منذ أمد بعيد سُميت الصحافة ب( السلطة الرابعة)، ولاحقاً كل الإعلام، فإذا كانت الصحافة والإعلام عموماً لا يعتمدان إلا على اللغة وما تحمله من خطابات، وإن تحولت لاحقاً الصورة إلى سلطة أخرى كجزء من هذا الخطاب وكلغة بصرية أيضاً، فما الذي منح لغة الصحافة تلك السلطة المهمة، بحيث تُشكل أحد أهم السلطات المجتمعية؟

هل نحن أسرى الخطابات؟

في مسلسل “المسيح” الذي عرضته شركة “نتفليكس” بداية العام الجاري، والذي أثار الكثير من الجدل والغضب، لا شيء سوى الكلمات، وبالرغم من قول بعضهم: ( إن هذا المسلسل يتمحور حول فكرة أساسية تقول بأن الإنسان هو ما يُؤمن به، ويبرز ذلك من خلال إيمان  البشر وعلاقة الدين بالسياسة، وإن تسلسل مسيره الممثل واستعراضه لنفسه كان مثلما ورد في الأحاديث الشريفة لدى المسلمين عن المسيح الدجال)، ومن خلال هذا الوصف يتضح حجم تأثير الكلمات وما تحمله من خطاب، على عقول الناس، وتوجيه سلوكها، من خلال البنى الذهنية التي تتحكم فيه.

في هذا المسلسل شخص واحد امتلك اللغة وتسيّد الخطاب، فقد أتقن تضمينها خطاباً يُحاكي أرواح الناس وقلوبها وما تؤمن به، ومخاوفها وآلامها، فاستطاع السيطرة على عقولها، وجعلها تمضي خلفه، لم يفعل شيء هذا ” المسيح” إلا إلقاء الكلمات، الكلمات التي تسحر الناس بقوة مضامينها، وجوهرية خطاباتها بما يُحاكي أعماقهم، ومن ثم ليُصبح الخطاب “سلطة”، أجل، سلطة لا أحد يقف أمامها، أو يُمكنه الهروب من قبضة قوتها الآسرة، ولا حتى أكبر عملاء السي آي إيه أو عناصر المخابرات “الاسرائيلية”…، ولربما هذا أكبر تجسيد لمقولة “سيغموند فرويد”: ( من امتلك الخطاب امتلك السلطة).

في مشهدٍ آخر موازي لهذا الخطاب السلطوي، يبرز أيضاً الجسد بقوة غريبة، ليكون خطاباً آخر، مُعبراً عن الحقيقة، الحقيقة عارية ولا يُمكنها أن تكون إلا كذلك، فالحقيقة العارية انتصرت على قوة السلاح، وعلى الجنود المدججين بالسلاح، ولكن من يتجرأ على هذا  العُري ؟ وهل نحتاجه لننجُ؟

ففي عُري الفتى الفلسطيني كانت النجاة لمئات من المحتجزين الذين ساروا خلفه، كما سار الناس في أمريكا وراء هذا “المسيح”، وتنتهي المسألة بأحد مشاهد العُري بالتوازي مع مشهد الناس و”المسيح”، أمام البيت الأبيض في واشنطن !

إنها أمريكا، أمريكا فقط من تمتلك اليوم قوة الخطاب وسلطته، وهي فقط من تمتلك الحقيقة التي على الجميع أن يؤمن بها.

قد لا يقرأ كُثر ذلك في هذا المسلسل، لكن هذه الرسالة واضحة جداً، وعلنية بشكل فج، ولو تتبعنا “الصورة” والمسار الذي قادت إليه المشاهد، وبقليل من الوعي، وقليل من فهم الدلالات، يُمكن لأي منّا أن يفهم الرسالة، فالمسألة فعلا بهذا الوضوح.

لوحة فسيفساء ل”أورفيوس” التي عثر عليها في مدينة شهبا (فيليبوبوليس) في محافظة السويداء الحالية/ سوريا، وتصور اجتماع المخلوقات إليه لتنصت لعزفه وكلماته.

يقودنا ذلك إلى استذكار العديد من الأساطير التي تؤكِّد على سلطة الخطاب، أياً كان الحامل الأساسي له، فمن الممكن أن يكون حامل الخطاب هو الصور أو الموسيقا باعتبارها لغة أيضاً، أو الكلمات وغيرها من حوامل، فمثلاً تقول الأساطير أن الموسيقي والشاعر الغنائي “أورفيوس”، كان يسحر الناس والكائنات بكلماته التي يلقيها عليهم، وبموسيقاه التي يسمعهم إياها، فما أن يبدأ بالعزف وإلقاء الكلمات كانت تتبعه كل المخلوقات، من بشر وحيوانات وأشجار وجبال، وحتى الأنهار كانت تتوقف عن الجريان كي تنصت إليه…..

الناس إذا أسرى الخطاب الموجه لهم، وأسرى ما يترتب على ذلك الخطاب.

الخطاب حجّة وبرهان

يقول الفيلسوف “ابن رشد”: (مِنَ العدل أن يأتِ الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي به لنفسه)، وقد يُمائل هذا القول بطريقة ما، القول الشعبي إن ( الرجل يُربط من لسانه)، كدليل على أهمية الكلمة، فالكلمة هنا وعدٌ قاطع، وعقد اجتماعي بينك وبين الآخر، وحتى عبارة “ابن رشد” تحمل في جوهرها خطاباً آخر يُمكن استكشافه للتعبير عن العقلية المجتمعية السائدة في عصره، فهو لم يقل: ( أن يأتِ الإنسان)، بل قال: ( أن يأتِ الرجل)، وهذا انعكاس كامل لاستبعاد المرأة من فضاء الحياة العامة، فالرجل فقط هو من يحاجج ويخاصم أما الملأ من الناس وليس المرأة، وهذا بحد ذاته خطاب اجتماعي، يعكس بنية ذهنية معينة ما تحكمت بسلوك المجتمع منذ قرون، وخاصة إذا ما عرفنا أن عصر “ابن رشد” كان زمن اضطرابات سياسية واجتماعية دفع هو نفسه ثمنها، وخرج مطروداً من الأندلس بسبب خطاباته تحديداً، فهي كما أغلب الفلاسفة كانت الحجة والبرهان عليه، مثلما كانت في الوقت ذاته حجة له، وهي في الوقت نفسه حجة على مجتمع كامل، وبنية تفكير لمجتمع كامل خلال فترة محددة من الزمن، وللمفارقة أن هذا الخطاب ذاته جعل الناس يبنون له التماثيل لاحقاً، وفي المدن التي طُرد منها يوماً ما.

تمثال ابن رشد في مدينة قرطبة

في حوار (مشهد الفلسفة) المنشور على موقع مؤمنون بلا حدود، يقول “ميشيل فوكو”:

(أعتقد أن المعرفة في مجتمعاتنا اليوم هي شيء واسع ومعقد جداً، لدرجة أنها أصبحت في الحقيقة اللاوعي الخاص بمجتمعاتنا، نحن لا نعرف ما نعرف، لا نعرف ما هي آثار المعرفة. يبدو لي إذن، أن المفكر بإمكانه أن يَتَجَّشَم دور ذلك الشخص الذي يعمل على تحويل هذه المعرفة التي تسود كلاوعي خاص بمجتمعنا إلى وعي).

كيف يُمكن تحويل المعرفة التي تسود ك”لاوعي” خاص بالمجتمع إلى”وعي”؟، لا يتم ذلك إلا من خلال اللغة بأشكالها وأنماطها وتجلياتها المختلفة، وكما ذُكر سابقاً فالموسيقا لغة، والصورة لغة، وليست الكلمات وحدها، وكل هذ اللغات تُنتج خطابات معيّنة تحفر عميقاً في لاوعي الناس، حتى تحين اللحظة المناسبة لتتم صياغتها بمفاهيم جديدة تطفو على السطح وتُشكل الوعي الظاهر للمجتمع بكليته، ومن هذه المنطقة تحديداً الخاصة بتاريخ العلم وتاريخ الفلسفة، توصل “جيل دولوز” إلى أن ( الفلسفة هي صناعة المفاهيم، أو إعادة صياغة المفاهيم القديمة)، واعتبر“فوكو” نفسه أن أهم جزء بتاريخ كل علم ومراحل تطوره هو تاريخ الأفكار التي رافقته، لذلك قال: ( لمعرفة تاريخ أي علم، علينا العودة إلى الايديولوجيا التي تزامنت معه)، الايديولوجيا، الأفكار، هي حرفياً مضامين الخطابات السائدة، والمفاهيم هي حرفيا لغة لها حواملها المختلفة، ونحن كبشر نتمثّل الأفكار التي تعبر عنها الكلمات وتُشكل بنانا الذهنية بطريقة ما، وشيئاُ فشيئاً يكون من الصعب التخلي عنها لأنها باتت جزء من صورتنا عن أنفسنا وعن العالم، فالخطاب إذا حسب – فوكو- يشكل الوعي، وهذا الوعي هو الذي يتحكم في سلوك الناس ويحكمها.

ميشيل فوكو

كيف غيّر الخطاب مفاهيم العلم والمعرفة؟

تجسيداً لما قاله “جيل دولوز” حول المفاهيم وحيثيات صناعتها وتجديدها، ممكن أن نجد العشرات من الأمثلة، فبعد قرن كامل من الزمن، لم تُنتج البحوث العلمية الخاصة بدراسات ( المثلية الجنسية) -على سبيل المثال- أي جديد يخرج عن الرؤية التقليدية لنتائج أغلب البحوث في هذا المجال، والتي تُحيل إلى أسباب وجودها في المجتمع الإنساني والحيواني إلى ثلاثة أسباب: الأول بيولوجي، فيزيولوجي، والثاني بيئي، والثالث يجمع بين الفيزيولوجي والبيولوجي والبيئي، فما الذي دفع منظمة الصحة العالمية، والجمعية القومية الأمريكية لعلم النفس، لاستثناء ( المثلية الجنسية) من تصنيفاتهما للاضطرابات النفسية والعصبية؟

الجواب يكمن في الخطاب، وتاريخ الأفكار وتطورها، فالخطاب الليبرالي ومن ثم النيوليبرالي أيضاً، الذي يرّكز على الحريات الفردية كشأن أعلى في المجتمع، وأهمية منح الفرص للإنسان رجل كان أو امرأة، لاختيار هويته الجنسية والدور الجنسي الذي يرغب في ممارسته وعيشه في الفضاء العام، وبالرغم مما يترتب على هذا الأمر من مشكلات نفسية واجتماعية فيما يخص (الهوية) على الصعيد النفسي للإنسان نفسه، وما ينتج عنه من مشكلات اجتماعية لها علاقة بالصحة حيناً وبقضايا الإنجاب والنوع البشري حيناً آخر، فقد كان الخطاب الليبرالي وما بعده، أقوى من هذه المشكلات، وكان له من السلطة، ما دفع كبرى المؤسسات الدولية، وكبرى المؤسسات الدينية إلى الخضوع له، لأن هذا الخطاب أيضاً – وهذا غير خافٍ على أحد – مدعوم بسلطات أخرى، هي سلطة المال والسياسة.

جيل دولوز

في تطور المفاهيم، وإعادة صنعها أو إنتاج مفاهيم جديدة، أيضاً، يُمكن أن نتعرّف على مثال آخر لتأثير الخطاب الليبرالي وما بعده، وما يدعمه من قوى اقتصادية وسياسية، إذا ما ذهبنا إلى باب الإعاقات الجسدية والعقلية، والتي لزمن طويل سُميت علمياً ب”الإعاقة”، ولزمن طويل دُرس هذا المفهوم في الجامعات وكُتبت البحوث تحت هذا الاسم، وشيئاُ فشيئاُ بدأت المفاهيم تتغير، فحلّت تسمية ( الإنسان غير العادي)، عوضاً عن كلمة ( المُعاق)، ومن ثم (الإنسان ذي الاحتياج الخاص) وأصبح مفهوم ( ذوي الاحتياجات الخاصة) يحل مكان كلمة ( المعاقين) في وسائل الإعلام والفضاء الاجتماعي، وكل منابر ومؤسسات العلم، حتى أن الاسم أصبح متجاوزاً كل هذا في بعض الدول، كما في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أصبح اسم هذه الفئة ( ذوي الهمم) ككناية على تحديهم لظرفهم الخاص، وهمتهم العالية في مواجهته.

في استبداد الخطاب

لو تتبعنا تاريخ أغلب المفاهيم والأفكار، لوجدنا أنها تخضع بشكل مباشر لتأثير الخطابات السياسية، والاقتصادية والاجتماعية السائدة خلال فترة معينة من الزمن، فتاريخ العلم شئنا أم أبينا هو جزء من تاريخ إنتاج الخطاب، وبغض النظر عن صحة وأحقية تداول مفهوم ما من باب الحجج والبراهين العلمية، يخضع العلم بالمحصلة للخطابات السائدة، ومعه أيضاً يخضع كل المجتمع الذي يُعاصره، فلم يعد اليوم هناك في قاموس العلم كلمة ( شواذ أو شذوذ)، ولا كلمة ( إعاقة أو معاقين)، بالرغم أن هذه الكلمات توصيف لغوي محض، لا يحمل أي وصم ما لأي إنسان، إلا بقدر ما يتخذ ويُنتج مجتمع ما من أفكار وسلوكات، تضع من هذه الكلمات في خانة وسم معين.

إذاً، نحن أسرى الخطاب، أياً كان هذا الخطاب، وبإرادة وبدونها، بطريقة ما نحن نعيش في الخطابات، والتي في كثير من الأحيان تُشكل وتُمثل سلطة حقيقية، سلطة لا يجرؤ أحد على مخالفتها، فلهذا الخطاب أيضاً طابعه الاستبدادي الذي ينجم عمن أنتجه، فبغض النظر عن غواية الكلمات، وسلطة الكلام المطبوع وهيبته، أو قوة الصورة وتأثيرها، والمسموع أيضاً وما يُثيره من انفعالات وتأثيرات عقلية وإدراكية، فإنّ كل الخطابات يكمن وراءها سلطة قوية، لا تقل استبداداً في كثير الأحيان عن الاستبدا السياسي أو الديني، أو أي خطاب آخر يعمل بعقلية “المُطلق” غير القابل للنقاش، فالخطاب أيضاً “مستبد”، ونحن نخضع له كما خضعنا لكل أشكال الأستبداد عبر الزمن.

د.خولة حسن الحديد، أبوظبي، أيلول/ سبتمبر، 2020.

3 Comments

  1. Nabil Ibrahim September 9, 2020 at 10:55 am - Reply

    تنقل سلس في عرض الموضوع
    سلمت يداكِ

  2. زيدون الجندي September 9, 2020 at 11:04 am - Reply

    👍👍👍

  3. مايا June 25, 2022 at 2:27 pm - Reply

    شكرا دكتورة خولة نص مهم جدا ورسالته عميقة وموجهة للسؤال دايما عن طرق التأثير بالشعوب واغفالهم عن أنفسهم وجوهر حياتهم فاللغة هي سعة أف والخطابات غالبيتها مسيسة من رجال قوة تعابيرهم مقنعة مثل الدجالين رجال الدين فسيطرة البطريرك الكهنوتي الى اليوم هي الحاضرة قي غالبية المجتمعات …

Leave A Comment