يُهدي اراهيم حساوي هذه الرواية إلى الذين لا يعرفهم ولا يعرفوه (للذين لا أعرفهم ولا يعرفونني)، وقد آثرت البدء في الحديث عن الرواية من هذه العبارة التي استوقفتني مطولاً، لعمق دلالتها، ومحمولها الإنساني، إذا أن مقولة (المعرفة قتّالة) لا تقتصر على ما اصطلح من مفهوم”المعرفة”، فهي هنا تاتي بمعنى “التعارف”، معرفة الآخر عن كثب، سواء كمعرفة شخصية ولقاء فيزيائي، أو من خلال مواقع التواصل التي أتاحت لنا معرفة الكثير من الناس دون اللقاء معهم فيزيائياً، فالمعرفة بمعنى التعارف أحياناً تكون مخيبة للآمال، وأحياناً تطغى صورتنا عن الآخر على أسلوب تعاطينا معه، وعندما نتقارب ونتعارف، نكتشف ضآلة ما نعرف، فغالبيتنا يتسامى، ويدّعي الرِفعة، وغالباً ما نسعى لإحاطة أنفسنا بهالة من المثالية ، وإظهار أنفسنا على أكمل صورة في محيط معارفنا، فالذين لا نعرفهم ولا يعرفوننا قد يكونوا الأكثر حيادية تجاه ما نقدم في الفضاء العام، والأكثر قدرة على رسم صورة ما لنا، أقرب لطبيعتنا كبشر، ويجمعنا معهم المشترك الإنساني بعيداً عن كل الصور المُسبقة أو التالية، والتي عادة ما تتكون عن أي منّا خلال علاقتنا بمن نعرف، أما الهامشيين والمهمشين وغيرهم ممن لا نعرفهم، فهم الأجدر بهذا الإهداء الذي يمنح ما قُدم في عالم الإبداع بعداً إنسانياً، هو الأكثر مشروعية في أي إبداع أدبي، لأنه لا ينتظر من أحد شيء، ولا حتى الإعجاب والإطراء الذي يتوقعه الشخص عادة من المقربين، والأصدقاء والمعارف.

الحكاية و شخصيات الرواية
بسردٍ جميل، مبني بشكل متماسك فنياً، وحرفية متمكّنة من أدواتها، تمضي رواية “الباندا” مع شخصيات بُنيت أيضاً بشكل ليس من الصعب لأي قارىء إدراكه، فما بين الهشاشة والارتباك، والصلابة وطرح الأسئلة الوجودية صغيرها وكبيرها، تتنوع شخصيات الرواية ليتم توظيف هذا التنوع في خدمة رواية الحكاية، واستنباط مغزاها، فإذا كان المحور الرئيسي للحكاية في الرواية يدور حول “جائزة نوبل للسلام”، ومدى أحقيتها ومشروعيتها، فإن الرواية برمتها، ومن خلال تشابك العلاقات بين شخصياتها، وتواتر أحداثها، تُشير إلى مصير الإنسان، وأسئلته الوجودية التي لا جواب لها، أو لها أجوبة نتجاهلها كبشر عن عمد لنواصل حياتنا، فالجميع يُدرك عبثية هذه الحياة وانتهاء رحلتنا فيها، وعدم أهمية الكثير مما يدور حولنا، وهامشية الكثير من التفاصيل التي أغرقنا أنفسنا بها، ورغم هذا الإدراك، نتمسك بالحياة، ونُصارع ونتصارع من أجل البقاء فيها أطول مدة ممكنة، فهذا “عمران” أحد الشخصيات الرئيسية في الرواية يُدرك هذه الحقيقة، ويتصرف وفق هذا الإدراك ( كل شيء واضح، مثل بياض وسواد وحجم دب الباندا المهدد بالانقراض)، ولعل أبرز ما في هذه الرواية – على غرار بقية أعمال الكاتب – كانت شخصيات الرواية، فكل شخصية منها جديرة بالدراسة والتحليل، ولكأن الكاتب عالم نفس، يحفر في لاوعي كل منها، ويستبطن كل عُصاباتها، ويفهم هوسها وهسترتها، وانشغالاتها، وهذا ما جعل منها شخصيات حية، وكأنها تعيش بيننا، شخصيات من الصعب التنبؤ بسلوكها رغم معرفتنا بعصابيتها، مما يجعل هذه الراوية “رواية سيكولوجية” بامتياز، رغم ما أجده فيها شخصيا – كما أعمال راهيم الأخرى – من فلسفة ورؤية خاصة للحياة والوجود.
نظرية “عاصم التل” الذي انتحر، تاركاً لابنه “عمران” مهمة تأكيد صحتها، كانت تتضمن أفكاراً حول جائزة نوبل للسلام، ويأخذ عمران على عاتقه جدياً هذه المهمة، فتمضي بنا الرواية لتبين كيف يُمكن صناعة الشهرة لبعض الأسماء، وكيف يُمكن التلاعب بعامة الناس من خلال الأدوات العصرية التي باتت مُتاحة للجميع، فيلمع نجم أحدهم، بينما ملايين المهمشين حول العالم قد يكونوا أكثر أحقية بهذه النجومية، فما ومن الذي يصنع مصير الإنسان والتحولات الكبرى التي تطرأ على حياته؟ وهل يمتلك أي من الناس القدرة على صياغة مصيره؟ وهل يحتاج السلام والعمل من أجل السلام إلى جائزة حقاً؟ وهل فعلاً من نالوا هذه الجائزة هم أجدر من غيرهم على بناء السلام ونشره؟
(هذه الجائزة مجحفة بحق الإنسانية لأنها تحط من شأن كل فرد في هذا العالم لصالح فرد آخر يعيش تحت الضوء من أول لحظة ينوي فيها العمل في هذا الشأن، في حين أن هناك مليارات الناس لا يمكن لأحد أن يرصد تجربتهم الإنسانية التي تقوم على أدق التفاصيل، التي قد تكلفهم سنوات عمرهم دون أن يعرفوا ما معنى نوبل للسلام، أو ما معنى حقيقة الفعل الذي يقومون به سوى ذلك الإحساس بالسعادة).

يُحول “حساوي” وبشجاعة وجرأة كبيرة، جائزة نوبل للسلام إلى مهزلة حقيقية، فتنطلق مئات الأسئلة حولها، وغالبية يعرفون الأجوبة عنها، والتي تُبين درجة عبثية هذه الجائزة، وعدم مشروعيتها، وأحقية ملايين بها إن كان لا بدّ من وجودها، ومع ذلك منح الجائز مستمر بالطريقة ذاتها التي نتمسك بها بالحياة، رغم إدراكنا لعبثيتها، ولنهاية كل ٍ منّا فيها.
169 صفحة من السرد الشيّق، والحوار الرشيق، والأفكار والمشاعر المُعبّرة عن بواطن وخفايا النفس البشرية، وشخصيات متعددة يُمكن لأي منّا أن يصدف أحدها في الفضاء العام للحياة.
عن التقنيات الفنية للرواية
يمضي القارىء رحلة مُمتعة مع نص روائي كُتب بحرفية عالية، وأسلوب فني مُدهش ورصين، يستطيع الإمساك بالقارىء وشده إلى عالم الراوية وشخوصها وأحداثها، والجميل بهذا العمل هو هذا التناغم والانسجام ما بين الزمن والمكان ( الزمكانية)، فالانتقال بين زمن وآخر، ومكان وآخر، وتنوع زمن السرد، لا يُحدث أي شرخ أو شعور بفراغ ما أو هوة ما لدى القارىء، وكذلك الحوار بين الشخصيات الذي يقطع وصف حدث ما، ليستكمله بشكل خاطف دون أن يُثقل ذهن القارىء أو يشتت السرد، ودونما إفراط بالإنشاء أو الجمل الشعرية، جاءت لغة الوصف أيضاً، لغة مُعبرة، أشاعت الجو المناسب لتقديم كل حدث، واستحضرت تفاصيل دقيقة غذّت بناء الشخصيات، رغم عدم القدرة على التنبؤ بسلوكها التالي، وما ستكون عليه، فخطاب اللغة كان منسجماً بكل سياقاته مع بقية عناصر العمل (زمان ومكان وأحداث وشخصيات)، مع احتفاظها بكل جماليات الوصف الروائي، وما يتطللبه من فنيات، ففي وصف انتحار “عاصم التل” نقرأ :
( قد قتل عاصم التل نفسه في مكتبه ممدداً على الأريكة التي بجانب النافذة المُطلة على شارع طويل. أما النافذة الثانية فلقد كان يستطيع من خلالها رؤية البناء الذي يحتوي على شقته التي يعيش فيها مع زوجته رحاب وولده عمران وابنته جيداء وأخته سعاد.
لقد قتل نفسه في ليلة شتائية عاصفة، زاد انقطاع التيار الكهربائي من كآبتها واضطرابها. كل ما يدور كان يشير إلى أن شيئاً ما سيحدث في تلك الليلة، كانت السماء تتكسّر مثل وعاء زجاجي بداخله حمم بركان صغيرة تتحرك باتجاهات متعاكسة مصطدمة بعضها ببعض.
تهشّمت مظلاّت القصب التي كانت فوق أسطح الأبنية، وأجهزت الأمطار الغزيرة على بقايا الطلاء القديم المتشقّق على الجدران الخارجية لبعض الأبنية المهجورة، ليكون مصير هذا الطلاء ضمن سيول انحدرت نحو المنخفضات والزوايا التي صارت على شكل برك من الماء تطفو عليها الأكياس والأوراق وعُلب السجائر والكبريت والكثير من أعقاب السجائر. كانت ليلة موحشة).
رواية “الباندا، رواية مُدهشة بكل معايير العمل الأدبي الجميل، وهي من نمط الرواية السيكولوجية/ الفلسفية النادرة التي نفتقدها في عالمنا العربي، لكثرة اتكاء الأعمال الروائية في العقد الأخير على قضايا الربيع العربي والثورات والحروب، وإهمال الجوهري والأساسي الذي يُمس الإنسان فينا جميعاَ، رواية جديرة بالقراءة والتقدير.
*راهيم حساوي، أديب سوري، مقيم في ألمانيا، صدر له العديد من المسرحيات ( السيدة العانس، أنشودة النقيق، الرخام)، والروايات ( الشاهدات رأساً على عقب، ممر المشاة، الباندا)، وحصل على الجائزة الثالثة لمسابقة الشارقة للتأليف المسرحي للكبار عام 2011 م، عن مسرحية “الرخام”.
* خولة حسن الحديد
