذه المرة وقف عقله حازماً وبصرخة واحدة كانت كفيلة لإيقاظه، استجمع ماتبقى منه، أخبرها برسالة إلكترونية أن وجهته الحياة، وأنه مستنزف ويحتاج للدفء، وعليه العودة ليعانق ضوء الشمس، فهلا رافقتني؟
وكان الرد منها بسرعة على غير العادة، أنت مشوّه ياوتين قلبي، وانظر لنفسك جيداً فلقد تحولت لكراكن، وببرود تبتسم وهي تمسح يديها بدقة من الدماء والذكريات، قالتها وهي تضع المنديل المخضب بالدم على شرفة منزلها، لتعرضعها على جميع الزوار، وتخبرهم أن هذه دماؤها التي نزفتها وهي تحاول النجاة من جديد.
لملم نفسه بحقيبة قديمة ضيقة وخرج لأشعة الشمس، كان يشعر بالفخر بنفسه، فقد كان له شرف المحاولة، كان له شرف النجاة، شرف انتصار الفشل على الانتصار التقليدي، مسح وجهه براحة يده، نظر للسماء، أشعل سيجارته، قرصته نسمة لطيفة باردة، أغلق عينيه بسبب أشعة الشمس، صوت فتاة من بعيد يهمس له (ياعاقد الحاجبين) حمل نفسه على كتفه، ومشى بهدوء متجهاً لمصدر الصوت فأجاب صداه:
(جئتك من كل منافي العمر أنام على نفسي من تعبي)
*محمود عبود.
*الأعمال الفنية باستثناء لوحة “الكراكن” لكاتب النص محمود عبود.
*الكراكن: كائن خرافي ورد ذكره في الأساطير الاسكندنافية، يعيش في البحار ويشبه الأخطبوط الضخم وبعينين واسعتين، كان يهاجم سفن البحارة ويحطمها، وكتبت عنه الكثير من الأساطير، وتم تجسيده في عدد من الأعمال الفنية.
