
على كرسي خشبي عتيق، على رصيف عتيق، أمام مقهى عتيق، قرب قلعة عتيقة، كنتُ جالساً أطالع الكراسي الشاغرة، وأتلمظ أمنيات عجيبة غريبة، أغربها هي أنني تمنيت لو كنت واحداً من تلك الكراسي، لم أعرف من الناس إلا أقفيتهم، فهي على قرفها تبقى أقل بشاعة من وجوه كثيرين منهم، وأكثر صدقاً حتى عندما تطلق الريح؟
أحتسي الشاي العراقي اللذيذ، الذي لم تنل من مذاقه الطيب يد الكرسون الهمجي، الذي يكاد يضرب زبائنه بالأقداح، بدل أن يقدمها لهم تقديماً يليق بمن بذل ماله لقاء قدح الشاي.
الشمس التي هربت من يوم صيفي إلى قلب الشتاء، ضجيج السيارات، صوت الأغاني التي لا أفهم منها حرفاً، ذكريات جميلة تجلد الروح حنيناً، وأخرى سيئة، يُماثل مرورها مرور تلك الجميلة قسوة، وأحداث آنية تتدخل عندما يُتعب جلدي سياط الذكريات، فتجلدني بسياط الحيرة، كل ما سلف كان كافياً لأفقد أعصابي، وأزجر بائع العلكة الصغير، الذي قاطعني عن معايشة قسوة و مرارة كنت لأعيشهما بحدودهما القصوى بطيب خاطر، لولا إلحاحه فزجرته قائلاً:
أتعمل أم تشحد!!
تعملق الطفل اللحوح بشكل عجائبي، حتى بلغت هامته حدود السماء، وهو ينظر إلي شزراً وصاح صيحة كبرى:
“تخسى !! إحنا ما نشحد، آني أشتغل”، و مضى مبتعداً.
كانت عينيَ ترقبانه، بينما أستذكر في رأسي شريطاً مصوراً لأحد المقاتلين العراقيين في الفلوجة، ظهر على الإعلام قبل سنوات، يتحدث ملثماً عن ممارسات الأمريكان في المدينة، ثم تبلغ منه العزة مبلغها، فينزع لثامه بعنف، ويلقيه أرضاً ويصرخ:
“سأقاتل مكشوف الوجه منذ اليوم … آني عراقي و العراقي ما يخاف.”
كنت أتمنى اللحاق بالعملاق الصغير معتذراً، لكنني عوضاً عن ذلك بقيت مكاني، أبحث لنفسي عن ذرائع ومبررات تخفف عني وطأة الخجل و الندم، فما أفلحت في هذه، ولا في تلك، بل بقيت جامداً ككرسي عتيق، ألوك أفكاري فأعجز عن ابتلاعها.

أردت أن أنصرف لقدح الشاي، وسيجارتي التي نسيتها، ولا ينسيني سيجارتي إلا الشدائد، لكن بائع العلكة ظهر مجدداً، مرّ من أمامي، ورمقني بنظرة عتب فطرت فؤادي، فناديته، لكنه أبى الرد، فألحيت في دعوته، فاستجاب، واقترب مني بحذر.
-اجلس
– “لا عمو ما أجلس، أريد أشتغل “.
– أريد أن أشتري منك العلكة، و هذا شغل ..
– إي حگها ربع
– ما اسمك ؟
– محمد من الموصل.
– عمرك ؟؟
– تريد علبة وحدة؟
– نعم تكفيني واحدة، حتى أنني لا آكل العلچ لكن سأشتريها ..
– مزالك ما تاكل علچ، عليش تشتريها ؟
– سأهديها لأحدهم.
– زين …
ووضع العلچ أمامي على الطاولة، ووقف منتظراً أن أؤديه ثمنها.
أعدت عليه السؤال عن عمره، وقد سحبته من كتفه لأجلسه، فترقرقت كلماته، يحدثني أنه من الموصل، وأنه في الصف الرابع، وهو من شطار صفه، وأنه ليس متسولاً، بل هو يستغل “عطلة كورونا” وغيرها من العطل في العمل، ليساهم في تكاليف الحياة، وسداد آجار بيته مع أهله، فهو يسكن بيتاً، وليس مشرداً أو ابن شوارع، كما أكّد لي دون أن أسأله.
أسهب محمد بالحديث، ولا أعلم ما إذا كان يدرك أنه يُشذب شعث أفكاري، ويرتبها، وأنه يهذبني ويؤدِّبني، وينوب عن أمي بين حين وآخر، فيصفعني صفعة أستحقها، ولم يطاوعها قلب الأم على توجيهها لي في وقتها.
شعرت بحرارة صفعته، فقلت له متقياً صفعة أخرى:
لا تكن لحوحاً في البيع، فتُغضب زبائنك، وتسمع ما لا يرضيك.
فكنت كمن أدار له خده الآخر، إذ قال لي:
“عمو إن ما عملت هيچ ما أبيع …”
صارت صفعاته مؤلمة، فأردت أن أنهي حديثي معه، فقلت له:
– إذا كنت تقبل اعتذاري، يُمكنك الذهاب..
فرد بخجل:
عمو إنت ما تعتذر، إنتا بمقام أبوي ..
ويحك يا محمد!!
أبيت إلا أن تنهي معركتنا بالضربة القاضية!!
ويحك يا محمد!!
أبيت إلّا أن تذكّرني أن العالم قذر، والحياة غدارة، وأنه لا غرابة أن يكون ابني أو ابنتي مكانك يوماً، فلا أرضى له ما ارتضيته لك…
ويحك يا محمد!
فقد وضعت يدك في وجهي كمرآة، أنظر فيها فأعاتب نفسي، وأذوب خجلاً، و ندماً، كيف اخترت أن أنفث غضبي في وجهك، بدل أن أنفثه سمّاً، في وجه من أوصلني للجلوس حائراً على هذا الكرسي العتيق.
*بقلم: زياد “زيدون” الجندي.
*الأعمال الفنية للفنان العراقي الراحل “كاظم حيدر”.
